الطالب الأديب «علي لطفي جبريل» بجامعة الإسكندرية يسأل عن لغة «الإسبرانتو»، ومقدار ما حقَّقَتْه من أغراضها، وما يُرجى أن نستفيده — نحن الشرقيين — منها.

هي إحدى محاولات أربعٍ حاولها مُحِبُّو الخير والسلام منذ ثمانين سنة لتقريب أسباب التفاهُم بين أمم العالم؛ عسى أن يكون ذلك سببًا لاتصال المَوَدَّة بينها، وانقطاع دواعي الخلاف التي تثير أزمات الحروب.

الأولى هي اللغة العالمية Volapuk، من وضع الأسقف شليير، وفيها كلمات من اختراعه وكلمات مختزلة من اللغات الأوروبية الشائعة.

والثانية هي «الإسبرانتو»، ومعناها: «أنا أرجو»، وهي من وضع الدكتور زامنهوف البرلوني، وقاعدتها الكبرى: استخدام جذور الكلمات المشتركة بين اللغات المشهورة ولا سيما اللاتينية، وقد اعترفت بها عصبة الأمم بعد انقضاء الحرب العالمية الأولى بخمس سنوات.

والثالثة، وهي الأيدو ido، نسخة منقَّحة من الإسبرانتو. اتفقت عليها لجنة مختارة تألَّفَت في أثناء قيام معرض باريس عند ابتداء القرن العشرين، وفرغت من عملها بعد سبع سنوات، ومدار التنقيح فيها على ضبط الحروف الأبجدية وتبسيط قواعد الصرف والاشتقاق.

والرابعة من وضع العالِم اللغوي الكبير جسبرسن Jespersen، سماها النوفيال؛ أي اللغة الأممية الجديدة، وأقامها على القواعد العلمية التي يعلمها عن تطور اللغات.

والغرض الأول الذي يسعى إليه أصحاب هذه المحاولات أن يُعَمِّمُوا أرجاء العالم لغة واحدة، «مساعدة» يسهُل تعلُّمها على أبناء كل لغة، وتصبح كاللغة المشترَكة في أقطار العالم دون أن يؤدِّي تعميمها إلى تغليب نفوذ هذه الدولة أو تلك من الدول القوية ذوات المطامع السياسية أو الحربية.

والمحاولة جميلة طيبة، ولكنها — فيما عدا «الإسبرانتو» التي انتشرت بعض الانتشار — لا تزال مجهولة في العالم وراء نطاقها المنحصر في أضيق الحدود.

ونحن — الشرقيين — لا تُغنينا الإسبرانتو عن تعلُّم لغة أخرى من لغات الحضارة الشائعة، فإذا تساوَى عندنا الجُهد في تعلم إحدى اللغات الكبرى وتعلُّم الإسبرانتو، فالأنفع لنا أن نتعلم اللغة التي يعرِفها عشرات الملايين، وتحتوي بين آثارها أمهات كتب الثقافة وآيات الفنون والعلوم.

على أننا نعتقد أن شيوع الإسبرانتو أو غيرها لا يمنع الحروب؛ لأن الأمم التي تتكلَّم لغة واحدة وتنتسب إلى جنس واحد، قد وقعت بينها أعنف الحروب، ونزل أبناؤها إلى الميدان وهم يلعَنون بعضهم بعضًا بلسان واحد جد مفهوم بين اللاعن والملعون.

وإنما تمتنع الحروب باتفاق الأذواق والأخلاق ومبادئ الآداب، ويتم هذا الاتِّفاق مع تقريب الفوارق في المصالح العامة، وسد أبواب التفاوُت الجائر في المنازل والأرزاق.

وعِبرة العِبَر في محاولات الإسبرانتو وغيرها أن كل محاولة منها يُراد بها التوحيد، فإذا هي تنتهي إلى زيادة فرقة جديدة وانقسام «المشروع» نفسه إلى فرقتين أو فرق متعددة.

وكذلك حدث لمذهب البابية حين حاول أصحابه التوحيد بين الأديان الكتابية، فأصبحت البابية ثلاثة مذاهب قبل أن ينقضي عليها ثلاثون سنة.

وكذلك حدث للقاديابية في مثل هذه المحاولة، كما حدث من قبلها للماسونية التي قامت لمحو الخلاف بين الأمم، فأصبحت شيعًا قومية تنفرد كل شيعة منها بقومها وعصبيتها، وتُحارب غيرها بأسلحتها ووسائلها.

إن الناس مختلفون ولا يزالون مختلفين، وقد يكون الخلاف الذي تعدد به المزايا والمقاصد خيرًا من الوفاق الذي يبطل مزاياهم ومقاصدهم ويشل جهودهم المتعددة في أغراض الحياة.

وستبطل الحروب يوم تنقطع أسباب العداوة بين الناس، ولعلهم يتعادون وهم أمة واحدة ويتصالحون وهم ألف أمة؛ فإنما توجد أسباب العداء بين اثنين فيهما الكفاية لتوليد جميع أسبابها، فإن زالت فالاثنان والمليونان سواء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.