مرت الموسيقى العربية خلال القرن الأخير بثلاثة أطوار:

أولها طور الجمود والتقليد، وقد كانت الموسيقى كلها في هذا الطور كأنها تمرينات على الآلات في مختلِف النغمات، لا يُنظر فيها إلى معنى الكلمة ولا إلى معنى النغمة ولا إلى معنًى من المعاني على الإطلاق، إنما يُنظر فيها إلى تطبيق «الدوكاه والسيكاه والجهاركاه» وغيرها من الألحان والمقامات، كما كان يُنظر إلى القوالب المحفوظة في رسائل الدواوين وخُطَب المنابر وديباجة العقود واصطلاح التحية والدعاء.

وجاء الطور الثاني على أيام عبده الحامولي ومحمد عثمان ويوسف المنيلاوي؛ فانتهت موسيقى التمرينات وبدأت موسيقى الغناء المُقَيَّد بكلماته ونغماته، فلا يتغنَّى المغني المجدِّد — في أوانه — بغير كلام يقصِده ويعنيه ويصوغه في اللحن الذي يؤديه.

وقد كان عمل الموسيقي المُبدِع في هذا الطور أن يعطي الكلام نغمات تناسب معناه، ولكن الموسيقي المُبدِع لم يصل — يومئذٍ — إلى النغمة المعبِّرة بمعزِل عن الكلمات، وإلى الأصوات الموسيقية الناطقة بغير ألفاظ وحروف.

وانتهى هذا الإبداع إلى إبداع آخر في إبان الثورة التي أعقبت أيام الحرب العالمية الأولى، وذلك هو إبداع سيد درويش أول مُنشِد وملحن جعل الألحان نفسها أداة للتعبير المستقل غاية ما استطاع في زمانه، ولم تكُن الألحان قبله أداةً من أدوات التعبير، بل كان غاية المطلوب منها أن توافق معاني كلمات مرصوصة، ثم تستند في تعبيرها إلى معاني تلك الكلمات، فلو أنها انفصلت منها لما بقي لها معنى مفهوم.

والعلامة التي لا تخطئ على التفرقة بين فن سيد درويش وفنون اللاحقين به أن هؤلاء اللاحقين لم يضعوا أدوارًا تستقلُّ بتعبير نغماتها عن تعبير كلماتها، ولا مَحَلَّ للمكابرة هنا لأن أسماء الأدوار تنوب هنا عن الادِّعاء والإنكار.

مَثَلُ سيد درويش كمثل واضع اللغة وجامع المفردات.

ومَثَلُ اللاحقين به كمثل المترجم الذي ينقل إلى هذه اللغة عبارة بليغة يفهم كلماتها ويبحث لها عن عباراتها الفنية، وقد تكون عباراته أبلغ من أسلوب سيد درويش في تعبيره، ولكنه لا يزال بعد ذلك صاحب الفضل في تأسيس اللغة الموسيقية، مهما يرتفع صَرْح البناء على ذلك الأساس.

إن سيد درويش قد علَّم الأنغام كيف تُعبِّر تعبيرها، فتعلمت وتعلم منها الموسيقيون اللاحقون به على هداه، ولن يسبِقوه إلى فضله وإن زادوا عليه؛ فإن السبق لا يرجع إلى الوراء.

الرسم والتصوير المجرد

في صفحة الأدب — أمس — أن أشهر رسام في العالم — وهو بيكاسو — كان أفشل تلميذ في الرسم خلال المرحلة الابتدائية كما قال صديقه بوشيم في ترجمته، فلم يحصل على أكثر من صفر أيام التلمذة الفنية! ويقول مترجمه إنه تنقَّل بعد تخرُّجه من المدرسة بين الكلاسيكية والواقعية والتكعيبية والسريالية، وأخيرًا كفَر بكل المذاهب، وأشهرها التكعيبية التي اخترعها منذ خمسين سنة.

وقد أحسن محرِّر الصفحة الأدبية السيد أنيس منصور في إيراده لهذا الخبر؛ لأنه يَرِد به ضمنًا على دعاة اللغة العامية بيننا، فيعلم الناس أنهم يحاربون اللغة الفصحى لأنهم «صفر» في هذه اللغة، ولعلهم «صفر» أيضًا في اللغة العامية لو قُدِّرَتْ لها درجات وأصفار.

وبيكاسو ليس بأشهر الرسامين العالميين كما قال السيد محرر الصفحة الأدبية؛ لأنه لا يزال «صفرًا» في الرسم حتى اليوم، وليست مذاهبه كلها إلا خروجًا على قواعد الرسم والشكل والتلوين، وتخبُّطًا بين «التقاليع» التي يسمونها مذاهِبَ فَنِّيَّة وليست هي من الفن في قليل ولا كثير.

بل ليس «بيكاسو» مخترِعًا للتكعيبية المأثورة ولا للتكعيبية المجهورة؛ فإن المصور الفرنسي هنري ماتيس Mtisseكان في سنة ١٩٠٨ يصنع صورته المعروفة ساخرًا بالمصور براك Braque التكعيبي فيسميها «كفاية تكعيبيات» Assez de Cubisme.

ويخيل إليه أنه نعى هذه المدرسة الهزيلة وكتب لها بذلك التوقيع شهادة الوفاة.

كلا … ليس بيكاسو هنا ولا هناك من المدارس التي يتقلَّب بينها ويجهلها جميعًا على السواء، إنما مدرسته الوحيدة هي «مدرسة قصر النيل» أو «مدرسة الأزعرية» التي لا تُشَرف أصحاب الأذناب.

ولو أراد السيد أنيس منصور أن يجاري صاحبه الرسام الشهير لسبقه في درجات الرسم واستحق «صفرًا» من الخمسة على الأقل إلى جانب «صفر» من العشرة يستحقُّه رسامه الشهير!

ولكن السيد أنيس منصور متواضع بدعواه، مسرف بتقريظاته لهؤلاء الأدعياء، فإن لم يصدق بمكانته الفنية على هذه النسبة العددية من الصفر فسوف يصدق بها بعد عشر سنين أو عشرين سنة على الأكثر، ويوم يلتفت إلى أثر من آثار أولئك التكعيبيين فلا يرى لهم أثرًا ولا يسمع عنهم خبرًا، ولا يَسُرُّهُ يومئذٍ أن يحسب رسامًا وإن قيل إنه أشهر الرسامين!

إن في بلادنا اليوم أدباء يكفُرون بالنحو والصرف والبلاغة والعَرُوض واللغة، ويؤمنون بعد ذلك بالأدب الذي لا أدب فيه.

كل من هؤلاء هو «بيكاسو» صغير أو بيكاسو منكود الطالع سيئ الحظ لأنه لم يبلغ من الشهرة العالمية بعض ما بلغه ذلك الزميل.

وحفنة من الأصفار هي غاية الغايات التي ينتهي إليها هؤلاء «البيكاسيون» الصغار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.