يقول الأستاذ عبد الله شداد في خطاب مطول:

يقول: «… لقد استنكرتم ابتداءً استعانة الشيخ سيد درويش بألحان غيره، ثم عدتم وأشدتُم بقدرته النادرة على الخلق والتعبير عن الأطوار النفسية بالجديد والقديم من الألحان. وفي هذا تناقض بَيِّنٌ.»

ثم يقول: «وتجنيتم عليَّ كثيرًا بقولكم إنني كنت أستعين بأناشيد المدارس لتلحين إنتاجي، ولم تُقدِّموا مثالًا واحدًا يؤيد هذا القول. وتلك مواقف لا تتفق مع الحقيقة لسبب بسيط، هو أنه لم يكُن في ذلك العهد أناشيد مدرسية سوى ما كان من إنتاجي بِناء على طلب نُظَّار المدارس الثانوية.»

ونحمَد الله لأننا لا نُضطَر إلى فتح باب المناقشة في المتناقضات وغير المتناقضات؛ لأنها قد تكون نشوزًا أو «نشازًا» في كلام عن التلحين والأنغام يجري بين الأستاذ شداد وبين كاتب هذه السطور.

ولكننا لا نناقض شيئًا يعرفه الأستاذ الملحن إذا ذكرنا طرفًا من الواقع في مدرسة واحدة من مدارس القُطر: هي مدرسة أسوان الأميرية يوم كُنتُ من تلاميذها غير منتسبٍ إلى فرقتها الموسيقية والرياضية. ولكنني كنت أشتَرِك في الحفلات العامة كما يشترك فيها سائر تلاميذها …

فقد ألقينا في يوم واحد أربعة أناشيد من صباح ذلك اليوم إلى مغربه، وأولها مترجَم عن الإنجليزية يبتدئ بهذه الفاتحة المردَّدة:

الساعة نصف وثمانٍ

أخشى تأخيرك للدرس

اذكر قانون العرفان

قُمْ واستحضر دَرْكَ الحدس

أما الأناشيد الثلاثة الأخرى، فقد كان منها السلام الوطني، وهو نغمة واحدة تُرَدِّدُهَا الفرق الرياضية بألفاظ مختلفة. ثم كان منها نشيد الاستقبال ومطلعه:

نور الأنام بدا لنا

وضياؤه قد عمَّنَا

ثم نشيد التوديع ومطلعُه:

سر يا مليكًا للسودان

فلك السلامة كل آن

وقد حفظنا على غير هذه الأوزان ثلاثة أو أربعة أناشيد نفتتح بها الحفلات العامة على حسب مناسباتها، وكانت «الدفعة» التي سبقتنا بالمدرسة تحتفل بإعلان نتائج الامتحان على ملأٍ من المدعوِّين وفي جملتهم آباء التلاميذ، ومن برنامج الاحتفال تحية التلميذ الناجح بعزف السلام من الفرقة الموسيقية وترديد النشيد من منتخب الفرق الرياضية بتلك التحية.

ولا نظن أن الأناشيد التي كنا نحفظ ألحانها كانت تقل عن عشرة في جملتها، غير الألحان التي رويناها بالتلقين ممن سبقونا في الدراسة على نظامها «الأميري» المتبع في مدارس «النظارة» على عمومها.

هل يعني الأستاذ شداد أن هذه المنظومات المُلحَّنة لم تكن تُعرف باسم الأناشيد قبل عهد الثورة الوطنية؟

إن كان يعني ذلك فهو على حق؛ لأنها كما يذكُر التلاميذ إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى كانت تُعرف باسم «السلامات»، وكانت كلمة «سلام» هي الكلمة التي يُنادى بها للإيذان بالإنشاد. ولكن اختلاف التسمية لا يغير الواقع الذي لا اختلاف عليه، وذاك أن الألحان التي كانت تصلح للأحاديات الوطنية قد عُرِفَتْ واشتهرت بالعشرات في مدارس القطر قبل الحرب العالمية.

ولا يُعاب على الأستاذ شداد أنه استفاد من كثرتها هذه في تلحين «منولوجاته»؛ لأنه لا يُطالب بخلق كل لحن في كل نشيد، بل لا نحسب أن هذا الخلق مُستطَاعٌ في فن الأناشيد خاصة؛ لأنها محدودة بأنغامها وحركاتها، يؤلِّفها المُنشد «بالتطعيم» بينها على حَدِّ الاصطلاح المشهور في لغة الحدائق والبساتين، ولكنه لا يأتي بكل «شتلة» من بذور بَذرة جديدة لم يسبق لها مثيل!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.