كلمة تنطلق بها الألسنة، وتجري بها الأقلام، ويعتز الناس بها حين يختصمون في أمور السياسة، وتقدمها الوزارات الناهضة بين يديها، أمنية حلوة للناس، وحلمًا لذيذًا للشعب، ويذكرها النواب والشيوخ إذا خطبوا في البرلمان، ويذكرها المحامون إذا ترافعوا أمام القضاة، ويتخذها الصحافيون أساسًا لما يُدبِّجون من الفصول الطوال والقصار في نقد الحكومات إن نقدوها، وفي حمد الحكومات إن حمدوها.

ولكنها على ذلك كله أقل الكلمات السياسية وضوحًا في نفوس الذين يلهجون بها، ويسرفون في ترديدها، وهي كذلك أقل الوعود السياسية ظفرًا بالوفاء، من الذين يعدون فيسرفون أو يقتصدون، وهي بعد هذا وذاك أمسُّ الكلمات السياسية بحياة الناس وحقوقهم، وكرامتهم الإنسانية، وعزتهم الوطنية، وألزم الضرورات لقيام الدول التي تستحق هذا الاسم في هذا العصر الحديث.

ولأمرٍ ما جعلتها الثورة الفرنسية إحدى الكلمات الثلاث التي شخصت صيحة الشعب الفرنسي في وجه الظلم، وصوَّرت ضيق الشعب الفرنسي بالاستبداد، ومثَّلت حرص الشعب الفرنسي على إعلان حقوق الإنسان، ولأمرٍ ما أصبحت هذه الكلمة الآن أساسًا لكل حياة اجتماعية متحضرة تُقدِّر الحرية والكرامة والعزة، وتطمح إلى تحقيق المثل الأعلى في حياة الشعوب.

ولعل مصدر ما تختص به هذه الكلمة من سعادة ظاهرة لا حد لها، وشقاء واقع لا حد له، أن معناها أشد المعاني مصادمة للأهواء والشهوات، وأعظمها مخالفةً لما تثور به العواطف الفردية، وما تدعو إليه المنافع العاجلة من التنازع والخصام.

فالطبيعة لم تسوِّ بين الناس فيما منحهم من الملكات، وما أباح لهم من أسباب القوة والضعف، ووسائل القدرة والعجز. هذا ذكي قوي الذكاء، وهذا غبي شديد الغباء، وهذا متوسط بين الحالين. هذا قوي موفور القوة، وهذا ضعيف مسرف في الضعف، وهذا متوسط بين ذاك. هذا صحيح وهذا عليل، هذا وسيم وهذا دميم. فمن الطبيعي بعد ذلك أن يزهى الممتاز بامتيازه، ويتضاءل الذين لم يقدر لهم امتياز، ومن الطبيعي أن يتعالى قوم على قوم، وأن يتسامى فريق على فريق.

ولكن من الطبيعي أيضًا أن يرد العدل جماح الجامح، ويصد الإنصاف إسراف المسرف، ويُسوِّي الحق بين الناس جميعًا فيما يجب أن تكون فيه المساواة من أمور الحياة الاجتماعية إذا لم يكن سبيل إلى المساواة فيما يحقق التفاوت بين الأفراد في حياتهم الفردية الخالصة.

ولست أعرف عيبًا أظهر في حياتنا المصرية من هذا العيب القبيح الذي تشهده كلما أردت أن تفكر في حياة الناس، وما يقوم بينهم من الصلات السياسية والاجتماعية؛ وهو: الامتياز، والحرص على الامتياز، والتنافس في الامتياز، حين يجب أن يُمحَى الامتياز. ولو أن الامتياز في الحقوق استتبع امتيازًا في الواجبات لهان احتمال الأمر بعض الشيء، ولكان التكافؤ بين ما للناس من الحق وما عليهم من الواجب مُعزِّيًا لهم عما يُفرِّق بينهم من التفاوت والاختلاف، ولكن الناس لا يتساوون في حق ولا واجب، وإنما تجري أمورهم فوضى في العمل وإن نظمها القانون. يتفاوتون في واقع الأمر تفاوتًا منكرًا شنيعًا وإن سوَّى العدل المكتوب في الدستور والنظام بينهم تسوية لا غبار عليها.

هم جميعًا سواء أمام القانون في النهوض بأعباء الدولة، ولكنهم ليسوا سواءً في الحقيقة الواقعة، وإنما يتمايزون فيما بينهم تمايزًا أقل ما يوصف به أنه إثم ينكره القانون، وخزي يوصم به البلد الذي يقع فيه. هذا الفقير الذي لا يملك من الأرض إلا قيراطين، والذي يفرض عليه القانون ضريبة عقارية لا تزيد على أربعة وعشرين قرشًا وستة مليمات، تظلمه الدولة ظلمًا فاحشًا حين تكلفه أن يدفع ضريبة للخفر لا تقل عن أربعة جنيهات ونصف جنيه. ولا تقل إن الدولة تظلمه بالقياس إلى أمثاله من الفقراء الذين لم يمسَّهم هذا الظلم، ولم يقع عليهم هذا الإجحاف، ولكن قل إن الدولة تظلمه ظلمًا قبيحًا منكرًا بالقياس إلى الوزير الذي يمسُّه بهذا الظلم، ويُخضِعه لهذا الجور، ويضطره إلى أن يأتي ما يستطيع وما لا يستطيع، ويعرضه لاقتراف الإثم أو التورط في المحظور، وإكراه أهله على الجوع والحرمان ليؤدي إلى الدولة هذا المقدار الذي لا يجب عليه أن يؤديه، ولا أن يؤدي نصفه، ولا ثلثه، لو أن المساواة تراعى في الحياة العملية كما تراعى في القانون المكتوب.

هو مظلوم بالقياس إلى وزير الداخلية؛ لأن وزير الداخلية من غير شك لا يؤدي ضريبة الخفر بالنسبة التي يؤديها بها هذا البائس اليائس المحروم، وليس بينه وبين هذا الوزير إلا فرق واحد. وهو أنه رجل من عامة الناس فقير ضعيف، ليس له في هذه الأيام السود من يعينه أو ينصره أو ينصفه حين يمسُّه الظلم، والوزير رجل قوي اليد، شديد البأس والبطش، وفي يده السطوة والسلطان، فهو حريٌّ أن يستمتع بالإنصاف، ويؤدي الضرائب على حقها لا تزيد عن هذا الحق قليلًا ولا كثيرًا، ومع ذلك فأحق الرجلين بتجاوز المساواة إذا لم يكن بد من الجور إنما هو الوزير؛ لأنه أقدر على احتمال هذا الجور؛ ولأنه أقدر على أن يؤدي إلى الدولة أضعاف ما يدفع إليها من الضرائب دون أن يؤذيه ذلك في نفسه أو أهله أو ماله.

فهذا الوزير يؤدي الضرائب على حقها لا تزاد عليه، وهذا المعدم البائس يؤدي الضرائب أضعافًا مضاعفة؛ لأن الظروف السود أرادت أن لا تمسه رحمة العدل والإنصاف والمساواة.

وهذا الفقير الآخر الذي لا يملك من الأرض شبرًا، ولا يؤدي عن الأرض ضريبة، ثم تفرض عليه الدولة ضريبة للخفر لا تقل عن تسعة من الجنيهات مظلوم أقبح الظلم، مقهور أشنع القهر، مستذل أبشع الاستذلال لا بالقياس إلى أمثاله الذين لا يملكون شيئًا ولا يدفعون شيئًا فحسب، بل بالقياس إلى الوزير الذي يكلفه أن يؤدي هذا المال إلى الدولة في غير حق؛ لأن هذا الوزير نفسه لا يؤدي هذا المال ولا بعضه إلى الدولة في غير حق، وإنما يؤدي ما يجب عليه للدولة ليس غير.

وهؤلاء الفقراء الذين لا يملكون من الأرض إلا أجزاء ضئيلة لا تقوم بأود من يعولون، والذين يؤدون عما يملكون ضرائبهم العقارية كما يفرضها القانون. يجدون في ذلك ما يجد غيرهم من الجهد، ويلقون في ذلك ما يلقى غيرهم من العناء، ثم تفرض عليهم الدولة ضرائب الخفر فاحشة مرهقة، مظلومون لا بالقياس إلى أمثالهم فحسب، بل بالقياس إلى الوزير الذي يضطرهم إلى هذا البؤس، ويسير فيهم هذه السيرة؛ لأنه لا يضطر نفسه إلى مثل هذا البؤس، ولا يسير في ماله ونفسه مثل هذه السيرة.

وهذه القرية التي كانت تدفع ضريبة الخفر تسعمائة من الجنيهات، وكان ينبغي أن يحط عنها ثلث هذا المقدار فزيد عليها أكثر من نصفه، مظلومة أقبح الظلم، لا بالقياس إلى القرى التي استمتعت بتخفيض هذه الضريبة عنها، أو التي لم تخفض ضرائبها، ولكنها لم تزد، بل بالقياس إلى قرية الوزير؛ لأن قرية الوزير ينبغي أن لا تمتاز من غيرها من القرى، وإذا لم يكن بد من الظلم، فإن الحرص على حسن الذكر ومراعاة ما يقوله الناس يقضيان بأن يمسها الظلم كما يمس غيرها من القرى.

فالمساواة في هذه الحوادث التي أخذت السياسة ترويها منذ أمس مهدرة إهدارًا، وليس يعنيني الآن أن أبحث عن مصدر هذا الإهدار، ولا أن أذيع الأسباب الدقيقة الخفية التي دعت إلى أن تمتاز هذه القرية وأهلها بأعظم حظ ممكن من احتمال الضيم والظلم، وإنما الشيء الذي يعنيني ويعني المصريين جميعًا، ويعني كل إنسان متحضر له حظ من خلق أو ضمير، هو أن رئيس الوزراء قد أعلن يوم تولى الحكم أنه سيحقق المساواة بين الناس جميعًا، وأنه سيُنزِّه وزارته عن الأهواء والشهوات، فقد ينبغي لرئيس الوزراء أن يصدق قوله بالفعل، وأن يحقق وعده بالوفاء، وأن يرفع هذا الظلم عن الذين أخضعوا له إخضاعًا، وأن يبحث عن الذين أنزلوا هذا الظلم بهؤلاء الناس، فيسألهم عما جنوا، ويأخذهم بما اقترفوا، ويعاقبهم على ما اجترحوا من السيئات.

إحدى اثنتين إما أن تكون هذه القرية فريدة، ممتازة، بالخضوع لهذا الظلم بين القرى المصرية جميعًا، وإما أن يكون لها شركاء في احتمال هذا الجور القبيح. فإن تكن الأولى فإن أبسط أصول النزاهة والعدل يقضي على رئيس الوزراء أن يأمر بالتحقيق، وأن يتبين الأسباب التي دعت إلى اختصاص هذه القرية بهذا العطف، وأن يكافئ الذين تفضلوا عليها بهذا التمييز، ويمنحهم جزاءً يلائم ملاءمة صحيحة ثقل ما حملوا الناس من الأعباء.

وإن تكن الثانية — وأنا أخشى أن تكون — فمن الحق على رئيس الوزراء أن يتنبه إلى أن العدل ليس قوام الحكم في مصر، وإلى أن أخطر الأشياء على أمن الشعوب وسلامتها أن يقوم الأمر فيها على الجور، وتجبى الأموال فيها بغير الحق، ويفرق فيها بين الناس في المعاملة لا لشيء إلا لأنهم يشاركون الوزارة في الميل، ويمالئون الوزارة في الهوى.

فأكبر الظن أن قرية أبي جرج لا تضام هذا الضيم، ولا تُسام هذا العسف؛ إلا لأن أهلها يذهبون مذهبًا سياسيًّا لم تكن ترضاه الوزارة المستقيلة، ولا ترضاه الوزارة القائمة، وأكبر الظن أن قرًى كثيرة جدًّا تخضع لمثل ما تخضع له هذه القرية؛ لأن من المحقق أن القرى والمدن التي تشارك الوزارة في الرأي السياسي وتمالئها في الهوى الحزبي أقل من أن تُذكَر، وأندَر من أن يُحسَب لها حساب.

وقد أفهم أشياء كثيرة قبل أن أفهم إعراض وزارة تحترم نفسها عن رفع مثل هذه المظالم، وتحقيق أسبابها، ومعاقبة الذين يفرضونها على الناس، وقد أفهم أشياء كثيرةً قبل أن أفهم وزارة تحترم نفسها ثم ترضى أن تدع الناس يتوهمون أن بين أعضائها من يفرض مثل هذه المظالم، أو يرضى عن فرضها، أو يحمي الذين يسلطونها على الناس.

ولكن من الذي زعم أننا نُحكَم الآن على نحو يلائم المنطق والتفكير المستقيم. إن لكل شيء حدًّا لا ينبغي أن يتجاوزه، ولا أن يعدوه، وإنَّا لنلفت رئيس الوزراء مخلصين إلى أن الأمر قد تجاوز الحد، أو كاد يتجاوزه، وإلى أن الإعراض عن رفع هذا الشر، وكشف هذا الضر، ورد أمور الناس إلى حدود النظام والقانون خليق أن ينتهي إلى شر لا يمس الوزارة وحدها، وإنما يمس ما هو أحق من الوزارة بالعناية، وأجدر من الوزارة بالحماية، وأخلق من الوزارة بالبقاء، وهو الشعب المصري نفسه.

ومهما يكن رأينا في الوزارة القائمة وفي الوزارة الساقطة، فإن من الحق علينا كما أن من الحق على كل مصري أن يُنبِّهَ إلى هذا الخطر العظيم الذي تتعرض له البلاد بإهمال المساواة بين الناس في حدود القانون. فإن هذه الوزارة إن لم تجب إلى ما يطلب إليها من تقويم العوج والضرب على أيدي المفسدين، فلا أقل من أن نسجل عليها التقصير، ولا أقل من أن نُحَمِّلَها تبعات ما تأتي هي أو ما يأتي في ظلِّها الموظفون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.