هو السابع من الشهور تبعًا للتقويم الجريجوري، وقد سمي تخليدًا لذكرى «كايوس يوليوس قيصر»، الطاغية الروماني الشهير، الذي بدأ حياته خادمًا أمينًا للجمهورية، وختمها ديكتاتورًا يُعرض عليه التاج والصولجان فيأباهما تصنعًا لا تعففًا، على أنه لم يكن في حاجة إليهما ما دام هو المتصرف في العباد! وقد أطلقوا اسمه على الشهر السابع لسببين، الأول أنه كان من مواليد هذا الشهر الخطير، والثاني لأنه أصلح التقويم السنوي وعدل تقسيم الأشهر والأيام، فكان جديرًا بأن يطلق على أحد الشهور اسمه الميمون.

نقول: إن شهر يوليو ذو خطورة؛ لأنه السابع، ولعدد السابع عند المسلمين وعند فلاسفة اليونان شأن جليل، بل كان هو أساس فلسفة فيثاغورث الكبير، أما في التاريخ الحديث فإن لهذا الشهر شأنًا يُذكر في سجل كل أمة من الأمم في الشرق والغرب على التقريب.

ففي ٤ يوليو من كل عام تحتفل أمة الولايات المتحدة بعيد استقلالها المجيد؛ لأنه في ٤ يوليو سنة ١٧٧٦ أعلنت أمة تلك الجمهورية، التي كانت مستعمرة بريطانية، استقلالها القومي، وعاشت حرة من ذلك التاريخ إلى الآن وستبقى هكذا إلى ما شاء الله بعد أن اشتد ساعدها وبورك فيها، وأصبحت من أعظم أمم العالم إن لم تكن أعظمها، وكان الفضل في ذلك الاستقلال لاتحادها ولقائدها العظيم جورج واشنطون، وهو يوم عيد وفراغ في تلك الجمهورية العظيمة، يمرح فيه الشعب ويفرح، راتعًا في بحبوحة الحرية التي لا تعادلها أية نعمة أخرى!

وهذا الشهر السابع (يوليو) له مكانته في فرنسا أيضًا، فإن يوم ١٤ يوليو يوم سعيد، ذو شهرة عالية؛ إذ يحتفل به الفرنسيون حيثما كانوا في سائر أنحاء العالم؛ لأنه ذكرى لسقوط حصن «الباستيل» في سنة ١٧٨٩، وبسقوطه تهدم آخر صرح من صروح الظلم في فرنسا ودق ناقوس العهد الملكي في أرض «ماريان»! وتأسست الجمهورية الأولى، وأعلنت حقوق الإنسان التي قلدتها جميع الأمم وأطلقوا عليها: Déclaration des droits de I’homme et du Citoyen.

ولم يكن يوليو شهر سقوط الباستيل ليس غير، بل كان شهر الثورة الفرنسية الثانية في ١٨٣٠.

***

ولكن هذا الشهر لا يحمل ذكرى السعادة القومية لكل الأمم! فقد تمر أيام من أيامه بالغم والنكد على بعضها، وقد ترى بعينها الغرباء والأضياف يحتفلون بأعيادهم وبذكرى أيامهم الجليلة، وهي لا تملك لنفسها حق البكاء والتصريح بالألم!

ولقد أخطأ من قال: إن الأيام تتشابه، وكذلك الليالي والأسابيع والشهور والأعوام. أخطأ حقًّا؛ لأن الأيام تلبس لبوس السعد للبعض، وللبعض لبوس الشقاء، بيد أن الأمم التي لديها ما يحزنها من ذكرى الأيام ينبغي لها أن تكون أكثر حرصًا على الذكرى من الأمم الهنيئة بأعيادها، وإننا في مصر نعاني الآلام حقًّا من سنة ١٩١٤ إلى هذا العام، خمس عشرة سنة سلخناها من أعمارنا وأعمار أبنائنا بدموع الألم الدائم والأمل الخائب! فقد كانت الحرب العظمى وويلاتها، ثم جاءت الهدنة ومعاهدة فرساي، وتلتها سنة ١٩١٩ فنهضنا وتجلدنا، وكافحنا، وجاهدنا، وتألمنا، وحلت فترة المفاوضات، ومشروع ملنر المعلوم، وتصريح فبراير سنة ١٩٢٢، والبرلمان الأول، ومقتل السردار، وضيعة السودان، وتعطيل البرلمان، وهكذا إلى آخر عهدنا بتلك الحوادث. وها نحن في ١٩٢٩ في يوليو؛ ذلك الشهر الحزين، وقد تحركت فيه خواطر الماضي! فهل نسينا أم نحن ذاكرون؟

ففي هذا الشهر من سنة ١٨٨٢، ضرب سيمور ثغر الإسكندرية بالمدافع، ومن عجائب الأقدار أن مستر لويد جورج الذي كان حديث عهد بالبرلمان في سنة ١٨٨٢؛ لأنه كان منتخبًا في ذلك العام أول مرة، جعل خطبته البكر التي افتتح بها حياته السياسية احتجاجًا على ضرب الإسكندرية بالقنابل، ووصف هذا الفعل بأنه وحشي وأنه عمل غير سياسي وسيعود على الإمبراطورية بالويلات، إلى آخر ما أملى عليه فكره الخصب وضميره الشريف وعقيدته النقية في ذلك الزمان، قبل أن تغيره الحوادث، وكان في ذلك يسير على خطوات السياسي الإنجليز الشهير جون برابط وهو من فحول النواب الذين غضبوا لتلك الفعلة الشنعاء.

ولأمير البحر سيمور فاتح الإسكندرية (تمثال) نصفي مرفوع في حديقة الكنيسة الإنجليزية في ميدان محمد علي بالمدينة التي غزاها وشتت شمل أهلها، وما رأينا أمة تمجد محاربيها القدماء والحديثين مثل هذه الأمة، وإننا نسأل الإنجليز هل يقبلون أن يكون للجنرال هندنبرج أو لأمير البحر فون تربيتز تمثال في (ترافلجار سكوير)؟ أم يحب الفرنسيون أن يكون للمارشال فون مولتكه نصب في ساحة أنڤاليد؟!

هذا هو شهر يوليو الذي يُذكِّر أممًا بسعادتها، ويذكر أخرى بشقوتها وفقد حقوقها، فلعل الأيام تسعدنا بتغيير في دورة الأفلاك، وتعدل طالعنا من برج الإنكيس إلى برج الأسد الفتاك!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.