هو حلقة جديدة يضيفها صديقنا الأستاذ العقاد إلى سلسلة العبقريات التي أخرج منها من قبل خمسًا: عبقرية محمد، وعبقرية الصديق، وعبقرية عمر، وعبقرية علي، وعمرو بن العاص، وإن كان لم يلحقه بالعباقرة في العنوان؛ لأن كتابه فيه — كما رجَّحنا يوم ظهوره — كان فاتحة لسلسلة أخرى ليس هو مخرجها، ونعني بها «أعلام الإسلام» فتحرج أن يلحق السلسلة الجديدة كلها «بعبقرياته» ويجعل منها فرعًا من أصل، وقد ترك وصف العبقرية في كتابه في عائشة «الصديقة بنت الصديق» إيثارًا منه على ما يبدو لنا للاحتفاظ بالتناسب بين هذه الأقدار المتفاوتة على جزالة حظوظها جميعًا من العظمة.

وكتابه في خالد من أقوى ما كتب، وفي الفصل الأول منه يصحح كثيرًا من أخطاء المؤرخين الحديثين والصور الشائعة في خيال من يقرأون عن البادية، ويبين أن أسباب النصر عند العرب قبل الإسلام لم ينقصها إلا الدعوة الإسلامية التي جاءت في أوانها، ثم ينتقل في الفصل الثاني إلى بيان مقام قريش في جزيرة العرب ومبلغ خبرتها بنظم الحكم، ومنزلة مخزوم منها، وهي عشيرة خالد، ويخلص من هذا إلى أن خالد بن الوليد «دخل الإسلام بأوفى نصيب من حمية السيادة العربية فصنع للإسلام، وصنع الإسلام له الأعاجيب، وكان مقياس العبقرية العربية في عهدين متقابلين».

ثم يتكلم على نشأته، ولا تفوته المشابهة بينه وبين عمر بن الخطاب حتى كان ضعاف النظر يخلطون بينهما من قريب، ولا يميزونهما بالرؤية ولا بسماع الصوت الخفيض، يستخلص من ذلك تاريخ ميلاده على أرجح تقدير، وقد عُنِي في هذا الفصل بالعوارض النفسانية في أسرة خالد وفي إخوته على التخصيص، وهو بحث له قيمته في جلاء كثير من أحوال خالد وما يمكن أن نسميه شذوذه.

ثم يشرح كيف أسلم خالد، والمراحل الطبيعية التي لا بد من اجتيازها بين الجاهلية والإسلام، حتى نفض عنه الكفر واستراح إلى الدين الجديد، ولم يعد يعنيه مقام قومه وعزتهم في الجاهلية، ويتناول بعد ذلك مواقفه في الإسلام واحدًا بعد واحد بالتفصيل الوافي، إلى أن عُزل في عهد الخليفة الثاني فأقام بحمص سبع سنوات تقريبًا مات فيها بنوه جميعًا وانقرضت ذريته، ثم مات هو على فراشه.

***

وقد سمعت من يقول إن الأستاذ العقاد يخرج كتبه هذه بسرعة عظيمة، يريد أن يقول إن السرعة قد تحول دون التحقيق أو التجويد، وليست بالعقاد حاجة إلى دفاع مني أو من سواي، ولكني أحب مع ذلك أن أصحح هذا الخطأ، فإن السرعة هنا هي في الكتابة لا في الدرس، وسرعة الكتابة — إذا صح أن هناك سرعة — لا تمنع أن يكون الدرس قد طال، والتفكير قد استغرق سنوات، ثم إن العقاد يقرأ الأدب العربي والتاريخ الإسلامي مذ استطاع أن يفهم ما يقرأ؛ أي من أيام الحداثة، فهو ليس حديث عهد بما يكتب فيه، بل لعل عهده بذلك أطول من عمر من يستغرب هذه السرعة في إخراج كتبه، وقد ذكر لنا هو في كتاب «عبقرية محمد» أن وضع هذا الكتاب اقترح عليه قبل ثلاثين سنة، وقد قضاها في الاستزادة من القراءة، والخبرة، والرياضة النفسية والفكرية.

وظهر كتابه «عبقرية محمد» في سنة ١٩٤٢، وما ظهر إلا بعد أن استوفى دراسته للعصر كله برجاله وأحواله وحوادثه، فأما وقد فعل ذلك فما حاجته إلى درس جديد سوى تقصي الجوانب الخاصة بالرجال الذين يتناولهم؟ فلا عجب إذا كانت كتبه في رجال هذا العصر تخرج متلاحقة، فإن العصر كله مبسوط أمامه، وصور رجاله مرسومة في ذهنه من أيام التحصيل الأولى وقد زادها الدرس الجديد، أو العَودُ إلى درسها على الأصح، بروزًا ووضوحًا وتجسدًا.

ثم إن القارئ لا ينبغي أن يعنيه كيف يكتب الكاتب كتابه، وفي كم ساعة أو سنة أو قرن يكتبه، وإنما الذي ينبغي أن يعنيه هو الكتاب نفسه، وقيمته ومبلغ التوفيق فيه، وليست السرعة أو البطء بعيب، وقد كان وولتر سكوت يكتب الرواية في أسبوع أو عشرة أيام أو أسبوعين، وفي زماننا هذا يكتب مورجان الرواية في أربع سنوات، ولم يعب أحد سكوت بسرعته، ولا نعى أحد على مورجان بطأه، واحتفظت روايات سكوت بقيمتها على الزمن، ولا يزال مورجان في الميزان لم يفصل الزمن في أمره.

***

وسمعت من يقول إن الرجوع إلى القديم تضييع للحاضر، ولا شك أن الحاضر حريٌّ بالعناية والدرس، ولكنه درس لا يكون إلا ناقصًا يعتوره الخطأ من جهات كثيرة؛ لأن المحمول على متن التيار لا يمكن أن يرى التيار كله ولا يفطن إلا إلى ما حوله هو مما تستطيع عيناه أن تأخذاه، على خلاف الواقف على الشط ينظر إلى جملة ما هناك، ويرسل نظره حيث يشاء ويديره في كل مكان، ويتأمل الجملة والتفاصيل، ونعني به المؤرخ، وإنه لينتفع بما ترك الذين كابدوا التيار، ولكنه هو وحده دونهم الذي يستطيع أن يتصفح كل ما تركوا، ويزنه ويفحصه ويستخلص منه كل ما يستخلص.

وهل يُراد ترك القديم جملة؟ إن تاريخ الأمم كالذاكرة للفرد، ولا ندري كيف يعيش إنسان بغير ذاكرة، ولا كيف تحيا أمة تجهل ماضيها وترى أن تدفنه وتهيل عليه التراب وترفع فوقه جبلاً شامخًا؟ وكون واحد يكتب في السير القديمة ويرفع لنا منها صورًا قِبَل عيوننا تكشف لنا عن نواحي العظمة فيها، ليس بمانع غيره أن يكتب فيما شاء من قديم أو حديث، فما أصدر العقاد مرسومًا يُحرِّم فيه على الناس أن يكتبوا غير سير العظماء من أهل القرون الغابرة، فلا ندري لماذا يخطر لأحد أن ينكر عليه ما هو فاعل، هذا شطط في النقد لا أرى فيه خيرًا، ولا أعرف له داعيًا، ولو أن العقاد قصر همه كله على كتابة السير، ولم يحفل أو يفعل غير ذلك، لما كان لأحد عليه من سبيل، ولا كان حقه إلا أن نثني على حسن صنيعه، ونستزيده، ولكل امرئ سبيله، وغاية العنت أن تفرض رأيك على غيرك، وأن تحاول إنزاله على حكمك، وذاك مستحيل، وعلى أن الأستاذ العقاد لم يقتصر على السِّيَر القديمة، فقد كتب في سير المحدثين، وليس شعره بيسير، وله غير هذا وذاك الفصول الجليلة في الأدب والنقد والفلسفة، أقول هذا وإن كان لا مراء في أن الأمر كله إلى صاحبه لا إلى من يؤثر هذه السبيل على تلك.

وأكرر أنَّ هذا ليس دفاعًا عن الأستاذ العقاد، وأني لم أقصد أن يكون كذلك، وإنما أردت أن أُنبِّه الذين يعالجون النقد إلى أن الواجب أن ينظروا إلى العمل الأدبي في ذاته غير متأثرين بنزعة شخصية أو هوًى خاص، والنقد لازم، ولكنه يفقد قيمته إذا عدل عن المحجة، وصار ميزانه هو ما يحب المرء ويكره على طريقة الصغار.

وسمعت أيضًا من يقول إنه في هذه العبقريات يثني بلا تحفظ، فأما أنه يثني فصحيح، وأما أنه لا يتحفظ فلا، والتحفظ لا يقتضي الضنَّ بالثناء في مواضعه وما اختار لهذه السلسلة إلا عباقرة جديرين بالإكبار والتعظيم، والإنسان يخطيء ويصيب، وليس من حق هفوة أو هفوات أن تطغى على الحسنات والمزايا والفضائل التي استحق بها الرجل مرتبة العظيم، ولا من حقٍّ للكاتب أو المؤرخ أن يحسم ما يحصي من هنات حتى يجعلها ترجح على المزايا، ولو فعل لما كان منصفًا، ولا أهلًا للثقة، والعدل أن يوضع المرء بخيره وشره في كفتي الميزان فأيهما رجحت كان عليها المعول في الحكم، ووجب حينئذٍ أن لا نجاوز بالكفة الأخرى قدرها المرجوح، وهذا هو الذي توخَّاه الأستاذ العقاد في عبقرياته، فهو يعطي من يتناولهم في كتبه حقهم من الإعجاب في غير ضنٍّ، ولا يهمل الهنات، ولكنه لا يعدو بها مقامها ولا يجسمها أو يهول بها، ولو فعل غير ذلك لكان على غير النهج القديم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Maarouf Badawi ·٢١ أبريل ٢٠١٤، ١٧:٤٠ م

    شكررررررررررررررا علي الجهد الرائع

    • photo avatar
      Maarouf Badawi ·٢١ أبريل ٢٠١٤، ١٧:٤١ م

      شكرررررررررررررررررررررررررررررررررررا