الأمة العربية من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها كانت في العصر الجاهلي مختلفة أشد الاختلاف؛ قوام حياتها الخصام والعدوان والغارات والنهب والسلب، ولم يكن يجمعها في هذا العصر الجاهلي إلا لغتها على اختلاف شديد في لهجات هذه اللغة، وإنَّما الذي استطاع أن يُؤلِّف شيئًا ما بين هذه القبائل المتفرقة هو الشعر الذي لم يَكَدْ ينشأ حتى فرض لهجة بعينها على الأمة العربية كلها في جميع أطرافها وأقطارها من الجزيرة العربية، فكان الشاعر العربي إذا أنشأ قصيدة، وأنشدها في نادٍ من الأندية، فهمها عنه النَّاس مهما تكن قبائلهم، ومهما تكن لهجاتهم، أو لغاتهم الخاصة …

ثُمَّ لم يكتفوا بفَهمها، وإنَّما كان الرواة يتناقلونها عن الشاعر، وكانت القصيدة لا تكاد تُنْشَدُ حتى تشيع في الجزيرة العربية، ويحفظها كثير من الرواة في الأقطار المختلفة من أقطار الجزيرة. فأوَّل توحيد للعقل العربي إنَّما جاء من هذه الناحية، من هذا اللسان الذي أتاح للغة العربية في العصر الجاهلي أن تكون لغة اجتماعية، وأن تكون لغة تستطيع القبائل — على تباعدها واختلافها وخصومها — أن يفهم بعضها البعض، وأن يشعر بعضها بما يشعر به بعضها الآخر، فالمكوِّن الأول في المحاولة لإيجاد وحدة لهذه القبائل العربية إنَّما هو الأدب، والشعر من الأدب بنوع خاص؛ لأنَّه هُو الذي سبق إلى الوجود، ولم توجد أُخوَّة النثر إلا بعد عصور تطاولت كثيرًا.

متى تكوَّنت القومية العربية؟

والقومية العربية، إذا أردنا أن نعرف متى تكوَّنت بالمعنى الدقيق لكلمة القومية، فينبغي أن ترد هذا إلى ظهور الإسلام، فالمكوِّن الحقيقي للوحدة العربية بجميع أنواعها وفروعها — الوحدةِ السياسية والاقتصادية والاجتماعية واللغوية أيضًا — إنَّما هو النبي صلى الله عليه وسلم، هو الذي جاء بالقرآن، ودعا إلى الحق، واجتمع حوله الأقلون من أصحابه، وجعل الأقلون يكثرون شيئًا فشيئًا حتى كانت الهجرة، وحتى أُسِّسَتْ أوَّل مدينة إسلامية، أو بعبارة أدق، أول مدينة عربية منظَّمة عرفها التاريخ، ولا أذكر اليمن القديمة؛ لأنِّي لا أكاد أعرف من حضارتها ونُظُمها شيئًا، وإنَّما المدينة الأولى التي عرفها التاريخ، والتي تكوَّنت فيها النواة الأساسية للقومية العربية هي مدينة «يثرب» بعد أنْ هاجر النبي إليها مع أصحابه من «قريش»، ومن هذه الوحدة الضئيلة الصغيرة في هذه المدينة التي لم تكن خالصة لأهلها من العرب، وإنَّما كان اليهود يشاركونهم فيها، من هذه الوحدة الضئيلة اليسيرة التي كان من أيسر الأشياء أن يتخطفها العرب من حولها، لولا أنَّ الله أيَّد رسوله وأيَّد المدينة برسوله من هذه الوحدة؛ جعل الاتحاد العربي ينمو قليلًا قليلًا، باللين حينًا، وبالعنف والشدة حينًا آخر. ولم ينتقل النبي إلى جوار ربه إلا وقد تمَّت وحدة الجزيرة العربية، ووجدت قومية عربية منظَّمة لها قانونها وهو القرآن، ولها نظامها السياسي الذي يقوم على ما دعا إليه القرآن من العدل والإنصاف والمساواة بين الناس، ولها حكامها المنظِّمون والمنظَّمون أيضًا، الذين لا يستأثرون على أحد، ولا يؤثرون أنفسهم بخير، وإنَّما هم خَدَمٌ للأمة العربية، ينشرون بينها العدل، ويعلِّمونها شرائع الدين، ويهيئونها لأداء واجبها الإنساني العظيم.

وبعد أنْ أتَمَّ النبي توحيد الأمة العربية، ونهض خلفاؤه من بعده، جعلت هذه القومية العربية تتجاوز الجزيرة العربية إلى الأقطار الأخرى، وأول هذه الأقطار التي انتشرت أو تجاوزت العروبة جزيرتها إليها ينبغي أن نلاحظ أنَّها كانت أقطارًا قد استعربت شيئًا ما في العصر الجاهلي. فأوَّل ما خرج العرب من جزيرتهم غزاة فاتحين يريدون أن ينشروا الإسلام ويدعون إلى دين الله، ذهبوا إلى العراق وإلى الشام، وكان الشام قد استعرب قبل الإسلام، لا على الحدود بينه وبين الجزيرة العربية فحسب، حيث كان الغسانيون يقيمون، بل إلى داخل البلاد الشامية. وكانت بعض القبائل العربية قد انتشرت في الشام قبل الإسلام، وتأثرت بالحياة التي كان الناس يحيونها في هذا القطر، وهي حياة الروم، وتديَّنت بالدين الذي كان الروم يدينون به وهو النصرانية. والعراق كان أيضًا قد سبق إليه العرب في الجاهلية، وتأثروا إلى حدٍّ ما بالمسيحية التي جاءتهم من الجزيرة، وتأثروا إلى حدٍّ ما بسياسة الفرس الذين ذهبوا إلى العراق وإلى الشام، وكان العرب حُماةً لحدود الإمبراطورية الرومانية في الشام، وحُماةً لحدود الإمبراطورية الفارسية في العراق.

ولم يكن الفتح الإسلامي في أول أمره إلا يسيرًا عندما التقى بالعناصر المستعرِبة في الشام وفي العراق، ولكن عندما اهتم الفرس من جهة، واهتم الروم من جهة أخرى بهذا السيل الذي جعل يتدفَّق على الشام والعراق، أصبحت القومية العربية أمام واجب خطير، وهو أن تقف موقف الخصومة والنزاع من هاتين الدولتين العظيمتين: الإمبراطورية البيزنطية في الشام، والإمبراطورية الفارسية في العراق.

انتصار القومية العربية

هنا انتصرت القومية العربية في هذين القطرين في الشام وفي العراق، ولكنَّها لم تَقِفْ عند هذا الحد، وإنَّما تجاوزته إلى بلاد لم يكن لها بالعروبة عهدٌ من قبلُ، تجاوزتها إلى مصر في المغرب، وتجاوزتها إلى الفرس والبلاد الفارسية في المشرق، وانتصرت على الروم في مصر، كما انتصرت على الفرس في بلادهم وأدالت دولتهم، ثم انتصرت على الروم بعد ذلك في شمالي إفريقية، واستقرت العروبة في شمالي إفريقية بعد خطوب شِداد، ثم تجاوزت إفريقية إلى القارة الثالثة التي لم يَكُنِ العرب يعرفونها قبل الإسلام وهي القارة الأوروبية، ففُتحت الأندلس، واستقر العرب في إسبانيا كما استقروا في إفريقية، وكما استقروا في شرق الدولة الإسلامية في بلاد الفرس، ووصلوا إلى أطراف الهند.

منذ ذلك اليوم تعقدت القومية العربية، لم تصبح أمة تعيش في وطنها الذي نشأت فيه خالص لها هذا الوطن، وخالصة هي لهذا الوطن، وإنَّما أصبحت أمة تجاوزت وطنها وبيئتها، ونزلت إلى أوطان وبيئات لم تكن تعرفها هي، ولم تكن هذه الأوطان والبيئات تعرف عنها إلا الشيء القليل. وأغرب ما تمتاز به هذه القومية العربية، هو أنَّها عندما استقرت في هذه البلاد التي فتحتها وحاولت أن تستقر فيها عندما أتيح لها هذا النوع من الاستقرار لم تكتفِ به، ولم تكتفِ بأن تستقر في الشام حكومة متسلِّطة أو في العراق حكومة متسلِّطة، أو في بلاد الفرس كذلك، لم تكتفِ بامتلاك الأرض، ولم تكتفِ بإخضاع النَّاس للسلطان؛ لأنَّها لم تكن تريد أنْ تملك الأرض، ولم تكن تريد أن تُخضِع النَّاسَ بسيطرة سياسية فحسب، وإنَّما كانت غايتها قبل كل شيء أن تملك القلوب، وأن تُسيطر على الضمائر، وأن تدخل في أعماق الوجدان في البلاد التي تفتحها وتستقر فيها، وبشرط أن يكون هذا كله دون إكراه أو عنف.

وإذن ينبغي أن يأتي هذا بطبعه من نفسه من غير محاولة عنيفة، بل من غير محاولة في أكثر الأحيان، فبعد أن غلب المسلمون، لم يفرضوا على بلد من هذه البلاد لغتهم، ولم يفرضوا عليها دينهم؛ لأنَّهم اكتفوا منهم بالأصول التي قررها الإسلام، وهي: الإسلام لمن أراد أن يُسلِم عن رضى، أو أداء الجزية.

وفي نصف القرن الأول — أي قبل أنْ يمضي نصف قرن على فتح الفرس مثلًا — كان بعض الفرس قد أتقنوا اللغة العربية وبرعوا فيها، وأخذوا ينافسون العرب في الشعر العربي نفسه، ووُجد في أيام بني أمية شعراء يقولون الشعر كأفصح ما يكون الشعر في اللغة العربية، وأصولهم فارسية لم يعرفوا اللغة العربية إلا بعد أن أسلموا، وبعد أن قاموا مجاورين للعرب في بلادهم، أو في جزيرة العرب نفسها.

ولم يكد القرن الثاني ينتهي حتى ننظر إلى القومية العربية فنرى عجبًا من العجب، نرى مهد القومية العربية قد هُجر أو كاد يُهجر، ونرى الجزيرة العربية قد عادت إلى بداوتها القديمة، وظلَّت المدينة ومكة محتفظتين بما كان يُدرَّس فيهما من الدين والعلم، ولكنَّ البيئات القديمة البدوية في نجد عادت إلى بداوتها، وعادت إلى شيء كثير من عزلتها القديمة، وكادت الصلة تُقطع بينها وبين البلاد الأخرى، وإذا القومية العربية ليست في الجزيرة العربية وحدها، وإنَّما هي قبل كل شيء في هذه البلاد التي فُتحت، والتي امتزج فيها العرب بغيرهم من سكان البلاد الأصليين.

ومعنى هذا خطير كل الخطورة؛ فهؤلاء السكان كانوا يتكلمون لغات مختلفة جدًّا، وكان الفرس يتكلمون لغتهم الفهلوية، وكانت للشام لغات سامية، وكذلك في العراق وفي الجزيرة، وكان المصريون يتكلَّمون لغتهم القبطية، وكانت لغة الثقافة والسياسة في البلاد الشامية والمصرية هي اللغة اليونانية، ولغة السياسة في العراق وبلاد فارس هي اللغة الفارسية، ولغة الثقافة والسياسة في شمالي إفريقية وفي إسبانيا كانت هي اللغة اللاتينية.

قوة اللغة العربية

وننظر في أواخر القرن الثاني فإذا كل هذه اللغات قد تركت أماكنها من ألسنة الناس وعقولهم وقلوبهم لهذه اللغة العربية، فالفرس يتكلمون العربية ويكتبونها، ويزاحمون العرب أنفسهم فيزحمونهم، وإذا الفرس هم الذين يضعون كتب النحو العربي وأصوله، وإذا هم يعنون بجمع اللغة العربية وتدوينها، ويشاركون العرب في هذا كله، ويغلبونهم عليه أحيانًا، واللغات السامية التي كان النَّاس يتكلمونها في سوريا، ويتكلمونها في الجزيرة، ويتكلمونها في العراق؛ عادت كلها إلى الأديرة، وأصبح النَّاس يتكلمون اللغة العربية، واللغة العربية بطبيعتها أصبحت لغة السياسة ما دام الحكَّام عربًا، ولكن اللغة السياسية هذه التي يتكلمها الناس لم تلبث أن أصبحت لغة للثقافة والعلم أيضًا.

وإذن هناك قومية عربية جديدة أنشأها الإسلام، لم تكُن تأتِلف من عنصر عربي خالص، وإنَّما كانت تأتلف من جميع هذه العناصر، من العناصر التي كانت تسكن كل هذه البلاد. فأنشأ الإسلام إذن أمة جديدة، وجعل هذه الأمة عربية: عربية اللغة، عربية التفكير والشعور، عربية الحضارة، عربية العلم والثقافة والأدب.

ومن غريب الظواهر الأدبية في حياة هذه القومية الجديدة التي أنشأها الإسلام — والتي ألغى فيها الفروق بين الأجناس، وألغى فيها أن يكون لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى — من أغرب الظواهر أنَّ الشعراء الذين استأثروا بالشعر وامتازوا فيه، وأصبحوا هم ألسنة الأمة العربية بمعناها الجديد؛ لم يكن منهم شاعر عربي خالص … كان بعضهم فارسيًّا، وبعضهم نبطيًّا، وبعضهم يونانيًّا، لم يكن منهم شاعر عربي خالص، وإنَّما كانوا جميعًا من هذه الأمم التي استعربت، وأعربت عن شعورها القديم، وعن عقولها القديمة، وعن وجدانها القديم في الشعر العربي، والعقل العربي، والوجدان العربي.

وكانت اللغة اليونانية قد سادت في الشرق الذي نُسميه الآن بالشرق العربي، وبنوع خاص في مصر والشام والجزيرة، ولكنَّها لم تستطِع أن تمحو هذه اللغات الوطنية؛ فظل المصريون يتكلمون لغتهم القبطية، وظلَّ أهل الشام يتكلمون لغتهم السامية الآرامية، وظلَّ أهل الجزيرة والعراق كذلك، وكانت اللغة اللاتينية في شمالي إفريقية وفي إسبانيا، ولكنَّها لم تستطع أن تقهر لغة البربر في شمالي إفريقية، ولا أن تقهر الإسبانيين على أن يتركوا لغتهم الوطنية الأولى. ولكنَّ اللغة العربية جاءت فقهرت اليونانية، وقهرت معها اللغات الوطنية أيضًا، وقهرت اللاتينية في المغرب، وقهرت اللغة الفارسية أربعة قرون تقريبًا.

كل هذا إنْ دلَّ على شيء فإنَّما يدل على قوة اللغة العربية، وقوة الطبيعة العربية، وقوة هذا الدين الذي كان هو العامل، أو المؤثِّر الأول في انتشار العرب خارج جزيرتهم، ثُمَّ في تكوين هذه الأمة العربية الجديدة. ومن المحقق أنَّ البلاد التي يتألف منها العالم العربي الحديث، لا يمكن أن تكون حقًّا مؤلَّفة من عناصر عربية خالصة تُنسب إلى عدنان وقحطان، وإنَّما هي عربية بلغتها، عربية بشعورها وعقلها ووجدانها، عربية بدينها، سواء أكان هذا الدين إسلامًا أم كان نصرانيةً، هي عربية بهذا كله، أثرت العروبة على غيرها، وأصبحت أمة عربية جديدة كوَّنها الإسلام، وكوَّنها دون إكراه أو إرغام أو عنف، فتكوَّنت بهذه الوسيلة، وبهذا اليسر.

سماحة القومية العربية

وأَخَصُّ مزايا هذه القومية العربية أنَّها حُرَّة ومتسامحة، وأنَّها مفتوحة الأبواب لا مغلقتها، وأنَّها مُتعاونة مع الذين يُحبون أن يتعاونوا معها؛ فهي قبلت الثقافات الأجنبية في عصورها الإسلامية الأولى، قبِلت ثقافة الفرس والهند واليونان، وقبِلت كثيرًا من الثقافات السامية القديمة، ومن ثقافة المصريين القدماء، قبلت هذا كله وأساغته وجعلته عربيًّا، ثم لم تكتفِ بهذا، ولم تستأثر به من دون الإنسانية المتحضرة، ولكنَّها جعلت تنشر ما تستطيع أن تنشره من هذا كله في الشرق والغرب جميعًا، فأثرت بثقافتها الجديدة في الشرق: في الهند وفي بلاد الصين، وأثَّرت بثقافتها العربية الجديدة في أوروبا في الغرب، وفي أوروبا لم تؤثر بعلمها وفلسفتها فحسب، ولكنَّها أثَّرت بعلمها وفلسفتها، وأثرت بشعرها أيضًا، وهي التي علمت الشعراء الفرنسيين في القرون الوسطى أن يقولوا ذلك الشعر الذي كانوا ينتقلون به بين المدن في فرنسا.

هذه هي القومية العربية كوَّنها أو حاول تكوينها الشعر أوَّل الأمر، ثُمَّ كوَّنها القرآن آخر الأمر، ثم جعلت تفرض نفسها في غير عنفٍ ولا إكراه على العالم القديم، حتى احتلَّت مكانة الإمبراطورية الرومانية، واحتلَّت مكانة الدولة الفارسية. وهي الآن بعد أنْ عدت عليها الخطوب، وبعد أن ألحفت عليها الكوارث، وبعد أن ألحَّ عليه الترك بنوع خاص في عصور مختلفة من حياتهم، وبعد أن اضطرت إلى الخمول وإلى الضعف، ظلَّت على الرغم من هذا كله محتفظةً بقوميتها، محتفظة بلغتها وعقليتها وشعورها وكل ما يميزها. ظلَّت محتفظة بهذا كله، وقد عرضت لها الخطوب المختلفة، فانقسمت وانفصل بعضها عن بعض، ونشأت فيها دول، برغم هذا ظلت وستظل واحدة في الشعور، وواحدة في التفكير، وواحدة في الآلام، وواحدة في الآمال.

فضل الأدباء

وإذا كانت الأمة العربية قد أخذت الآن تنهض، وأخذت تعرف نفسها، وأخذت تعرف حقوقها، وتعرف واجباتها، فالفضل في هذا كله إنَّما يرجع إلى الأدب، وإلى الأدب وحده.

ما الذي أنشأ النهضة الحديثة في هذه البلاد العربية؟ هو أنَّها التقت بالغرب، وعرفت حياة غريبة لم تكن تعرفها. كان الترك العثمانيون قد قطعوا كل صلة بينها وبين العالم الخارجي، فلم تكن تعرِف الغرب، ولا تكاد تسمع به، وكاد الغرب هو نفسه أن ينساها، اضطرت بمقتضى الحوادث التي حدثت في أواخر القرن الثامن عشر وفي القرن التاسع عشر إلى أن تعرف أوروبا، فرأت ألوانًا من الحياة جديدةً، وأرادت أن تعرف من هذه الحياة شيئًا، فجعلت تتعلم اللغات الأوروبية، وإذا هي تعرف المطبعة، ولم تكَد تعرف المطبعة حتى ذكرت أنَّ لها كتبًا قديمة مكدسة في المساجد، وفي الكنائس، وفي الأديرة، وإذا هي تأخذ في نشر هذه الكتب، وكان إحياء الأدب العربي القديم بفضل المطبعة، وكان الاتصال بالحياة الغربية الحديثة ضمن هذين التيارين. نشأت ثقافة جديدة في هذه البلاد العربية. ومن الذي أنشأها؟ هؤلاء الأفراد الذين تعلَّموا، والذين كانوا يقرءون الكتب القديمة، وينشرونها، ويتعلمون اللغات الحديثة ويترجمون منها، والذين كانوا يذيعون العلم والأدب في بلادهم وفي البلاد المجاورة، ومَنْ هؤلاء القوم؟ ومَنْ هؤلاء الناس؟ إنَّهم هم طليعة الأدباء المعاصرين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.