زميلنا المربي الكبير الأستاذ زكي المهندس آسِفٌ للشعراء والأدباء والحالمين المبدعين من أصحاب الآيات الفنية، لِمَا أصابهم في قمرهم العزيز بعد اجتراء العلم والاختراع عليه بالصواريخ والألاعيب!

يقول أجمل الله عزاءه وعزاءنا: «وا رحمتا لهذا الأدب الرائع الذي نسجته القرائح والأخيلة حول هذا الكوكب الجميل … أي أديب يستطيع بعد اليوم أن يسبح بخياله إلى القمر وهو يدرك أنه ليس إلا ولاية أمريكية أو دولة تدور في فلك روسيا؟ إني أعتقد أن ينبوعًا عظيمًا من ينابيع الأدب قد غاض ماؤه ونضب معينه، وأن على القرَّاء والكتَّاب والبلغاء بعد اليوم أن يسقطوا القمر من حسابهم، وأن يولوا وجوههم شطر مصدر آخَر يستمدون منه الوحي والإلهام … ليت شعري إلى أي مصير سينتهي بنا العلم بعد أن اقتحم كل مجهول، وغزا كل منيع وضيَّقَ الخناق على العاطفة والخيال بأدب المهندس وإنصافه.

ولو شاء لأضاف إلى ثارات الشعر قديمًا شبيهًا بالحديث عن ثاراته في عصر الصواريخ.

ألم يكن القمر وجهًا جميلًا كَحِيلَ العين، فمسخه العلم قبل ألفَيْ سنة لهيبًا يمده وقود من الفحم تبدله النار سوادًا ببياض أو بياضًا بسواد؟

ألم تكن الشمس مصباحًا يطلع لنا إذا غاب القمر عنَّا، فإذا نحن بأرضنا وقمرنا ذيول تدور حواليها ولا نعفى من دوار الحيرة والاضطراب.

ثارات قديمة لا نثير حسابها الآن لأنها تفوق العد والحساب.

ولكننا نتعزَّى في المصاب بعد المصاب بحقيقة علمية يقبلها العلم قبل الشعر باختياره أو على اضطرار لا يملك فيه الخيار.

الحلم أقوى من العلم فيما غبر، وإنَّه لَأْقوَى منه فيما حضر، وسيبقى متغلبًا عليه بِقُوَّته غدًا وبعد غد، إلى آخِر الزمان.

ماذا صنع العلماء بشمسهم التي تثبت وأرضهم التي تدور؟

إنهم لا يزالون إلى اليوم يَخُطُّون بأيديهم في كتب العلم أن الشمس تطلع وأن الشمس تغيب، وأن الدنيا هي الأرض، وأن الأرض هي «الويرلد» وهي «الموند» وهي «الفيلت»، وهي هي الدنيا ولا دنيا سواها في كل لسان.

والصاروخ يصنع بالقمر ما هو صانع، فهل يصيبه يا ترى بمصاب أفدح من مصاب أبي الهول في أنفه؟

لا نظن ولا نخال، ولكن أبا الهول هو أبو الهول رغم أنفه المهشم ورغم أنف المدفع الذي رماه، وقد أصبح المدفع الذي رماه نسيًا منسيًّا، وهو هو أبو الهول الذي يشمخ بغير أنف في وجه التاريخ!

مسكين هذا العلم! إذا أراد أن يتطاوَلَ على قمر الأحلام، فإن الأحلام لَتَخْلُقُ في خيالها قمرًا جديدًا وراء كل صاروخ يخلقه المخترعون، وقديمًا خلقت في الخيال قمرًا لم يدركه قمر الفلكيين في مجراه ولا في سيماه، ولن يعيبها بعد التجربة الأولى، بل بعد التجارب الكثيرة، أن تعيدها حين تشاء.

كان لحافظ إبراهيم — رحمه الله — صديق من زملائه في الجيش حَضَرتُه وهو يداعبه قائلًا: والله لو وُلِّيتُ الأمر لاستصدرتُ مرسومًا عاليًا بهدم الرقمتين ولعلع ثم أنظر بعد ذلك ماذا تقولون وفيمَا تنظمون.

فما قالها حتى انطلقنا معًا نقول له: نرثيها ونهجوك … فمضى وهو يقول: أعوذ بالله … لا سلامة من ألسنة الشعراء.

أصح من ذاك أن يقول: لا خوف على الشعراء ولهم خيال ولهم لسان.

وَحَسْبُ العالِمِ الأديب، وحسبنا ذلك جميعًا من عزاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.