كنت جالسًا في «كافيه لابيه» في الصباح الباكر، شبه منفردٍ بالبحر، يهيئ لي الجو كافة أسباب الراحة والصفاء، لولا أن أخبار التحقيقات المختلفة عن التعذيب والفساد المنشورة في الصحف كانت قد أقامت سدًّا منيعًا بين النفس من ناحية وبين الراحة والصفاء من ناحية أخرى، كنت كذلك عندما جلس أمامي فجأة كهلٌ وقورٌ وهو يبتسم كالمعتذر، قدَّم نفسه فإذا به شيخٌ من شيوخ الطب الباطني في الإسكندرية، وإذا به يبتدرني دون مقدمة: ماذا ترى؟ … أيهما أهم للطبيب: العلم أم الأخلاق؟

دُهشت من اندفاعه إلى السؤال، وشعرت بأنه كان مشغولًا بموضوعه وقتًا طويلًا، ولعله واصل حوارًا مع نفسه حوله بلا انقطاع، فطرحه بتلك الصورة وكأنما يستكمل به حديثه الخفي السابق. ولم ينتظر جوابي، لم يعطني فرصة للتفكير، فقال بحزم وإصرار: الأخلاق هي كل شيء …

فتساءلت بإغراء الجدل: وما فائدة الأخلاق بغير العلم والمهارة اللازمَيْن؟

فأجاب بيقين: الأخلاق توجب على صاحبها تحصيل العلم والاستمرار في ذلك إلى ختام حياته؛ فكل صاحب أخلاق هو في الوقت ذاته صاحب علم، أو يجب أن يكون كذلك.

وأعلنت إعجابي بالفكرة صادقًا، فراح يحكي لي «نوادر» من انحرافات المهنة حتى تمتم آسفًا: يا له من زمن عجيب!

فقلت له على سبيل العزاء: الظاهرة متفشية كالوباء، المهم أن نعالجها …

– ذلك حق، علينا أن نبدأ من الأسرة والمدرسة.

– وكيف تضمن صلاحية الأسرة والمدرسة؟ … أليست الأسرة والمدرسة وحدتَيْن في المجتمع الذي نتحدث عنه؟ … المهم أولًا أن نعرف الأسباب …

فتساءل متفكرًا: ما هي الأسباب في نظرك؟

– منها ولا شك الأزمة الاقتصادية؛ أعني غول الغلاء، ففي أيام الغلاء يحكم مبدأ الضرورة لا مبدأ المثل الأعلى …

ومنها انحرافات بعض المسئولين؛ فلا استقامة حقيقية بلا قدوة منهم، ولا محاسبة حقيقية بغير استقامتهم.

فقال مقطبًا: إنك تزيد من الصعوبات …

– بل يوجد وراء ذلك ما هو أهم وأخطر؛ فالأخلاق لا تنشأ من فراغ، وينابيع الأخلاق هي العقائد والمذاهب؛ دينية كانت أم سياسية أم فلسفية، وقد كان دأب الدولة فيما قبل ثورة التصحيح أن تمحق العقائد والمذاهب، وأن تطارد العقائديين على اختلاف هوياتهم، حتى لم يبقَ في الميدان إلا اللامنتمون والانتهازيون، وهؤلاء أخلاقهم الخاصة تنبع من الأنانية وتستهدف المصلحة. هكذا امتلأت المعتقلات والسجون بالعقائد، وغطِّي سطح المجتمع بالانحراف.

وتبادلنا نظرة حزينة وباسمة، ثم استطردتُ: نريد عقيدة … نريد قدوة …

فتساءل الأستاذ الوقور: وكيف نبدأ؟

فقلت برجاء: لقد بدأنا بالفعل، بدأنا منذ أعطينا الصحافة حريتها، والقانون سيادته، والشعب منابره، وما وراء الليل إلا الفجر …

الفيلم الناجح

يسألني المهندس علي عفت في رسالة عن الفيلم الناجح، ما أسباب نجاحه؟ وما دور النجوم في ذلك؟ وما دور الدعاية؟ وأستطيع أن أسرد أسبابًا كثيرة للنجاح، ولكن ما من سبب منها يُذكر كعامل من عوامل النجاح إلا وقد تجده في فيلم سيئ الحظ لا نصيب له من النجاح؛ لذلك سأتجنب الموضوعية في هذا المجال وأقول: إن الفيلم الناجح هو الفيلم الذي يستجيب الجمهور إلى موضوعه ككل؛ بمعنى أنه يحبه لأنه يتناغم مع وجدانه وأفكاره. والجمهور لا يتلقى الموضوع منفصلًا عن بقية العناصر الفيلمية الأخرى؛ كالإخراج والتمثيل والتصوير والمونتاج والسيناريو والحوار، ولكن تأثُّره بهذه العناصر لاشعوري، إلا القلة النادرة التي تتذوق الفيلم تذوقًا فنيًّا، أما الأغلبية الساحقة فتعتبر الموضوع امتدادًا لحياتها؛ تعايشه وتناقشه وكأنه حقيقة لا خيال. وثمة مشكلة، وهي كيف يهتدي الجمهور إلى فيلمه الناجح؟ كيف يفرزه من بين عشرات الأفلام المعروضة؟ هنا يجيء دور العوامل المساعِدة. وأقول المساعِدة وهي في الوقت ذاته أصلية بمعنًى من المعاني، هي مساعِدة بالنظر إلى أن النجاح الحقيقي يتقرر في الموضوع، وهي أصلية لأنه لولاها ما اهتدى الجمهور إلى موضوعه المحبوب المفضل؛ وأعني بهذه العوامل النجوم والدعاية ودار العرض والمواسم وغيرها.

ولا شك أن النجوم هي أهم هذه العوامل بلا استثناء؛ فوجودها في فيلم ما يشكل قوة جذب لا نظير لها، فيهرع إليها الجمهور مفتونًا بها، راغبًا في مشاهدتها، واثقًا من أنها لن تخيِّب رجاءه، غير أن النجوم لا تستطيع أن تنجِّح فيلمًا ساقطًا، والدليل على ذلك أننا نصادف النجم في الفيلم الناجح كما نصادفه في الفيلم الساقط، ولكن دوره أساسي في جذب الجمهور؛ فإذا كان الموضوع ناجحًا تقرَّر له النجاح حتى يستوفي حظه منه، وإذا كان فاشلًا لا يغير من قدره، ولكنه يخففه ما أمكن ذلك. إذن فالفيلم الناجح هو الموضوع الناجح، ولكن الموضوع الناجح قد يضيع في زحمة الأفلام لولا النجم الهادي إليه. وكثيرًا ما نسمع كلامًا عن وجوب تحرُّر الأفلام من سيطرة النجوم، ولكن كيف يهتدي الجمهور الواسع إلى فيلمه وهو لا يكاد يعرف من عناصره إلا نجمه المحبوب؟! والحق أن عشاق المخرج آحاد، وعشاق المؤلف عشرات أو مئات، أما النجم فهو — أو هي — البطل الحقيقي في السينما والمسرح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.