يشتغل جماعة من إخواننا في هذه الأيام بتكوين جمعية للتاريخ مصرية الصبغة، غرضها التأليف بين طبقة الذين يهتمون بتاريخ هذه البلاد، فيبلغ كل منهم إخوانه ما تصل إليه أبحاثه في القسم الذي يهتم به، وذلك بطريق إلقاء المحاضرات في كل مركز للجمعية ونشرها في مجلة تنشئها، وتلك لا شك غاية ممدوحة، وعمل كان من الواجب القيام به من زمن مضى، وواجب اليوم تشجيعه، ومعاونة القائمين به بكل وسائل المعونة، لذلك فواجب كل مصري أن يرحب بمشروع جمعية التاريخ، وأن يفتح له قلبه، وأن يعمل مع العاملين على إخراجه من حيز الفكرة إلى حياة العمل.

كم تكلم المتكلمون منا في شأن تشجيع الحركة العلمية والأدبية! وكم نادت الصحافة أيام كانت هذه المواضيع موضع اهتمامها محبذة ذلك مشجعة عليه! وكم اجتمع الشبان من أرقى الطبقات للنظر في طريق السير فيه! ولكن الكلام لم يتعدَّ الكلام، وصيحات الصحافة ذهبت مع الرياح، والاجتماعات انفضت بعد مناقشة وجدل في الجزئيات كانت نتيجته إبقاء الفكرة الأصلية في حيز المنى والأحلام.

ولعل الظروف الحاضرة التي سكت فيها القول تاركًا المجال للعمل والتنفيذ تتعدى بطريق العدوى إلى بعض أمانينا، أو على الأقل إلى الأعز منها، ولا شك أن إنشاء جمعية التاريخ من أعز هذه الأماني، فإن شبابنا المتعلم — والحمد لله على السراء والضراء — لا يعرف من تاريخ هذه الأمة، إلا ما لا يزال عالقًا بذهنه من توافه الوقائع التي قرأها أيام المدرسة، وإلا بعض الوقائع الممسوخة التي كانت تتشدق بها الصحف في العهد الأخير، ولا شك في أن هذه حال أضر ما يكون بالبلاد؛ لأن من فادح الجهالة إنكار ما للماضي مهما بعُد على الحاضر من الأثر المباشر، فما لم يكن الإنسان على علم بالماضي، وما كان يحويه من ظواهر مهمة جوهرية انتقلت على تتابع العصور وبقيت تكوِّن عنصرًا مهمًّا ظاهرًا أو غير ظاهر في حياة الاجتماع، كان سيره في الحاضر مبنيًّا على مطلق الصدفة، وما بني على الصدفة كان رهن الصدفة في نجاحه وفشله، وكان غالب أمره مضطربًا مزعزعًا تكفي أقل الأغلاط، لتهد بناءه وتفت في عضد القائمين به.

نسمع كل يوم افتخار كل أمة من الأمم ببعض الصفات الأصيلة فيها وتخوفها البعض الآخر، ومناصرة ذلك والاحتياط لهذا، ونسمع أيضًا تكرار ذكر حوادث التاريخ للسير بأمة من الأمم في طرق سياسية أو اقتصادية معينة، ونسمع ذكر التاريخ كذلك لاستنهاض الهمم، وتقوية العزائم. إن التاريخ يذكر ويعاد في كل ظرف وكل مناسبة؛ لأن تواريخ الأمم مهما أوغلت في الماضي هي في قسم منها أشبه بطفولة الرجل وشبابه وغناه وفقره، لها أثر مباشر عليه في حاضره ومستقبله، فإذا كانت جمعية التاريخ تريد استغلال المواهب الفردية للقيام بهذه الخدمة العامة، فكل رجل لا يضع يده في يد القائمين بها ينفي نفسه كفرد من أفراد الاجتماع، وينفي صلته بالماضي، وينفي علاقته بالحاضر، وبالمستقبل.

وإذا كان تهاوننا إلى الآن في إنشاء مثل هذه الجمعية لم يحرك عزائم الأوربيين من النازلين بهذه الديار للقيام بهذا العمل، فأحسبهم قاموا بكثير غيره، واتكلنا نحن عليهم كل الاتكال فيه حتى أصبح اتكالًا مخجلًا! لقد أنشأوا الجمعية الجغرافية والمجمع العلمي، وجمعية الاقتصاد السياسي، والإحصاء، والتشريع، وأنشأوها جميعًا كأحسن ما يكون الإنشاء، وهي تعمل كلها اليوم بهمتهم في الإدارة وبهمتهم العلمية، وكل شأننا فيها ضئيل، شأن المستفيد أكثر منه شأن المفيد. فإذا كانوا قد أنشأوا هنا الجمعيات وغيرها، والتصقنا نحن بهم فيها، أفلا نظهر من الهمة ما ينشئ جمعية واحدة؛ لأن وجودها ماس بأدق جوانب حياة بلادنا بالجزء الحساس منها بتاريخها، أي بالقلب المستمر الدقات من أيام ما قبل التاريخ إلى اليوم؟

فإذا كانت المصلحة العامة تنادي بإنشاء هذه الجمعية التي هي الأولى من نوع الجمعيات العلمية التي يتكلم المتكلم فيها باللغة العربية، وكانت الأنفة وحب الكرامة يدعوان للقيام بمناصرتها، وكانت فائدة وجودها محسوسة وملموسة باليد، كان واجبًا الاهتمام بإخراجها إلى الوجود بأسرع ما يكون من الوقت، وهذه طلبتنا إلى القائمين بأمر مشروعها، وكان واجب كل فرد أن يساعد على إتمام ذلك بكل وسيلة تمكنه، وهذه دعوتنا إلى كل مواطنينا، وحينذاك نكون قد قمنا بتكوين أول جمعية علمية تقتضي الحياةُ العامةُ وجودَها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.