ألم أقل لك: إن مجلس الوزراء في هذه المرة مؤثِر للجِد والحزم، مصمم على أن يحتفظ بحقه في السيادة والسلطان والتفوق كاملًا شاملًا غير منقوص؟ ألم أقل لك: إن وزراءنا مؤمنون، وإن المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، وإن الرجل العاقل الحصيف هو الذي ينتفع بتجارب الدهر وعِبَر الأيام؟ وإن وزراءنا قد استجابوا للهيئة السياسية في سبتمبر الماضي، وأقروا رأيها في أن ذلك الوقت كان ملائمًا أشد الملاءمة لبدء المفاوضات للظفر بحقوق مصر؛ فأطمعوا الهيئة السياسية فيهم وفي سلطانهم، وخيَّلوا إليها وإلى الناس أنها أصبحت هي السلطة العليا، تدعو فيُستجاب لها، وتأمر فيُذعن لأمرها، وتقول فيُسمع لما تقول.

وكان صاحب الدولة صدقي باشا أسرع أعضاء الهيئة إلى انتهاز هذه الفرصة، والانتفاع بهذه السابقة، فظنَّ أنه يستطيع أن يوجه إلى الوزراء كما يشاء الشعب المعرض عنه وإلى الحكومة الخائفة منه، كما كانت كاهنة أبولون تتحدث إلى طلاب الوحي. لاحظ الوزراء هذا كله وضاقوا به والهيئة السياسية، وكأنهم قد قالوا لأنفسهم: كيف نخلص من طاعة البرلمان لنتورط في طاعة الهيئة السياسية؟! وقد اضطرتهم الحوادث مع ذلك إلى أن يلجئوا إلى هذه الهيئة السياسية؛ لعلها أن ترد عنهم الشر وتحميهم من المكروه.

كان ذلك حين فعل وزير المالية فعلته، فجمع حزبه واتخذ قراره الخطير، وأثار تلك العاصفة القاصفة الهينة اللينة مع ذلك! هنالك قال بعض القائلين للمؤتلفين المختلفين: اتخذوا الهيئة السياسية حكمًا فيما شجر بينكم من خلاف. كان المؤتلفون المختلفون أحرص الناس على أن ترد الأمور إلى نصابها، فيعود مكرم باشا إلى وزارة المالية، ويمضي النقراشي باشا في الاتصال والانفصال والتمهيد لتعجيل المفاوضات أو تأجيلها. فلم يكد اقتراح التحكيم يعرض حتى تعلق العهد السعيد كله بهذا الاقتراح كما يتعلق الغريق المشرف على التلف بأهون الأشياء. ولكن الهيئة السياسية أخذت نفسها على أنها جِدٌّ لا مزاح، ومنحت نفسها سلطانًا لم تمنحه لها القوانين ولا المراسيم، فاجتمعت وسمعت وحكمت كما يجب أن يقول رئيس الوزراء أو كما قال قيصر من قبل.

وخرج وزير المالية مرفوع الرأي، موفور الكرامة، عالي الصوت، مشرق الوجه، يمشي في الأرض مرحًا، كأنه يريد أن يخرق الأرض، أو أن يبلغ الجبال طولًا. فقد حكمت له الهيئة السياسية على رئيسه، وقررت فيما قررت وجوب البدء فورًا في المفاوضات، وكان قرار الهيئة السياسية قد صدر أثناء الليل، وكلام الليل — كما تقول أحاديث العامة — قد صُنع من زبد أو قد دهن بالزيت، فهو يثبت لبرد الجو ما أقامت ظلمة الليل، فإذا أشرقت الشمس بنور ربها ذاب كلام الليل وتفرق مع الريح. وقد كان هذا مصير القرار الذي اتخذته الهيئة السياسية بليل يوم الأربعاء الماضي، طلعت عليه شمس الخميس فذاب ثلثه، ثم طلعت عليه شمس الجمعة فذاب ثلثه الثاني، ثم طلعت عليه شمس السبت فكاد ثلثه الأخير يذوب كله لولا أن مجلس الوزراء اجتمع ظهر ذلك اليوم فاحتفظ بنصف هذا الثلث الأخير، وأحاطه بشيء من الثلج لعله يثبت لشمس الشتاء. وكان هذا الثلج خليقًا أن يحتفظ بما بقي من قرار الهيئة السياسية لولا أن مناقشة الوزراء في اجتماع السبت كانت أشد حرارة وأكثر التهابًا من شمس الشتاء؛ فذاب قرار الهيئة السياسية كله، وذاب معه الثلج الذي أحيط به، وخرج وزير المالية مطرق الرأس خافت الصوت يمشي على الأرض هونًا كأنه يمشي في الهواء. فقد قضى مجلس الوزراء لرئيسه عليه وعلى الهيئة السياسية جميعًا، واحتاج مكرم باشا إلى أن ينعكف يومًا أو أيامًا ليسترد قوته ويستعيد نشاطه ويستطيع أن يستأنف الجهاد؛ الجهاد الكبير بالطبع، فما ينبغي لجهاد مكرم باشا إلا أن يكون جهادًا كبيرًا خطيرًا. والمهم هو أن مجلس الوزراء لم يذعن لأمر الهيئة السياسية، ولم يرضَ أن تتحكم فيه هي أو أن يتحكم فيه وزير المالية.

كان يظن أن الهيئة السياسية ستأخذ الأمر في إسماح ودعابة — كما أخذت أمر الوقت المناسب في سبتمبر الماضي — فلما رأى منها الجِد والحزم أراها هو أيضًا جِدًّا وحزمًا! ومع ذلك فسيجتمع مجلس الوزراء مساء اليوم لينظر في الموقف السياسي، وليقرر أن الوقت ملائم أو غير ملائم لطلب البدء في المفاوضات، وليقرر أن من الخير أو من الشر أن يقدم على هذه الخطوة الجريئة، فما تأويل هذا الاجتماع الثالث؟ أيكون مجلس الوزراء قد رضي عن نفسه بعد أن ألقى الدرس القاسي على الهيئة السياسية وعلى وزير المالية، وبعد أن بيَّن للناس جميعًا أن يصدر الأمر ولا يتلقاه، وأن يطاع ولا يطيع، فقرر أن يستأنف البحث من جديد ومن تلقاء نفسه، لا عن أمر الهيئة السياسية ولا عن خوف من نذير وزير المالية؟ أم يكون مجلس الوزراء قد أعطى نفسه شيئًا من الوقت ليقتل المسألة بحثًا ودرسًا وتمحيصًا واستقصاءً، وليقضي مساء اليوم عن روية وبصيرة؟ أم يكون هناك أشياء يلمحها الناس من بعيد، ولا يكادون يضعون أيديهم عليها؟ فقد قيل له: إن برقية أقبلت من لندرة أرسلها وزير الخارجية إلى رئيس الوزراء؛ فكانت سببًا في تأجيل القرار الخطير واعتكاف المجاهد الكبير. ثم قيل لنا اليوم: إن سفيرنا في لندرة قد اختلف غير مرة إلى وزير الخارجية البريطانية، قابل الوزير أو أعوان الوزير لا أدري. وأشيع بين ذلك أن وزير الخارجية البريطانية قد يسلك إلى موسكو الطريق الطويل ليلم بالقاهرة يومًا أو بعض يوم، ثم علمنا آخر الأمر أنه سيسلك الطريق القصير، فلا يزور الشرق، ولكنه قد يلم ببرلين.

قيل لنا هذا كله، فما معناه؟ معناه يسير جدًّا، لا يحتاج إلى كثير من الذكاء، ولا إلى أفضل من التأويل. فليست الهيئة السياسية هي التي ستفاوض النقراشي باشا في حقوق مصر، وليس وزير المالية هو الذي سيفاوض النقراشي باشا في حقوق مصر، وإنما المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية هو الذي ستجرى معه المفاوضات. وإذن فقد يكون من حسن الذوق ومن الأدب الرقيق الرفيق، وقد يكون من حسن اللياقة (بالياء) ومن حسن اللباقة (بالباء) أن يستأذن وزير الخارجية البريطانية في التقدم إليه، يطلب البدء عاجلًا أو آجلًا في المفاوضات. وقد قال الحكماء: إن الرجل الحازم هو الذي يقدر لرجله موضعها قبل الخطو، فلا يتعرض للزلل ولا للسقوط. من حسن الذوق إذن ومن المهارة السياسية أن نستأذن المستر بيفن في التقدم إليه بهذا الطلب، فإن أذن لنا؛ قدمنا هذا الطلب فرضي مكرم باشا ورضيت الهيئة السياسية ومضت الأمور إلى غايتها، وإن لم يأذن لنا؛ وضعنا الهيئة السياسية ووزير المالية أمام الحقائق الواقعة المجردة، وحمَّلناهم تبعتهم، وقلنا لهم: تخيروا بين تأجيل المفاوضات حتى يأذن بها الإنجليز وبين انهيار العهد السعيد من أساسه. وما من شك في أنهم حينئذٍ سيختارون تأجيل المفاوضات حتى يأذن بها الإنجليز.

أظن أن الأمر واضح كل الوضوح، لا لبس فيه ولا غموض، وأن هذا الأسبوع الذي مضى بين قرار الهيئة السياسية وبين اجتماع مجلس الوزراء مساء اليوم إنما هو أسبوع الاستئذان، وقد كان يمكن أن يطلب الإذن ويُعطى أو يُرفض في يوم أو يومين، ولكن وزير الخارجية البريطانية ليس فارغ البال، ولا منقطعًا لمشكلات المصريين، وإنما هو مشغول بمشكلات أخرى لعلها أن تكون أجلَّ خطرًا وأشدَّ تعقيدًا من مشكلات المصريين. وهو — على كل حال — قد طلب إليه الإذن بالتقدم إليه في طلب المفاوضات، فأذن بذلك أو رفضه كما نرى مساء اليوم أو صباح الغد، وهذا يكفي.

وكذلك سلك رئيس الوزراء طريق الحكمة والتبصر، فعلم الآن أيقدم أم يحجم، أيفاوض أم لا يفاوض! وفي أثناء ذلك تستفيض الأحاديث في الشرق والغرب بأن الاتفاق قد تم بين البريطانيين والفرنسيين على أن يجلوا معًا في وقت قريب عن سوريا ولبنان. وما أسعد إخواننا السوريين واللبنانيين، وما أسعدنا نحن بهذا الخير الكثير الذي سيتاح لهم قريبًا بإذن اللَّه! فسيظفرون بالجلاء عن بلادهم قبل أن نفاوض نحن الإنجليز في الجلاء عن بلادنا، وهم سيظفرون بجلاء دولتين عظيمتين عن بلادهم قبل أن نجرؤ نحن على مفاوضة دولة عظيمة واحدة بالجلاء عن بلادنا؛ لأننا قوم حكماء نؤثر الأناة والريث، ولا يجب أن نسبق الحوادث، ولا أن نتعجل الأمور. فقد سبق القضاء بما لا بدَّ من وقوعه، فإن كان القضاء قد كتب لمصر أن يجلو عنها الإنجليز؛ فسيجلون عنها في يوم من الأيام، سواء أفاوضناهم في ذلك أم لم نفاوضهم! وإن كان القضاء قد كتب لمصر أن يبقى فيها الإنجليز فسيبقون، سواء أفاوضناهم في الجلاء أم لم نفاوضهم!

وإذن، فنحن محقون حين نتمهل ونستأني، وقد نكون محقِّين حين نؤثر الراحة، ونترك للقضاء وحده إجلاء الإنجليز عن مصر إن كان الجلاء مكتوبًا في اللوح المحفوظ.

نعم، يجب أن نبتهج صادقين، وأن نغتبط مخلصين بفوز إخواننا السوريين واللبنانيين بجلاء الجيوش الأجنبية عن بلادهم، وأن نتمنى لهم مزيدًا من الحرية والكرامة والعزة، وأن ندعو اللَّه عز وجل أن يمسنا بجناح من رحمته فيلحقنا بإخواننا السوريين واللبنانيين في طريقهم إلى العزة والكرامة والاستقلال.

والغريب أن رئيس وزرائنا راضٍ عن نفسه كل الرضا، مطمئن إلى سياسته كل الاطمئنان، مقتنع بأنه يخدم مصر كأحسن ما يمكن أن تُخدم! أليس قد حفظ فيها النظام، واضطرها إلى الصمت، وإلى أن تفرغ لحياتها راضيةً عنها قانعةً بها؟! وماذا تريد مصر أكثر من أن يعيش أبناؤها طاعمين حين يجدون الطعام كاسين حين يجدون الكساء؟!

على أن رئيس الوزراء ليس وحده هو الراضي عن نفسه، فحلفاؤنا الإنجليز راضون عنه أيضًا؛ ألم تقرأ ثناء التيمس عليه؟! وإذا رضي الإنجليز فقد ابتسمت الدنيا وأشرقت الآمال، فرضا الإنجليز هو الذي يعتد به ويلتفت إليه، وغضب الإنجليز هو الذي يجب أن يُتَّقى ويُحسب له الحساب. فأمَّا أن يستقيل الدكتور حامد محمود وأصحابه من حزب رئيس الوزراء ساخطين على موقفه من المسألة المصرية فشيء قليل الخطر جدًّا. المهم كل المهم ألا يغضب بنو تميم. ألم يقل الشاعر القديم:

إذا غضبت عليك بنو تميم

حسبت الناس كلهم غضابا؟!

وبنو تميم هم بالطبع حلفاؤنا الإنجليز.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.