ظفر به رئيس الوزراء أمس آخر النهار، فابتهجت له مصر كلها سواد الليل، وقد أشرقت الشمس وما زالت شمس الابتهاج مشرقة على النفوس، متألقة في القلوب، حتى اضطرب الناس بين شمسين: شمس النهار، وشمس الانتصار.

وكان رئيس الوزراء خليقًا أن يَسْعَد بهذا الفوز، وكانت مِصْر كلها خليقة أن تنعم به، وأن يستخفها الطرب له؛ فقد كانت الحرب عنيفة، وكان الجهاد شديدًا، وكان الخصوم أقوياء ألداء، وكان الخطر كل الخطر يطيف بالوزارة، والشر كل الشر يسعى إليها، والهول كل الهول يمد إلى مصر أيديًا طوالًا دامية الأظفار.

وكان كل شيء مظلمًا، حتى خُيِّل إلى الناس أن ليس لهذا الخَطْب آخِر، ولا من هذه المحنة مخرج، فلما أَذِنَ اللهُ بالفوز، وصوَّتَ النوابُ بالثقة يُرْسِلها بعضهم إرسالًا، ويُرَتِّلها بعضهم ترتيلًا، زال الكرب، وانْجَلَت الحرب، فإذا رئيس الوزراء قد اكتسح الميدان، ولم يترك فيه إلا صرعى ثمانية، كانوا هم كل الجيش المحارب، وكانوا هم كل العدو المغالب، وكانوا هم أصل الفتنة، ومصدر المحنة، فأدال اللهُ منهم، وكفى اللهُ المؤمنين القتالَ، وأصبح من الحق لرئيس الوزراء أن يُسجِّل حُسْن بلائه، وغناء زملائه، وانتصار وزارته في المعركة، كما كان يوليوس قيصر يُسجِّل انتصاراته، ويُصْدِر بها نشرات في روما، ما تزال تُعتبَر إلى الآن من آيات البيان.

والغريب أن بين أنصار الوزارة وأوليائها من ينظرون إلى هذه الحرب نظرة الجد، ويتحدثون عنها حديث الجد، ويسجلون الفوز فيها، ويتمدحون بهذا الفوز، وينتظرون من ورائه الخير، ويُقدِّرون أنه سيملأ خصوم الوزارة هولًا وروعًا، وسيرُدُّ إلى الإنجليز ثقتَهم بها، وحبهم لها، واعتمادهم عليها، وهم يعلمون حق العلم أن لم تكن هناك حرب، وأن لم يكن هناك فوز، وإنما صال الصائلون، وجال الجائلون، وقال القائلون في حرب الأخيلة والظلال! فانتصروا ولن ينهزم لهم أحد، وظفروا ولم تُنصَب لهم حرب، وأعلن إليهم رئيس خصومهم أنهم لا يريدون حربًا ولا كيدًا، ولا يطلبون منح الثقة ولا رفضها؛ لأنهم مستسلمون قبل الحرب، منهزمون قبل القتال، مستيقنون أن الكثرة المطلقة في المجلس لن تجرؤ على مناهضة الوزارة، أو الشك فيها، أو محاولة الكيد لها، وأنه إذا لم يكن بد من ثقة، فحاجة المجلس إلى ثقة الوزارة به أشد من حاجة الوزارة إلى ثقة المجلس بها، وأنه تعوَّد أن يرى الوزارات تحل المجالس النيابية، ولم يتعوَّد أن يرى المجالس في مصر تُسقِط الوزارة، وأنه لهذا كله ومعه أصحابه المخاصمون المعارضون، لا يريدون إلا أن يسجلوا آراءهم ليس غير.

قال ذلك وألح فيه، وسمع له المجلس، وسمعت له الوزارة، وسجلته الصحف، وفسرته الأهرام صباح اليوم. ومع هذا كله كثر كلام الخطباء في مجلس النواب، وألح رئيس الوزراء وتشدد في طلب الثقة وفي تشخيصها، وإظهار حرصه الشديد على أن تكون ثقة لا تشبهها ثقة. ومع ذلك نشطت الأحزاب البرلمانية، بياض النهار أمس، كأن الأمر جد، وكأن الوزارة تتعرض لخطر صحيح.

وكانت خُطَب النواب، ونشاط الأحزاب، وإلحاح رئيس الوزراء، شيئًا قُصِد به — فيما يظهر — إلى التخييل إلى الناس أن الأمر جد حقًّا، ولكن أصحابه غلوا فيه، حتى خيلوا إلى أنفسهم أن الأمر جد حقًّا! ونهض رئيس الوزراء بعد أن تمَّتْ له الثقة التي لم يكن يشك قبل الاستجواب وبعد الاستجواب في أنها مقسومة له، مقصورة عليه. نهض فسجل هذا الفوز الباهر، وأعلن أن الحكومة لن تستقيل، كأنما عرض مجلس النواب الحكومة للاستقالة، أو لوَّح أحد من النواب بالاستقالة إلى رئيس الوزارة، مع أن الوزارة ستستقيل من غير شكٍّ، وستستقيل في وقتٍ قريب، لعله أقرب مما يُقدِّر رئيس الوزراء، ولكن مصدر هذه الاستقالة لن يكون إحراجًا من مجلس النواب ولا من مجلس الشيوخ.

رئيس الوزراء يعلم هذا، ولكنه دفع نفسه في طريق فيجب أن يبلغ أمدها وينتهي إلى غايتها، ولا بد من أن يعرض الثقة، ويلح في أن تكون عالية غالية، ولا بد من أن يفوز بهذه الثقة، ومن أن يسجل هذا الفوز، ولكن المسألة التي تستحق التفكير لا منا نحن، بل من رئيس الوزراء نفسه؛ هي أثر هذا الفوز في موقفه السياسي من المصريين والإنجليز، فهل ينشأ عن هذا الفوز الباهر أن يقتنع المصريون بثبات مركز الوزارة وأمنها من السقوط؟!

كلا؛ إن المصريين لم يُقدِّروا في يوم من الأيام أن تضعف ثقة البرلمان برئيس الوزراء، وهم يُخْرِجون منحَ الثقة أو رفضَها من حسابهم السياسي كله؛ لأنهم يعلمون حق العلم أن ثقة البرلمان برئيس الوزراء كانت وستظل إلى أن تستقيل الوزارة، ثقة واسعة لا حد لها كما قال بعض النواب أمس.

هل ينشأ عن هذا الفوز الباهر أن يعلم الإنجليز أن رئيس الوزراء مستمتع بثقة البرلمان، فيصانعوه ويحتفظوا له بسياسة التأييد؟ كلا؛ فالإنجليز يعلمون من أمر الصلة بين رئيس الوزراء والبرلمان مثل ما يعلم المصريون، وهم كالمصريين يُخْرِجون منح الثقة ورفضها من حسابهم السياسي.

وإذن؛ ففيمَ الحرب والقتال؟! وفيمَ الجدال والنضال؟! وفيمَ الخُطَب الطوال؟! تستطيع أن تسأل عن هذا كله رئيسَ الوزراء وأعضاءَ البرلمان، فسيجيبونك بأجوبة لا تُغيِّر من الحقائق الواقعة شيئًا. وهذه الحقائق الواقعة هي أن لمصر حقًّا تطلبه وتلح فيه، ولا تنتظر أن تظفر به على يد رئيس الوزراء، ولا على يد البرلمان، وأن للإنجليز أملًا يطلبونه، ويحتالون فيه، وقد أصبحوا مقتنعين الآن بأنهم لن يظفروا بأملهم هذا من طريق رئيس الوزراء، ولا من طريق البرلمان، فلم يبقَ بد من أن يعود الأمر كما كان، مِصْر الصحيحة غير المريضة، مِصْر الصادقة غير الكاذبة، مِصْر التي تستطيع أن تتكلم عن نفسها فتصدق، وأن تَعِد فتَفِي، مِصْر هذه وجهًا لوجه مع الإنجليز، فإما وفاق وإما خلاف.

فلينتصر إذن رئيس الوزراء ما وسعه الانتصار، ولتنهزم إذن معارضة البرلمان ما وسعتها الهزيمة، فإنما هذا كله أشبه بهذه الأمواج الصغار، التي لا تكاد تُحَس، والتي يحدثها النسيم على وجه الماء، حين يداعب صفحة الغدير، فأما الانتصار الذي يُغيِّر الأشياء حقًّا والهزيمة التي تُغيِّر الأشياء حقًّا، فلا ينبغي أن يُلتمَس في هذه الصلات المُسلِّية بين الوزارة والبرلمان، وإنما ينبغي أن يُلتمَس في ناحية أخرى من الحياة المصرية، ومن الصلة بين المصريين والإنجليز.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.