في أخريات ١٩١٢، أو أوليات ١٩١٣ — لا أذكر على وجه الدقة — كنت لا أزال مفتونًا بنفسي، وكنت أقول الشعر، غير أن غيمة من الشك جمدت في سماء حياتي وأظلَّتني، فنظمت قصيدة أثبتها هنا لا لأنها جيدة أو رصينة، بل لأنها تطلع القارئ على مبادئ ذلك الشك الذي انتهيت منه إلى اليقين بأني لا أحسن الشعر، وأن خيرًا لي أن أنفض يدي منه، وعنوان القصيدة «أنشودة الشتاء»:

ولكن هذا الشك في القدرة بالقياس إلى الأمل، لم يكن في ذلك الوقت أكثر من هاجس، ولم يلبث أن زال عني وعاودني الافتتان بنفسي والإيمان بشاعريتي، فأردت نشر القصيدة، وكنت إذ ذاك مدرسًا في مدرسة دار العلوم، وكنت أنشر مقطوعاتي في «الجريدة» و«اللواء»، ولكن مجلة «الزهور» كانت قد ظهرت، وراقني طبعها المتقن، وعنايتها بالشعر على الخصوص، فقلت أبعث بالقصيدة إلى صاحبها ومحررها الأستاذ أنطون الجميل، ولكني خفت ألا يُعنى بها أو يكترث لها عنايته بشعر المشاهير المقررين، فنسخت له القصيدة وكتبت إليه رسالة رجوت فيها منه أن ينشرها، وسألته عن قيمة «الاشتراك»، وابتسمت وأنا أقول لنفسي: هذا السؤال «طعم» السمكة، وستُغري صاحبنا الرغبة في «قيمة الاشتراك» فينشر القصيدة.

ولكن الأستاذ الجميل لم يغره «الطعم»، فبعث لي برسالة يعتذر فيها، ويرجو ألا أحمل عدم النشر على محمل سيئ، وينبئني أن قيمة الاشتراك — إذا كانت ذاكرتي لم تخني — خمسون قرشًا. فاحتملت هذه الصدمة، ولم أبعث إليه بالاشتراك، لا، ولم أقرأ مجلته بعد ذلك!

هذه الحادثة من الأسباب التي زادت شكي في قيمة شعري، ولهذا لم أنسها؛ فكففت عن النشر زمنًا وإن لم أكف عن النظم؛ لأن الغرور يجمح بمطيته أعني بالشباب، وتظل المطية تركض وتخب وتوضع وتلهث حتى تسقط من فرط الإعياء، ولا يعود يُجدي في احتثاثها سوط الغرور الملهب. وطبعت الجزء الأول من ديواني، ولكني حرصت على طي هذه القصيدة التي أبى أن ينشرها الأستاذ الجميل، فلم تظهر إلا في الجزء الثاني؛ أي بعد ثلاثة أعوام طوال تنازعني فيها الإيمان بنفسي — والإيمان بالنفس حبيب إليها — واليأس منها، وهو عذاب يظل المرء يرجئه ويهرب منه ويشيح بوجهه عنه حتى لا يبقى مفر من مواجهته، وفي خلال ذلك احتجبت مجلة «الزهور». واتفق أن ظهر الجزءان الثانيان من ديوان العقاد وديواني في شهر واحد، وكانت الدنيا تزلزلها الحرب، وكان الناس مشغولين بأنبائها مصروفين بها عما عداها، فكتب عنا الأستاذ الجميل مقالًا طويلًا في الأهرام أثنى فيه علينا أجمل ثناء وأكرمه وأنداه على القلب، هذا ولا معرفة بيننا ولا صلة إلا ما نقرأ له أو يقرأ لنا؛ فأكبرت في الرجل روح الإنصاف وتقدير الواجب تقديرًا يدفعه إلى أدائه متبرعًا، غير أن ثناءه العلني المنشور لم يُنسني الدرس الذي استخلصته من رسالته الخاصة، ولعله لم يعنه ولم يقصد إليه، غير أن رسالته صادفت حالة نفسية موافقة فعظم وقعها في نفسي، وجاء ثناؤه بعد ذلك فجعل المعنى الذي ينطوي عليه إهمال النشر أبرز وأوكد.

ودارت الأيام، واتصلت الأسباب بيني وبين الأستاذ أنطون بك الجميل، فلم أزدد به معرفة؛ فقد عرفت منه ما أريد وبحسبي هذا، ويكفيك من الصديق أن يكون عونًا لك على درس نفسك، وهذا كتابه أمامي وضعه بعد أن توفي شوقي وزالت أسباب المحاباة وانمحت دواعي المصانعة والمداجاة، ومن عساه يحابي الآن؟ فالكتاب ثمرة الشعور بالواجب وروح الإنصاف، كما كان ذلك المقال الذي كتبه عن العقاد وعني، وقد ترضيك أو لا ترضيك جملة رأيه في شوقي، وقد توافقه أو تخالفه في بعض التفاصيل المبثوثة في الكتاب، وقد تروقك أو لا تروقك طريقة البحث وأسلوب التناول والناحية التي ينظر منها إلى الموضوع، ولكني لا أبالي هذا ولا أحفله، فإن لكل أحد أن يذهب في شعر شوقي مذهبه؛ والإلحاح في إيجاب الذم أو المدح منفِّر ومثير، ولقد كان من أغلاط شوقي — رحمه الله — ولعه بالمدح، ولجاجته في طلبه، وضيق صدره بالمزاحمة؛ فأثار ذلك عليه ما يثير، وحب المرء للمدح طبيعي، ولكن غير الطبيعي — والذي لا سبيل إليه — أن يحاول الإنسان أن يجعله وقفًا عليه، وأن يحرم غيره نصيبه الذي يستحقه، فليس يضير رأينا في شوقي — أعني رأي العقاد ورأيي — أن يخالفنا الأستاذ الجميل بك فيه، وعلى أنه يوافقنا على كثير ويلتقي معنا في مواضع، ولكنه رجل يؤثر الحسنى، ويجنب اللفظ الخشن إذا أسعفته الكلمة اللينة، وأحسب ذلك لأنه لم يحتج أن يخوض الحرب التي خضنا في صدر أيامنا، ولم يضطر أن يضرب ويتلقى الضربات، وأن يصيب ويصاب، وكل حرب عنيفة، لا رفق فيها ولا هوادة، وعزيز أن تضربني بالسيف، وأن تتوقع مني أن ألثم خده.

فهو يقول مثلًا: «لم يشد إلى قيثارة الشعر وترًا جديدًا.» ثم يستدرك للتخفيف والتهوين فيزيد أنه «عرف أن يُنطق الأوتار القديمة بنغمات جديدة مستعذبة».

ويقول فيما اتهم به من أنه مدَّاح السلطة أيًّا كانت: «ونعتقد أنه لا بد من شجاعة في النفس للإقدام على ذلك، كما أنه لا بد من كثير من البراعة والمرونة واللباقة لهذا التغيير في الشكل دون التغيير في الجوهر، حتى يتم ذلك بلا تبجح ولا تعصب للمبدأ الجديد. والتعصب — كما هو معروف — ملازم عادة لمن يذهب مذهبًا جديدًا في السياسة أو في الدين، وهذا ما عرف شوقي أن يتجنَّبه.» ويقول أيضًا: «وعلى ذلك يمكن القول إن مدائح شوقي صور واستعارات شعرية لا عقيدة سياسية.»

وقال عن حكمته أو فلسفته: «امتازت حكمه واجتماعياته بسهولة معناها ورواء مبناها؛ فجمعت على أبهة الحكمة وجلالتها عذوبة الحياة وطلاوتها. فلسفته في الحياة فلسفة باسمة لا عبوس فيها ولا تجهم؛ فهي الحكمة تحمل زهرًا، وهي فلسفة هينة سهلة لا تصعيب فيها ولا تعقيد، بل تبدو وضاحة المذهب سهلة المطلب.»

وأحسب أن معنى هذا أن لا فلسفة هناك ولا حكمة ولا عمق، وإنما هي حكمة رجل الشارع وفلسفة العوام.

ويقول أيضًا: «وهناك وتر خامس في قيثارة شوقي متنوع الأنغام أسمِّيه — من باب التعميم — وتر الشاعر الخاص المشدود إلى نياط قلبه …» ثم ذكر رأي النقاد في أن هذا النوع في شعر شوقي قليل مطروق، وقال: «أما قلته فقلة نسبية؛ أي بالمقارنة بكثرة ما نظم، ولكن هذا القليل النسبي في الحقيقة كثير يؤلف وحده ديوانًا كاملًا، وأما رميه بالابتذال فقد يكون مرجعه إلى أن شوقي لم يعمد إلى تحليل عواطف النفس وميولها وأهوائها تحليلًا دقيقًا؛ فقد رأينا أن فلسفته في اجتماعياته فلسفة سهلة خالية من التعقيد، وكذلك جاء وصفه لتلك العواطف والأهواء وصفًا طبيعيًّا خاليًا من الإيغال في التفصيل والتعمق في التحليل.»

ويقول في غزله: «وهو في غزله على وجه الإجمال، لا يخرج عن المألوف قديمًا عند الشعراء من وصف طول الليل، ونواح الطير، والدمع والزفرات، والشباب والمشيب، والعيون والقلوب، والخدود والقدود، والكناية بالدر عن الثغور وبحلوكة الليل عن سواد الشعور … تشابيه واستعارات وكنايات قديمة، ولكنه يكسوها شيئًا من الجدة بالقالب الذي يفرغها فيه.»

ولا أدري ما حاجة الدنيا والناس إلى من لا يزيد وترًا على الأوتار القديمة، ولا يجيء بأكثر من حكمة العامة، ولا يتجاوز تقليد القدماء فيما خلفوه، ولا يغوص في النفس أو في الحياة على حقائقها؟

ثم يختم الأستاذ الجميل بك بحثه بقوله: «وليس من الحكمة والمنطق في شيء أن نندب الشعر والأدب بعد فقد ذينك الشاعرين.»

فكأنه قال … ولكن ما الحاجة إلى الشرح؟

وبعد، فإن كتاب صديقنا الأستاذ الجميل بك ينقد ولا يذم، ويقول كل ما قلناه بأعذب لفظة وأرق عبارة، وأبعدها عن الجرح والإيلام، وتلك مزيته، وهذا أسلوبه أبدًا، فهنيئًا له هذه الروح الطيبة، واليد المترفقة، والقلب العطوف، والدقة في التمييز.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.