إلى رئيس تحرير الأهرام

كتبت الأهرام بعض مقالات في الثورة العرابية بمناسبة مرور خمسين عامًا على تلك الثورة، كان القراء يطالعونها بكل تلهُّف واهتمام، وكان أكثرهم يحفظها. ولكن الأهرام انقطعت منذ أيام عن مواصلة هذه السلسلة، فهل لذلك من سبب؟ وقد كان طمعنا أن يُحفظ هذا التاريخ يومًا فيومًا؛ لأن لنا به عظة ولذة، فهل لكم عودة إليه؟

أحمد فهمي

هذه الكلمة تلقيناها منذ بضعة أيام، فلم نشأ أن ننشرها لأننا قلنا في آخر نبذة نشرناها عن أطوار الثورة إننا نسمعها يومًا فيومًا، وإنه بعد تأليف وزارة شريف باشا في ٩ سبتمبر ١٨٨١ وإجابة مطالب الضباط وخضوع الضباط لمطالب الحكومة بأن ينقلوا آلاياتهم من القاهرة إلى الأقاليم — إسكندرية ودمياط والتل الكبير — أُعلن قانون مجلس الشورى الذي نشرناه، وأخذت الحكومة بمباشرة الانتخابات، ولم يقع ما يستحق الذكر، وقلنا إن الحكومة عينت ٢٦ ديسمبر لجمع المجلس.

فمن ٤ أكتوبر إلى أوائل ديسمبر كانت في مصر هدنة في الباطن، سواء كان في مصر أو في أوروبا. أما في مصر، فإن محمود باشا سامي ناظر الجهادية أخذ يقنع شريف باشا بإعادة آلاي عرابي باشا من التل الكبير إلى القناطر الخيرية، حتى يكون تحت سمع الحكومة وتبصُّرها، وإن بقاء هذا «الشرقاوي» في الشرقية بين أهله وعشيرته يَزيد في قوته ونفوذه، ولكن شريف باشا أدرك السر في مسعى محمود سامي، فأخذ يحاول إبعاد هذه الكأس عنه، فلم يفعل شيئًا في أكتوبر ونوفمبر.

أما الدول فإن غامبتا تولى وزارة فرنسا في ٤ نوفمبر وأمام عينيه وِجهة أستاذه السياسي الموسيو تيرس: «إياكم أن تدعوا مصر تفلت من أيديكم.» فبدأ بمفاوضة اللورد غرنفل في أمر المذكرتين اللتين أرسلتهما إنكلترا وفرنسا إلى مصر؛ لأن الاختلاف في نصهما يدل العرابيين على اختلاف سياسة الدولتين.

ذلك ما كان يجري في شهر نوفمبر، ونحن الذين تتبعوا الحوادث يومًا فيومًا لا نريد أن نسبق مواعيد حدوثها هنا، فلندع الهدنة، ولنرضي الآن حضرة السائل وأمثاله القراء الذين يقولون إنهم يتلهفون لمطالعة أطوار تلك الفتنة التي نعيش الآن بنتائجها؛ بنشر خلاصة مذكرة عن الأشخاص الذين كان لهم الدور الأول في تلك الحوادث. وهذه المذكرة بقلم طبيب أميركي كان أبعد الكُتاب والمؤرخين عن التحزب السياسي، وعرف مصر ورجالها من عهد محمد علي في سنة ١٨٣٥ إلى آخر عهد توفيق باشا، وقال — والعهدة عليه فيما كتب لأننا لسنا الآن بصدد تمحيص أقواله.

أحمد عرابي

وُلد في قرية من قرى الشرقية من عائلة فلاحة، وجُنِّد وهو فتى في جيش سعيد باشا على طريقة التجنيد التي كانت متبعة في ذلك العصر وإلى الآن، وكان أحمد عرابي من أولئك الرجال الذين يحبهم سعيد باشا، طويل القامة (متر و٨٠ سنتمترًا) متسق الملامح، وجبهته واسعة، وشفاه ضخمة، وذقن مستدير، ووجه ملؤه الحزم والعناد، وعيون ساحرة يقرأ فيها الناظر إليه الخيال والصخر واستجمام الفكر، قريب إلى القلوب، إذا تكلم تكلم بهدوء، لا تأخذه الحدة، ويتحكم بمحدثيه بسكوته وبشاشته، وإذا مشى مشى مستقيم القامة، خفيف الحركة ثابت الخطى، وله فوق ذلك صوت رنان جذاب، وقد غيرت سيلان من منظره لانحناء ظهره لقلة الحركة والتريض.

رُقي إلى الرتب العسكرية سريعًا وهبط منها سريعًا، غضب عليه سعيد فأخرجه من الجيش بنصف راتب، فشغل وقت فراغه بالدرس والمطالعة في الأزهر، وبعد ثلاث إلى أربع سنين خرج وهو يُدهش مواطنيه بمعرفة القرآن وآياته الحكيمة والتفسير.

عاد إلى الجيش في أول عهد إسماعيل، وكان من الأدب والنزاهة والتقى على أعظم مقدار، فنال الإعجاب به وتزوج من بنت مرضع إلهامي باشا ابن عباس الأول، وكان يطَّلع على كل ما يجري في دواوين المديرين. وكان يُظهر السخط على التُّرك، ولكنه كان يتحاشى التكلم بكلمة «الوطن والحرية» مكتفيًا بالرثاء لحالة مواطنيه تجاه الهيئة الغربية الحاكمة، ولكنه كان أمام التُّرك يعرف كيف يضبط نفسه.

وُكل إليه أمر النقليات في حملة الحبشة، فعاد منها إلى مصر برتبة ميرالاي، ولم يدخل الجمعية السرية إلا في سنة ١٨٧٦، وهي جمعية ألَّفها الضباط الذين جعلوا غرضها إنقاذ الوطن؛ وبذلك دليل على مزاياه التي ينكرها اليوم من يعادون دائمًا الفوز والفائزين، ولو أنهم صدقوا بأنه لم يكن شيئًا لوجب التساؤل: وكيف استمال إليه نخبة أهل وطنه وخلاصة الأوروبيين؟!

الشيخ محمد عبده

من الذين اعترفوا بزعامة أحمد عرابي الشيخ محمد عبده الواسع الاطلاع بالتاريخ والآداب، والذي كان يصفه مواطنوه بأنه «ينبوع العلم والعرفان»، وكان هذا العالِم حرًّا والحرية عقيدته الراسخة، وخطيبًا فصيحًا وكاتبًا بليغًا، أخذ عن الماسونية ما فيها من مذاهب الأخوة والمساواة.

علي الروبي وعبد العال وعلي فهمي ومحمود سامي

تخرَّج علي الروبي من مدارس القاهرة، وهو متعلم تعليمًا كافيًا، ويليه عبد العال أبو حشيش قائد الآلاي السوداني. أما علي فهمي، فإنه ترقى من تحت السلاح. أما طلبة ويعقوب سامي، فكانا مشهورين بالشجاعة والإقدام. ولكن الرجل الوحيد الذي وصل بنفوذه إلى مقام عرابي دون شهرته بين الشعب، فهو محمود سامي البارودي الذي كان ميرالايًا للسواري، وقد توصل لأن يكون حكمدار القاهرة على عهد وزارة نوبار ودي بلنيير وريفوس ولسون، ودخل وزارة رياض باشا بمنصب ناظر للأوقاف، وفي وزارة شريف باشا بمنصب ناظر للجهادية، ثم تولى رئاسة الوزارة بتأييد عرابي ورفاقه، ولما أُبعد إلى سيلان أُعطي راتبًا قدره خمسون جنيهًا في الشهر.

الشيخ عليش

عالِم من كبار علماء الأزهر ذو عقل راجح، وأكثر صفاته بعد اشتهاره بالعلوم الدينية، أنه كان يعرف محدثيه، فيأخذهم ويستولي على ألبابهم بما يتفق مع مداركهم وأهوائهم، مثال ذلك أنه لما اعتنق مذهب العرابيين كان يقول لمحدثيه إنه رأى النبي ﷺ في المنام، وأخبره أن عرابي سيكون محرر مصر والمصريين.

عبد الله نديم

إذا ذُكر هؤلاء الأقطاب من العرابيين فلا يجوز نسيان عبد الله نديم الكاتب الفذ وخطيب الجماهير والأعيان، والمأثور عن خُطبه في العامة تكراره الأحدوثة القائلة إن منقذ الكنانة لا يكون إلا من سلالة الحسن سبط النبي، وهذا هو حال عرابي.

وكان يقول لهم من جهة أخرى إن لأحمد عرابي صلة نسب بأسرة محمد علي، فهو من سلالة شريفة عربية […] كانت قد تزوجت من عباس باشا الأول ابن محمد علي، وقد لقيت هذه الحكاية تصديق الجماهير، وكانوا يتحدثون عنها في القرى والدساكر والأسواق.

عرابي والأجانب

ولم يكن دعاة عرابي من الوطنيين فقط، بل كان من المعجبين به فريق من الأجانب، فإذا لم يأخذ بأول الموسيو نينه السويسري الذي كان كاتم أسراره، فليس بالمستطاع إهمال شهادة دي لسبس وبلنت. فالأول كان يحترمه ويجله كما ورد في مذكراته، والثاني كان يفخر بأنه من أصدقائه، حتى إنه اقترح في سنة ١٨٨٥ إعادة عرابي من منفاه في جزيرة سيلان إلى مصر، حتى يقوم بمكافحة مهدي السودان وإخضاعه.

كذلك البارون دي رنيج قنصل فرنسا الجنرال في مصر، فإنه كان شديد الميل إلى أحمد عرابي، وقد روي عنه وهو في إبان عِزه أنه أتى إلى القونصلاتو الفرنساوية، وقال للبارون إنه يضع سيفه أمام الجمهورية الفرنساوية، ويود لو كان تابعًا من أتباع الجمهورية؛ لأن الجمهورية كانت تعرف أن مذهب هذا الفلاح الثائر هو الحرية والمساواة والإخاء، وأنه كان يستمد هذه التعاليم من القرآن الكريم لا من التعاليم الأوروبية التي كان يجهلها، فهو لم يطلب سوى إزالة المفاضلة والتمييز في الجيش، وتأليف مجلس نواب عليه مسحة الاشتراكية، واستنكار الديون التي وصفها أحد أعضاء الحزب الوطني بقوله: «إن هذه الديون لم يُستشر بشأنها الشعب، فهو غير مسئول عنها.» إلى قوله: «ولا مندوحة عن أن تكون مصر بعد اليوم للمصريين.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.