تحدثتُ في غير هذا المَوضع عن قصة لكاتبٍ عظيم من كُتَّاب تشكوسلوفاكيا هو «فرانز كفكا»، وهي قصة «القصر». وكنتُ أظنُّ كما يظنُّ غيري من النُقَّاد والبَاحثين أنَّ الكاتب قد اتَّخَذَ قِصَّتَهُ رَمْزًا لمُشكلة من المُشكلات العُلْيَا؛ هي مُشكلة الاتصال بين الإنسان وخَالِقِه. فالقصر قائم على ربوة مُرتفعة تنبسِط تحتها قرية مُنتشرة في أسفل الأرض، وليس من سبيل إلى أنْ يَصِلَ عامَّة الناسِ إلى هذا القصر، وإنَّما يَهبِط إلى القرية بعض الموظفين بين حينٍ وحين، ويصعب لقاء هؤلاء الموظفين على أهل القرية، ولا يرقى إلى القصر من أهل القرية إلا رُسُلٌ قليلون لا يزيد عملهم على نقل الأوامر بين القصر والقرية. وقد أقبل رجل من مكان بعيد على أنه قد عين مَسَّاحًا في هذه القَرية، ولكنه يُنفق خلاصة عمره دون أن يتسلَّم عمله، ويَبْذُل جهودًا لا تنقضي دونَ أنْ يَرْقى إلى القَصْر ليَتَسَلَّم عَمَله، أو دُون أن يَتَّصِلَ بأحد الموظفين الذين يهبطون بين حين وحين من القصر، لعله يجد عند هذا الموظف معونة على تسلُّم عمله!

وكنت أظن كما يظنُّ غيري من النُقَّاد والباحثين أنَّ هؤلاء الموظفين الذين يستقرون في القَصر أو يهبطون إلى القرية بين حين وحين، إنَّما هُمْ رُموز للوسطاء الذين يُحاولون أنْ يَصِلُوا بين المَخْلُوق وخَالقه دون أن يبلغوا من ذلك شيئًا، ولكنَّ نظرة يسيرة إلى بعض الشئون في حياتنا المِصرية قد لفتني إلى أنه وإن يكن من الجائز أنَّ الكاتب قد أراد بقصته إلى الرَّمز، ولكن من المُحقق أنه قد صوَّر في قصته ألوانًا من حقائق الحياة في بعض البلاد التي تتعقَّد فيها البيروقراطية، وتختلط فيها شئون الإدارة، وتتسلَّط فيها جماعة قليلة من كبار الموظفين على جماعة ضخمة من صغار الموظفين، ويتسلَّط فيها أولئك وهؤلاء على شعب كامل، يُرُونَهُ النجوم في الظهر، ويذيقونه من العذاب فنونًا وألوانًا!

ويَكْفِي أنْ تَذْهَب إلى دِيوان من دواوين الحُكومة في يومٍ منَ الأَيَّام العَادِيَّة؛ لترى ازدحام الديوان بطلاب الحاجات وأصحاب المصالح، وتجمعهم على أبواب الغُرُفات والحُجُرات، ولتَرَى من وراء أبواب هذه الغُرُفات والحجرات مُوظفين هادئين مُطْمَئنين، يُداعب بعضُهم بعضًا، ويتحدث بعضهم إلى بعض في أمورٍ ليس بينها وبين هذه الجماعات المُزدحمة صلة قريبة أو بعيدة.

ولتراهم ينفقون اللحظات الطوال والقصار يقولون للتليفون ويسمعون منه، وهم في أثناء هذا كله يُقْبِلون على البارد والحار من شرابهم، ويستعينون على قطع أوقاتهم بتدخين السيجارة أو تدخين السيجار، والجماعات مُزدحمة مُصطخبة يشكو بعضها إلى بعض، والحُجَّاب يحولون بينها وبين الأبواب، بحيث تشهد في هذا الديوان عالمين يختلفان فيما بينهما أشد الاختلاف: عالم الموظفين الذي يأتلف من الآلهة وأنصاف الآلهة وأثلاثهم وأرباعهم، بل من أخماسهم وأسداسهم؛ وعالم الرعية الذي يأتلف من عباد الله البائسين؛ أولئك الذين يُؤدون الضرائب ويرزُقُون هؤلاء الموظفين جميعًا من جر أموالهم وثمرة أعمالهم، دون أن يستطيعوا أن يصلوا إليهم ليعرضوا عليهم ما يهمهم من المآرب والحَاجَات، فإذا ذهبت إلى هذا الدِّيوان في بعض المَواسم الخَاصَّة التي تظهر فيها حاجات الناس عنيفة مُلِحَّة كمواسِمِ دخول المَدارس مَثلًا لرَأيتَ الفَرْقَ بين هذين العالمين مروعًا خطيرًا حقًّا!

وهذا وحده يكفي لتصوير لونٍ من ألوان الفساد في العلاقة بين الحاكمين والمحكومين؛ ولتصوير ما نستطيعُ أنْ نُسَمِّيه قلب الأوضاع، وتبديل قيم الأشياء؛ فالرَّعية هي التي تعمل وتجدُّ وتنتج وتملأ خزانة الدولة بما تؤدي إليها من الضرائب المُباشرة وغير المباشرة، وتتيح للدولة في أن ترزق الموظفين في آخر كل شهر. والرَّعية هي التي أنشأت الدولة إنشاءً، وجعلت لها حُكُومة ومُوظفين، وقَصَدَتْ بإنشاء الدَّولة وتكون الحكومة وترتيب الموظفين، إلى أنْ يكون الحُكَّام والموظفون عامة خدامًا لها، يُدَبِّرون أَمْرَها، ويَقْضُون مَصَالحها، ويُحققون منافعها، ويَسْمَعون لها إذا تكلَّمت، ويأتمرون بأمرها إذا أمرت، في حدود ما وضع من نظم وقوانين … ولكن الأوضاع تُقلب، والقيم تبدَّل، فيُصبح الموظفون سادة، وتُصبح الرَّعية عَبيدًا، ويتَحَكَّمُ المُوظفون في الشعب تَحَكُّمًا لا يصدر إلا عن السيد في تلك العصور القديمة التي كان النظام فيها يقوم على أنَّ الدولة لا تستَمِدُّ سُلطانها من الشعب، وإنَّما تستمده من الله.

ولكن في الأمر ما هو أغرب من هذا كله، وأدنى إلى الطرافة التي لا أدري أتسر هي أم تسوء! فطبقة الموظفين لا تقسو على الشعب وحده، ولا تسخر من الشعب وحده، وإنما يقسو بعضها على بعض، ويسخر بعضها من بعض، ويهمل بعضها أمر بعض، وتنظر فإذا بعض الموظفين سادة وبعضهم الآخر عبيد، وإذا السادة من الموظفين يتحكَّمون في العبيد منهم كما يتحكَّم أولئك وهؤلاء في طبقة ثالثة مُستعبدة لأولئك وهؤلاء؛ وهي طبقة الشعب!

هذه الطائفة من كبار الرؤساء لم يجعل القانون إليها أمور الشعب وحده، وإنما جعل إليها أمور المرءوسين الذين يُعاونونها على خدمة الشعب؛ فهِي التي تَخْتَارُهم وتضَعهم في مواضعهم، وتَكِلُ إليهم أعمالهم المُختلفة، وتكافئهم إن أحسنوا وتُعاقبهم إن أساءوا. وهي من أجل ذلك تَتَحكم فيهم كما تتحكم في الشعب، وتُغريهم بالتحكم فيمن دونهم من المُوظفين كما تتحكم هي فيمن دونها من الموظفين.

ويَكفي أن تتحدث إلى هذا المُوظف أو ذاك، أو أنْ تَسْتَمع للموظفين وهم يتحدثون في مَكاتبهم وأنديتهم وقهواتهم؛ لتتبيَّن مقدار ما يكون من التحكم بين طبقات الموظفين، ولتتبين أنْ لا غرابة مُطلقًا في إهمال مصالح الشعب، وإنما الغرابة كل الغرابة في العناية بمصالح الشعب؛ لأنَّ كبار الموظفين وصغارهم مُشغولون بأنفسهم عن الشعب، ولأنَّ الوسائل أصبحت غايات، فلم يبقَ الموظف خادمًا للشعب، وإنما أصبحَ خَادمًا لرئيسه أولًا، ومعنيًّا بنفسه ثانيًا، ومُستخدِمًا لمن دونه ثالثًا!

وكبار الموظفين يترضَّوْنَ الوزراء، وأوساط الموظفين يترضون كبارهم، وصغار الموظفين يترضون أوساطهم، والحُجَّاب والخدام يترضون الصغار والأوساط والكبار جميعًا.

فإذا بقي لهؤلاء الموظفين شيء من وقت رَفَّهوا فيه عن أنفسهم، وتَحَدَّثوا فيه بما يهمهم من الأمر، وقد يتَفَضَّل بعضُهُم فيُعْنَى بمصلحة الشعب من حين إلى حين!

وإذا كانت هذه الحال؛ فأي غرابة في أنْ تُوجد بين الموظفين طبقة المنسيين، وأي غرابة في أن تقرأ في الصحف منذ أيام أن مُوظفًا في وزارة الزراعة قد وقف عن عمله منذ ست سنين، وكُفَّ عنه مُرتبه منذ ست سنين أيضًا، ولم يُقْضَ في أمره إلى الآن، على ما كان من تَعاقُب الوزارات، وعلى أنَّ لهذا الموظف أُسرة يَجبُ أن تعيش، وأبناء يجب أن يتلعموا، وحياة يجب أن تحتمل؟!

وأي غرابة في أن يعود موظف من مُهِمَّة كان يُؤديها خارج مصر، وينتظر منذ أكتوبر إلى الآن دون أنْ يُقال له أين أنت أو ماذا تصنع، ودون أن يكلَّف عملًا من الأعمال على كثرة إلحاحه في أن يكلَّف بعض العمل، وعلى كثرة تردده على مكاتب الكبار والأوساط والصغار من الموظفين؟!

قوم لا يعملون، ولكنهم يترددون إلى المكاتب، ويقبضون المرتبات، ويُشغَلون بأنفسهم عن مصالح الشعب، وقوم لا يعملون، ولكنهم يقبضون مرتباتهم آخر الشهر … ومنهم من يرضى بذلك ويحمد الله على هذا الرزق الذي يُساق إليه في غير جهد، ومِنْهُم من يَذُوب قلبه حَسْرَةً لأنَّه يريد أن يعمل بمقدار ما يأخذ من أجْرٍ فلا يجد عَمَلًا! وقومٌ آخرون لا يَعْملون ولا يقبضون المُرتبات ولا يجدون ما ينفقون ولا يُخلى بينهم وبين التماس العمل؛ لأنهم موقوفون، قد علقوا بين الولاية والعزل تعليقًا!

وهذا كله يقع، تراه الأعين وتسمعه الآذان، وتلمسه الأيدي، وتفكر فيه العقول، وتتحدث به الألسنة، وفي مصر مع ذلك برلمان يُهيمن على شئون الدولة، ويُراقب السلطة التنفيذية فيما تأتي وما تدع!

فإذا كان هذا كله لا يدلُّ على أنَّ مصر قد جُنَّ جُنونها، وأصبحتْ في حاجة إلى البيمارستان، فلستُ أدري ماذا عسى أن يكون الجنون؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.