كثر السؤال في اليوميات عن الشعرة التي قِيلَ إنها اخْتَفَتْ من خزانتها بمسجد سرينجار في ولاية كشمير الهندية، وقِيلَ إنها إحدى المخلفات النبوية التي احتفظ بها بعضُ الأمراء وانتقلت إلى سرينجار منذ ثلاثة قرون. وأُودِعَتْ هنالك في مسجدها الذي أقامه العاهل المغولي شاه جهان.

وأكثر أصحاب الرسائل يسألون عن أصل هذه الشعرة، وهل ثبت حقًّا أنها من شعر النبي عليه السلام؟ وإن ثبت هذا، فكيف كان انتقالها إلى سرينجار؟

ولم نكن نعلم شيئًا عن تفاصيل هذا الحادث عندما وصلت أنباؤه الأولى إلى صحف القاهرة، فخطر لنا السلطان عبد المجيد — آخر الخلفاء العثمانيين — هو الذي نقل الشعرة معه إلى الهند من ودائع المخلفات النبوية بعد خلعه من السلطنة والخلافة وارتباط أسرته وأسرة النظام الأكبر سلطان حيدر أباد بصلة المظاهرة.

ولكن الأنباء تواترت بعد ذلك بكثير من التفصيلات عن الشعرة المفقودة، وعن الأسرة التي تتولى حراستها في المسجد؛ وهي أسرة «باندي» التي بقي منها اليوم خمسة إخوة يتناوبون حملها في أيام معلومة؛ لتمكين زوار المدينة من النظر إليها ثم إعادتها إلى حرزها الأمين في إناء من الفضة والبلور ملفوف بثلاثة أكياس من المخمل النفيس، تُغلَق عليها صناديق ثلاثة في مقصورة يدخل إليها صاحب النوبة في الحراسة دون غيره من باب بعد باب في أربع حجرات.

ويُقال إن السرقة حدثت ما بين الساعة الثانية والثالثة من الليل؛ أي: قبل صلاة الفجر بقليل، وهي اللحظة التي يجوز أن يكون الحارس قد فارق فيها مكانه للوضوء قبل أداء الصلاة. ولم يُفْقَد مع الشعرة شيء من ذخائر المقام، ومنها جواهر نادرة تُقَدَّر بعشرات الألوف من الجنيهات.

ورَوَتْ أنباءُ البرق بعد ذلك أن العالم النمسوي المستشرق الأستاذ عبد الكريم جرمانوس المعروف في بلادنا، قد سُئِل عن حقيقة هذه الشعرة، فقال إنها قد تكون من مخلفات «غلام أحمد الغادياني» الذي يؤمن أتباعه بنبوته ويعتقدون أنه هو المسيح المنتظر والمهدي الموعود في أقوال بعض الشِّيَع الدينية. ولكن الظاهر من عامة الأخبار، أن الشعرة كانت في مكانها بالمسجد قبل مولد القادياني بنحو مائتي سنة، وأن حراسها ليسوا من الطائفة القاديانية.

فليست هي من مخلفات القرن التاسع عشر، وليست هي من المخلفات التي نقلها والي المدينة المنورة «فخري باشا» بعد الثورة العربية الأخيرة.

وليس في التاريخ سند معروف لدينا يثبت أنها منقولة من ودائع الخلفاء العثمانيين، ولا هي من ودائع الخلفاء الأمويين الأقدمين. ولكن المرجح في اعتقادنا أن الإخوة الأحياء من أسرة «باندي» يحتفظون بالوثيقة التي ترتفع بأسانيد الرواية إلى مصدر هذه الشعرة وأسباب انتقالها إلى حوزة السلاطين المغول في البلاد الهندية.

ولم نطلع على هذه الوثيقة ولا على نسخة منقولة منها … ولعلها تُنْشَر — لهذه المناسبة — في صحف كشمير تقريرًا للواقع وثباتًا لسلسلة الوراثة التي انتهت إلى حراس هذا الأثر منذ ثلاثة قرون.

على أن القصة كلها قد انتهت إلى خاتمة من أغرب الخواتيم، لولا أنها تُوافِق الختام الذي يُعَدُّ من كرامات الذخائر القدسية.

فقد أعلنتْ حكومةُ كشمير أنها تكافئ مَنْ يستطيع أن يُرْشِدها إلى السارق، أو يُعِينها على تتبع آثار الشعرة المسروقة بمبلغ يساوي أكثر من عشرة آلاف جنيه، ومعاش دائم لا يَقِلُّ عن خمسين جنيهًا في السنة.

وفي نهاية الأسبوع تبدلت مظاهرات الحزن بمواكب الأفراح في شوارع المدينة؛ لأن إذاعة كشمير أعلنتْ أن الشعرة المفقودة وُجِدَتْ في ناحية من المسجد وأُعِيدَتْ إلى مكانها. ويُفْهَم من ذلك أن سارق الشعرة كان من المؤمنين بقداستها، فلم يُتْلِفها تخلصًا من العقاب، إذا ثبت أنها هي بعينها التي فُقِدَتْ من محرابها المصون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.