ألف الناس أن يُطلِقوا اسم العالَم الجديد على الأمريكتين؛ لأنهما اكتُشِفتا في أواخر القرن الخامس عشر، وأن يُطلِقوا اسم العالَم القديم على آسيا وأفريقيا وأوروبا، والتجوز في هذه التسمية ظاهر، فالعالَمان كلاهما موجودان منذ بدء الخليقة، وكون العالَم القديم قد اكتشف أمريكا لا يغيِّر من هذه الحقيقة، ولا يجعل منها عالَمًا جديدًا. ويمكن للهنود الحمر إذا نحن أبحنا هذا التجوز، أن يسموا آسيا وأفريقيا وأوروبا العالَم الجديد؛ لأنه جديد بالنسبة لهم، كما أن أمريكا جديدة بالنسبة لهذا العالَم الذي يسمِّي نفسه القديم، وهذه التسمية النسبية لا تلائم الحقيقة في شيء.

ويزيد هذا الأمر توكيدًا ما وُجِد في المكسيك من آثار قديمة تُشبِه الآثار الموجودة بمصر، ومعنى هذا أن العالَم الذي نسمِّيه الجديد قد عرف الحضارة قبل أن تعرفها أقطار كثيرة من العالم القديم، وهذا يشهد بأن التجوز في التسمية لا مسوغ له على الإطلاق.

ولكن ذلك ليس معناه أن العالم ليس فيه قديم وجديد، ولكن معناه أنَّا لا يجوز لنا أن نجعل أساس هذه التسمية مسألة نسبية بحتة كاكتشاف أمريكا، بل يجب أن نلتمس للتسمية أساسًا ثابتًا يمكن الاطمئنان إليه. وعندي أن خير أساس في هذا الصدد هو السبق في الحضارة، فالعالم القديم هو أقدم البلاد حضارة، وأرسخها في المدنية قدمًا، والعالم الجديد هو الذي عرف الحضارة بعد ذلك بعدة قرون. هذا في اعتقادي أساس سليم، ومقياس صادق للتسمية بالقديم والحديث. وقد ينتهي بنا هذا المقياس إلى اعتبار أمريكا العالَم الجديد؛ لأن أهلها آخِر شعوب الأرض حضارة، لكن ذلك لا يغيِّر من أن المقياس الحالي فيه تجوُّز كثير.

أحسب هذا الكلام واضحًا كل الوضوح، ولست مع ذلك أطمع في أن يؤدي إلى نتيجة، أو يغيِّر ما ألف الناس من تسمية العالم القديم والعالم الجديد، فالناس أشد حرصًا على ما ألفوا، وهم لذلك يقولون: خطأ مشهور خير من صواب مهجور.

وأنا أريد بما قدمت أن لا يتعصب الناس لشيء لمجرد أنهم ألفوه، أو لغير أنهم ورثوه عن آبائهم؛ فما أكثر ما أثبت العلم خطأ نظريات آمَنَ بها الناس عصورًا وأجيالًا! وما أكثر ما هدمت نظريات علمية قامت عليها حضارات وعقائد! فَلْنكن أكثر تسامحًا، فلا شيء خير من التسامح يحبِّب إلينا الحياة وما فيها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.