كان فجر اليوم صحراويًّا يضرب إلى لون الرمال الوردية، ولم يلبث أن تكشف عن أشعة الشمس من بعيد تملأ الفضاء في نحو الساعة الخامسة كأننا في ساعة الضحى من أيام الشتاء، مع انتشار السحاب الخفيف الذي يظلل من الحر ولا يستر النور.

خسارة أن يكون فصل الصيف في مصر موسم الإجازات وأيام البطالة، وهو الفصل الذي يعطينا في النهار أربع عشرة ساعة، ولا يعطينا الشتاء فصل العمل المجهد أكثر من عشر ساعات.

ولكن ما الحيلة؟

في أمر الفلاح المصري، لا نحسب أننا محتاجون إلى حيلة لعمل الصيف أو عمل الشتاء؛ لأنه قد راض نفسه على العمل مواسم الزراعة حتى تركبت بنيته على وفاق أحوال الجو في أشد أيام القيظ، واستطاع أن يعمل تحت أشعة الشمس المضطرمة ساعات، حيث لا يستطيع غيره أن يصمد لتلك الأشعة لحظات دون أن يصاب بالرعن — أو ضربة شمس.

ويدل على قدم عهده بهذه المرانة الطويلة أن هذه الظاهرة شوهدت منذ أيام الغزوة الفارسية، وقال هيرودوت أبو التاريخ أنه ذهب إلى ميدان المعركة فوجد الجماجم المصرية في ناحية والجماجم الفارسية في ناحية أخرى، ولمس جمجمة فارسية فتهافتت تحت أصابعه، وتناول جمجمة مصرية وحاول أن يكسرها فلم تفعل فيها ضربة الحجر!

لا جرم تصمد هذه الجمجمة لضربة الشمس، ولضرب النبابيت!

وتستغني عن الحيلة لترويضها على العمل في موسم الصيف ما دام فيه موسم للزرع أو للري أو للحصاد.

أما الحيلة فنحسبها لازمة لمن لا يعملون في الزراعة، ونحسب أننا لا نضيع الصيف عبثًا إذا قضينا أيامه المرهقة في الرياضة الثقافية. والرياضيات جميعًا ثقافية ما دامت تصحح بنية الرياضي ومزاجه وتعلمه أن يستعد بطبيعته لمفاجآت النصر والهزيمة في مجال اللعب، وفي مجال الحياة.

ترمس وفول

جرمة – لب – فول سوداني – ترمس – حب العزيز … وعن قريب يضاف إلى هذا المحصول الخالد محصول آخر من المسليات الموقوتة، وأولها الذرة الشامية، عدا المشروبات على أنوعها من محلية وخارجية.

جلست في شرفة المنزل أحصي نداءات الباعة على أمثال هذه الأصناف فأحصيت منها ما أحصيت، وليست هي كل ما نحصيه في جميع الأيام.

ألا نعرف التسلية في ساعات الفراغ إلا بشيء يداعب المعدة أو يشغل الأسنان؟!

إنني لا أحب التشاؤم، ولا أحب أن أنظر إليه وحده إذا استطعت أن أنظر إلى وجه من وجوه التفاؤل إلى جانبه.

وهنا نستطيع أن نتفاعل على ثقة وعلى سعة، فإن التسلية بمداعبة المعدة تقل بيننا ولا تكثر، وعندنا اليوم من يتسلى بالنزهة وبالرياضة وبالقراءة وبالتردد على دور التمثيل والصور المتحركة، ولا شك أن هؤلاء يزدادون وأن طلاب التسلية بمداعبة المعدة وتشغيل الأسنان لا يزدادون، إن لم نقل: إنهم ينقصون.

وملاحظة أخرى نذكرها في هذا السياق، وهي قلة الرغبة في التدخين بين شباب الجيل الحديث، وهذه علامة قوية من علامات الحرية والشعور بالشخصية.

لقد كان الناشئ قبل ثلاثين أو أربعين سنة يدخن؛ لأن التدخين علامة عنده على بلوغ سن الرجال وعلى كرامة الحرية التي يتمتع بها الرجال.

ولا حاجة بالناشئ اليوم إلى هذه العلامة؛ لأنه يعرف حريته بعلامات كثيرة، لعلها أكثر مما يحتاج إليه.

ومع هذا نعود فنقول: إن الجرمة والترمس والفول السوداني … إلخ إلخ، أكثر مما نحتاج إليه.

ذكريات البصل!

كنت في مطعم شرقي، فلاحظت ضخامة الأسماء التي تسمى بها ألوان من الطعام، ثم ينجلي الأمر عن لون من السلطة لا أكثر ولا أقل!

وأحب بعض السامعين أن يتظرف فقال: أليست هي خيرًا من الفول والبصل؟

قلت: كلا. لا يوجد على مائدة الإفطار ما هو خير من الفول والبصل، ولولا غنى مصر بهذين الصنفين لأربى ثمنها على أثمان اللحوم.

قال السيد جمال الدين الأفغاني: «قلما يوجد البصل عند بعض قبائل الأفغان، كقبيلة يوسف زائي وقبيلة أجيك زائي. فتجدهم إذا رأوا أجنبيًّا يتملقون إليه ويتذللون بين يديه قائلين: عندنا مريض فنرجو منك أن تتفضل عليه ببصلة عسى أن يكون شفاؤه فيها. وإنهم إذا تعرضوا للقوافل صالحوها على أقة أو أقتين من البصل. واتفق أن ملك الأفغان محمد أعظم خان بعدما ترك البلاد الهندية، وفد على قبيلة يوسف زائي ونزل في خيمة خانها، فقام الخادم مسرعًا وعلى وجهه لوائح الفرح، وإذا به يقدم للأمير بصلة!»

وإذا امتنع البصل في مصر نفسها غلا ثمنه حتى زاد على ثمن اللحوم. وقد سمعت في السجن رجلًا يقول: إنه اشترى الفرخة بزرارين، وفهمت معنى الزرارين أنه اصطلاح يفهمه نزلاء السجن بعد أيام قليلة، والزرار في لغتهم هو القطعة ذات القرشين.

أما الذي لم أفهمه فهو شراء الفرخة في السجن، فسألت الرجل دهشًا، فضحك وقال: الفرخة في اصطلاح السجن هي البصلة …

ولم يكن ثمن الدجاجة يزيد يومئذٍ على أربعة قروش، ومع ملاحظة الفرق في الوزن يكون ثمن البصل خمسة أضعاف ثمن الدجاج.

أعود إلى حديث البصل هذا؛ لأن أديبًا كتب إلي بعدما ذكرته عن تقديس البصل في الأسبوع الماضي، يقول إنه لا يعجب من تقديس المصريين الأقدميين للخس؛ لأنه نبات لطيف، ولكنه يعجب من تقديس البصل والثوم! إذ كان ينبغي أن يتعلم المصريون الأقدمون من حضارتهم لطافة في الذوق تعصمهم من مثل هذا الذوق الغليظ!

وقبل الاعتذار لقدماء المصريين من هذا الذوق الذي يصفه الأديب بالغلظة نقول: إننا قررنا الواقع التاريخي حين قلنا: إن المصريين الأقدمين كانوا يقدسون البصل، وقد وَجَدَ «فلندرس بتري» مقاديرَ وافرة منه في مقابر هوارة بالفيوم، وقال أحمد كمال في كتابه «بغية الطالب»: إنهم وجدوه في أيدي الموميات، وصورته بين القرابين موجودة على مدخل المعبد في القرنة.

ثم نعتذر لقدماء المصريين — إن كان هناك محل للاعتذار — فنقول: إن تقديس الشيء النادر أمر لا يحتاج إلى براعة، ولا فطنة، وإن تقديس البصل مع شيوعه وابتذاله هو الدليل على معرفة القوم بفن التقديس، وبخاصة حين نعلم أنهم عرفوه كما عرفوا غيره من النبات الذي يفيد في تنشيط الغدد وتوليد الهرمونات كما نسميها اليوم.

وقد يقال: إن الأهرام الخالدة بنيت على رءوس البصل؛ لأنه كان قوام الطعام الذي تعودوا صرفه لعشرات الألوف من العمال!

هيار … هيار!

عندنا في المنزل فيلسوف من الطراز الأول على شرط واحد في الفلسفة؛ وهو أن نقلبها فنجعل رأسها في الأرض وقدميها في الهواء!

وكثير من المناسبات تذكرني بذلك الفيلسوف المعكوس في البيت أو في الطريق.

ومنها مناسبة اليوم: وهي جماعة من باعة الخيار يهربون؛ لأنهم لا يحملون الرخصة الرسمية، ويتركون عرباتهم للمقادير.

حدث هذا أمام الفيلسوف المعكوس في يوم من الأيام، ووقف هو إلى جانب العربة التي يشتري منها الخيار ولم يتحرك؛ لأنه لم يفهم على ما يظهر معنى هذا الهرب، ولم يرَ داعية إليه.

وساقه الشرطي الذكي إلى القسم على اعتباره صاحب العربة وبائع الخيار. وللفلسفة المعكوسة فلتاتها كما تحدث الفلتات من أساطين الفلسفة فتنزل بها إلى حماقة الجهلاء.

وتدرك صاحبنا فلتة من هذه الفلتات — ساعة الخطر — فيصيح في الضابط: هل رأيت في حياتك نوبيًّا يبيع خيارًا؟ وكيف تراه ينادي عليه يا ترى: هيار هيار … أهدر يا هيار؟!

وانفجر الضابط ضحكًا، وكان من أبناء النكتة المصرية فقال للشرطي الخائب: أيها الأبله! من الآن فصاعدًا تبقى تمتحنهم في النداء على الخيار، قبل أن تطالبهم بالرخصة!

ساعات اللوعة

من الكلمات التي فقدت معناها كلمة العزاء: عزاء المآتم والجنازات؛ لأنه أوشك أن يكون مجاملة من الحزين للمعزين في أشد ساعات حزنه وأحوجه فيها إلى عزائهم … إن كانت به حاجة قط إليه.

وأشد ساعات اللوعة على نفس المصاب ساعة الفراق الأخير؛ ساعة يرى النعش خارجًا من باب داره فيعلم أنها الخرجة التي لا رجعة بعدها، وأنه هو الفراق الأخير حقًّا وليس بالفراق الذي يشهده هذا الباب مرات في كل يوم.

لا بأس في هذه اللحظة من ترك المصاب لنفسه واستسلامه لصدمة الحزن القاهر لمشيئته؛ لأنه تفريج صادق عن حزنه المكظوم، وحق لذلك النعش المفارق أمام عينيه، وهو على المفترق بين الدار وحفرة التراب.

إلا أن هذه الساعة بعينها هي التي يكظم فيها عزاء المعزين ويضطره إلى كبت لوعته والضغط بما استطاع من قوة على شعوره الذي لا غبار عليه؛ لأنه مطالب بمجاملة المعزين الذين حضروا لمواساته.

ما رأيت هذا الموقف — كما رأيته اليوم — إلا علمت أن العزاء كلمة فقدت معناها؛ لأن معناها تسرية الحزن عن نفس المصاب. فأما هذا فهو كبت الحزن أو تحريمه على نفوس الحزانى في موقف الوداع الأخير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.