في بعض روايات شكسبير — «كما تحب» — تتنكَّر الفتاة «روزالند» في زي غلام وتَلحق بحبيبها «أورلندو» في الغابة حيث أبوها منفيٌّ، وتكون معها ابنة عمها فتكايدها، فتقول روزالند معترضة محتجَّة: أمن أجل أني ألبس ثياب الرجال تكون الرجولة في قلبي؟ — أو كلامًا بهذا المعنى — ولكن سلوكها مع ذلك هو سلوك الرجل إذا ذهبت تعتبر المظاهر، فهي تمشي مسرعة وتدب على الأرض وتطوح بذراعيها، وتحادث من يلقاها من الذكور في غير وجل أو استحياء، ولا تتحرج أن تضع كتفها على كتفه وهي تكلِّمه، أو أن تدفعه بأطراف أصابعها إذا لم يرقها رأيه، أو أن تستلقي إلى جانبه على الأرض من غير أن تنكر ذلك من نفسها، وتخلع قبَّعتها كما يفعل الرجال تحية واحترامًا، إلى آخر ذلك مما يجري هذا المجرى، وأدل من ذلك أنها تتخذ لغة الرجال ولهجتهم، وأن حبيبها أورلندو لا ينكر من أمرها شيئًا، ولا يستريب بها ولا يخطر له أنها قد تكون امرأة حتى بعد أن يكاشفها بحبه لروزالند، بل حتى بعد أن تغلبها أنوثتها فتلح عليه أن يفرض أنها هي روزالند، وأن يغازلها ويداعبها ويبثها حبه على هذا الاعتبار، لا بل حتى بعد أن تقول له تزوجني على أني روزالند فيفعل، وتقوم لهما ابنة عمها بوظيفة القسيس. كل هذا وأورلندو لا يخامره شك في أن هذا السلوك راجع إلى رغبة صبيانية في المزاح، يحلو له أن يجاريها فيه؛ لأنه يحب أن يتكلم عن حبيبته روزالند، ولأن هذا المزاح يتيح له أن يناجيها ويفضي إليها بما يجن صدره ويجد قلبه في شخص هذا الفتى الظريف.

وقد قرأت منذ أيام قصة لكاتب حديث هو فاتشيل، اسمها «تجربة المس توربين»، وموضوعها أن المس توربين كانت لها أخت توفيت عن غلام وفتاة تولت خالتهما تربيتهما، فكلما كبرا أراد الفتى أن يشتغل بالتمثيل، واتفق أن الخالة والفتاة دعيتا إلى قضاء أيام عند قريب لهما في أسكتلندة، فاقترح جم — الفتى — أن يذهب متنكرًا كأخته، وأن تذهب أخته أيضًا على أنها وصيفته، وتكون هذه تجربة فإذا نجحت تركته خالته يشتغل ممثلًا، وتراهنا على ذلك. وفي القصر الذي دعيت هذه الأسرة إليه، رجال ونساء، والنساء بطبعهن أسرع إلى التمييز بين المرأة الحقيقية والرجل المتنكر في ثياب النساء، ومع ذلك جاز الفتى «جم» هذا الامتحان ولم تشك فيه النساء، بل أقبلن عليه كأنه إحداهن وصارحنه بما تتصارح به الفتيات في خلوتهن، أما الرجال فقد رغب منهم اثنان في الزواج منه، وعرضا عليه ذلك واحدًا بعد واحد، وقد عُنِيَ المؤلف بأن يجعل أحد الخاطبين كهلًا مجرِّبًا، وثانيهما رجلًا في عنفوان شبابه.

والقصة في ذاتها تافهة ليس فيها أكثر من حكاية هذه التجربة، وهي لا تعد من أجل ذلك من القصص الجيدة، وعندي أن أقاصيص هذا الكاتب أبرع من قصصه الطويلة، على أن هذا ليس موضوع الكلام ولا هو الذي نكتب من أجله هذا الفصل، وإنما أردنا أن نقول للملابس — كما لغيرها — إيحاءها إلى النفس، فالرجل الذي يلبس ثياب المرأة يلقَى نفسه يخطو في مشيته مثلها، ويتكلَّف إشاراتها ولهجتها، ويتعمل مثل تطريها، ويلبس مع الثياب مقدارًا من روحها يختلف باختلاف نصيبه من الأنوثة والعكس بالعكس، وإذا صح أن في كل إنسان — رجلًا كان أو امرأة — عناصر من الذكورة والأنوثة، فكلما كان نصيب الرجل من الأنوثة أكبر كانت قدرته على تمثيل المرأة أتمَّ، وكذلك المرأة تكون أقدر على الاسترجال إذا كان حظها من عناصر الرجولة أوفر، فليست تجربة «جم» في الحياة — بغض النظر عن القصة — بالتي يقدر عليها ويوفق فيها رجل لا يحس بغريزته أنه رزق المقدار الكافي من الأنوثة. ولا كل امرأة يسعها أن تأنس إلى ثياب الرجال إذا كانت أنوثتها هي الغالبة، وليس أصدق من فراسة شكسبير؛ فإنه حين أراد أن يقلب فتاته غلامًا لم يكتف بأن يفعل ذلك، بل أنشأ هذا الحوار بين روزالند وابنة عمها:

روزالند: وأين نذهب؟سيليا: نمضي إلى عمي في غابة أردن. روزالند: وا أسفاه، ما أشد الخطر علينا ونحن فتاتان في هذه الرحلة الطويلة!! إن الجمال يستفزُّ اللصوص بأسرع مما يستفزهم الذهب. سيليا: سألبس ثيابًا حقيرة وضيعة وأصبغ وجهي لأشوِّهه — فافعلي مثلي. فإنا خليقان حينئذٍ ألا نستثير المهاجمين. روزالند: أليس خيرًا — إذا كنت أنا طويلة في النساء — أن أتزيا على نحو ما يفعل الرجال؟ سيف يتدلى على فخذي ورمح في يدي — وليرقد في قلبي ما عسى أن يكون ثَمَّ من خوف المرأة المخبوء — فيكون لنا من مظهر الجرأة والإقدام مثل حظ الجبناء من الرجال الذين يواجهون الحياة بهذه المظاهر.

فهنا امرأتان: واحدة أنوثتها غالبة، فهي لا يخطر لها إلا أن تلطِّخ وجهها لتخفي جماله وتخفف وقعه وتتَّقي عواقب استثارته لقلوب الرجال؛ لأنها لا تستطيع أن تتصور نفسها إلا امرأة، والأخرى أول ما يجري في خاطرها من الوسائل لاتِّقاء الخطر عليها من الرجال أن تبرز لهم كواحد منهم، فلا يعود جمالها يضيرها أو يلقي بها في المهاوي التي تخشاها المرأة، وهي تنظر إلى نفسها فلا تنكر أن يتدلى السيف إلى جانبها ولا تحس بالنفور من تناول الرمح بيدها الغضة الناعمة ولا تعد نفسها دون الكثير ممن لهم مظاهر الرجال وإن كانت قلوبهم ضعيفة ونفوسهم خوَّارة، والخوف عندها محتمل، وهو على كل حال مخبوء، والفرق واضح ودلالة هذه المقابلة التي لجأ إليها شكسبير غير خافية.

فالثوب يوحي إلى النفس، ولكن الإيحاء لا يكون قويًّا منتجًا إلا مع الاستعداد لتقبله، ومع تهيؤ النفس بطبيعتها للتلقي والتأثر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.