هذا حديث سيرضى عنه فريق من الناس، وسيسخط عليه منهم فريق آخر، وسيمر به أكثرهم معرضين عنه، غير حافلين ولا ملتفتين إليه، لا لأن هذا الحديث في نفسه خليق أن يُعرض عنه المعرضون، ويَسخر منه الساخرون، بل لأن المصريين تعودوا أن يروا قادتهم وسادتهم والقائمين بالحكم فيهم يُعرضون عن الجدِّ إعراضًا، ولا يحفلون من الأمر إلَّا بما لا يكاد ينفع ولا يفيد.

وأنا مع ذلك أملي هذا الحديث، لا يعنيني أن يرضى عنه هذا، أو يسخط عليه ذاك، أو يعرض عنه المعرضون، وإنما يعنيني أن تُقال كلمة الحق؛ لأنها يجب أن تُقال مهما تكن الظروف، وليس على قائلها بأس أو جناح إن ضاعت كلمة الحق هذه بعد أن تُقال؛ فقد رُوي أن الذي يعرف الحق ولا يقوله شيطان أخرس. ومع أني لا أطمع في أن أكون من الملائكة؛ فلست أحب أن أكون من الشياطين الخرس أو الناطقين، وإنما أريد أن أكون إنسانًا يعرف الحق فيعلنه ويدعو إليه، وأتمنى أن يكون المصريون من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، لا تصرفهم عن ذلك الأثرة، ولا تصدهم عنه قسوة القلوب.

والحق الذي لا ينكره أحد من المصريين أن وطنهم يُمتحن في هذه الأيام امتحانًا قاسيًا عسيرًا، يوشك إن لم يحسنوا الثبات له والنفوذ منه أن يعرضهم لخطر لا يشبهه خطر، وبلاء لا يعدله بلاء؛ فوطنهم موبوء، يفتك الوباء بالمئات من أبنائه في كل يوم، ثم لا يقف الأمر عند الموت الذي يتخطف أبناء الوطن في كل لحظة من لحظات النهار والليل، ولا عند المرض الذي يضطرهم إلى البطالة والعجز، ثم إلى الإمعان في البؤس والشقاء، ولكنه يتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد أثرًا من الموت والمرض … إلى إفساد حياة الشعب كلها من ناحية الصحة والاقتصاد جميعًا.

فالذين يلم بهم المرض ولا يختطفهم الموت سيحتاجون إلى وقت طويل، وجهد ثقيل، وعناية متصلة؛ ليستأنفوا نشاطهم فيما كانوا يضطربون فيه من أمور الحياة، والذين يتخطفهم الموت عشرات ومئات في كل يوم لن يُردُّوا إلى حياتهم الدنيا هذه ليعملوا ويكدُّوا، ولأولئك وهؤلاء أسر كانوا يعولونها، ولا بدَّ لهذه الأُسَر من أن تعيش، وأولئك وهؤلاء لم يكونوا يعولون أسرهم فحسب، ولكنهم كانوا يعولون الوطن كله؛ لأنهم كانوا يشاركون على قدر ما كانوا يملكون من جهد في إنتاج الثروة الوطنية التي تُتيح للفقير أن يعيش، وللغني أن يترف، وللحكومة أن تنهض بما تنهض به من الحكم وتدبير الأمور.

فهؤلاء الموتى الذين لن يعودوا إلى العمل، وهؤلاء المرضى الذين لن يعملوا إلَّا بعد الجهد والمعونة والعناية، كانوا يعولون الفقراء والأغنياء والحكومة جميعًا، ولا بدَّ للفقراء والأغنياء والحكومة جميعًا من أن يُعوِّضوا ما فقدوا من جهد الموتى، ومن أن يستردوا ما فاتهم من جهد المرضى؛ ليحفظوا على الوطن ثروته، فيحفظوا عليه بذلك مرافقه كلها.

ولهؤلاء الموتى والمرضى أُسر لم ترث عنهم إلَّا الحزن والبؤس والحرمان، والوطن في حاجة إلى أن تجد هذه الأسر ما يعزيها عن الحزن، ويحميها من البؤس، ويغنيها من الحرمان، لا لأن في ذلك برًّا وإحسانًا ورفقًا بالضعفاء والبائسين، بل لأن ذلك حماية للثروة الوطنية؛ فهذه الأسر عناصر من هذه الثروة تمثل أيديًا عاملة يجب أن تمضي في عملها بقوة مضاعفة ونشاط عظيم.

وإذن فحاجة الوطن إلى مقاومة الوباء ومعونة الذين أعجزهم الوباء عن العمل، أو اضطرهم إلى انتظار المعونة ليس عملًا من أعمال البر، ولا لونًا من ألوان الإحسان، وإنما هو واجب من الواجبات الأساسية التي لا تستقيم أمور الوطن إلَّا بها.

فليس التقصير في أداء هذه الواجبات إعراضًا عن النافلة أو تهاونًا فيما يمكن التهاون فيه، وإنما هذا التقصير إثمٌ في ذات الوطن، وجريمة من الجرائم الكبرى التي لا تُشبَّه إلَّا بما يرتكب أثناء الحرب مما يتعود الناس أن يسمُّوه جرائم الخيانة العظمى.

وما أحب أن يرتاع الناس لهذه اللهجة العنيفة التي أتحدث إليهم بها، وإنما أحب لهم أن يصطنعوا الشجاعة، وأن يواجهوا الحقائق كما هي، ويسمُّوا الأشياء بأسمائها.

فليس الوباء الذي يتخطف أبناء الوطن مئات في كل يوم بأهون شأنًا من العدوِّ المُغير الذي يصب الحرب فيصرع ما يصرع من الموتى والجرحى في كل يوم، ويصيب بذلك الوطن في صميم حياته، وإذا كان التقصير في وقت الحرب خيانة للوطن من غير شك؛ فالتقصير في وقت الوباء خيانة للوطن من غير شكٍّ أيضًا.

والحرب لا تُدفع بالإحسان، ولا تُردُّ بالصدقة، ولا تُقاوم بالتبرع، وإنما تُدفع بالتجنيد المادي والمعنوي لقوى الوطن كلها، وقد تقصر خزانة الدولة أيام السلم عن حاجة الوطن في أيام الحرب؛ فتصبح ثروة الوطن كلها مادة لتموين الدفاع الوطني. وقد رأى المصريون من ذلك الأعاجيب في أثناء الحرب الأخيرة حين عبأت الدول المحاربة الثروة الوطنية كلها لجهود الحرب. لم تحفل في سبيل ذلك بغنى الأغنياء ولا بفقر الفقراء، ولا بحاجة المحتاجين، ولا بترف المترفين. وإذن فقد يخيَّل إليَّ أن من الحق على الدولة المصرية أن تواجه الوباء كما تواجه الحرب، لا كما تواجه آفة من الآفات التي تطرأ وتزول دون أن تمسَّ صميم الحياة الوطنية في الصحة والاقتصاد جميعًا.

وأيسر ما يجب على الدولة أن تصنع من ذلك هو أن تدخر لمقاومة الوباء وإزالة آثاره وإعانة ضحاياه كل ما يحتاج إليه ذلك من المال، لا من طريق السؤال والاستعطاف والتماس الصدقة وطلب الإحسان، بل من طريق الضرائب التي تفرض حتى تأخذ المقاومة حاجتها من مال الذين يملكون المال. ولست أعرف شيئًا أبغض ولا أشنع ولا أمس بالكرامة الإنسانية من هذا التنافس بين الناس في البخل والجود، وفي المنح والمنع، وفي البذل والتقتير. هذا الغني وعد ولم يفِ، وهذا الغني أعطى أكثر من ذاك، وهذا الغني وضع أصابعه في آذانه فلم يستمع لدعاء الداعين، وهذا الغني أعطى أقل مما تحتمل ثروته، وهذا الفقير قتر على نفسه وأهله في الرزق ليساهم في معونة المحرومين.

ونتيجة هذا كله تنافس بغيض ينتهي إلى التحاسد والتحاقد، ونتيجة هذا كله أن كثرة الشعب المصري تقف موقف الذليل المحروم من قلة تقف موقف المتفضل المتطول، وكل هذا لا يلائم كرامة الأغنياء ولا كرامة الفقراء؛ لأنه لا يلائم كرامة الوطن المصري الذي خُلِق ليكون كريمًا.

وليس لذلك من دواء يلائم العدل والحق والكرامة إلَّا أن تعتمد الدولة على الله، وتفرض ضريبة الوباء التي يؤديها المصريون جميعًا على قدر ما يملكون، وعلى قدر ما يكسبون. فأمَّا مقدار هذه الضريبة وتنظيمها المفصل فليس لي أن أتحدث فيه، وإنما أترك أمره للفنيين. والذي أحب أن ألقيه في روع المصريين هو أن مقاومة الوباء وإزالة آثاره واجب وطني كواجب الدفاع الوطني حين تلم الحرب، وأن هذه المقاومة لا ينبغي أن تعتمد على قسمة أبناء الوطن إلى فريقين: فريق يستجدي ويمد الأيدي، وفريق يعطي ويمنع بمقدار ما فطر عليه من بخل وجود.

هذه ذلة لا تلائم كرامة الإنسان، ولا تلائم كرامة مصر، فليرغب المصريون بأنفسهم عن الذلة؛ فرب ذلة خيرٌ منها الموت.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.