في أواخر السنة الماضية زار المارشال «تيتو» بلاد الهند بدعوة رسمية من حكومتها، فكانت هذه الزيارة حدثًا عالميًّا لفت الأنظار من كل جانب، وحق له أن يلفت الأنظار من الشرق والغرب لأسباب كثيرة ترجع إلى مركز يوغوسلافيا الفريد بين الكتلتين الشرقية والغربية، وإلى ابتعاد المسافة بين آسيا ويوغوسلافيا في أوروبة، وإلى اهتمام المعسكرين العالميين بموقف الهند من الفريقين، وخلطهم بين ما يسمونه سياسة المحايدة وبين سياسة المساواة وعدم التحيز، التي نادى بها ولا يزال ينادي بها رئيس الحكومة الهندية العظيم.

ومن دلائل سوء الفهم أن بعضهم فسَّر هذه الزيارة بأن الهند تتحدى بها الكتلة الشرقية لذلك الخلاف الذي نشب بين روسيا ويوغوسلافيا منذ سبع سنوات.

ونسي هؤلاء المفسرون أنهم خلطوا مثل هذا الخلط قبل ذلك، ففهموا من اعتراف الهند بالصين أنه نوع من «التحدي» للولايات المتحدة؛ إذ كانت الولايات المتحدة ترفض الاعتراف بحكومة الصين الجديدة.

سياسة عدم التحيز

ثم تصححت هذه الأخطاء بغير جهد حين تتابعت الوقائع فنقضت فكرة التحدي للكتلة الشرقية مرات، ونقضت فكرة التحدي للكتلة الغربية مرات أخرى، فلا «تحدي» لهذه ولا لتلك، ولا حياد بين هذه وتلك بالمعنى المفهوم من كلمة الحياد بين المقاتلين أو المستعدين للقتال، ولكنه «عدم التحيز» بينهما بالاصطلاح الجديد الذي أضافه الرئيس نهرو إلى العرف الدولي؛ فأصبح اليوم من المصطلحات المفهومة بغير صعوبة، وأصبح الفريقان يدركان ما هو المقصود بعدم الدخول في صف هذا أو صف ذاك، وهو موقف وُجد في السياسة الدولية بعد أن وُجد واقفوه والداعون إليه.

وصدر البيان المشترك الذي أسفرت عنه زيارة المارشال تيتو للبلاد الهندية، فكانت خلاصته أن الدولتين لا تسميان الخطة التي تتفقان عليها بخطة الحيدة أو المحايدة، وإنما تسميانها اجتنابًا للتحيز، ولا تكتفيان فيها بموقف المتفرج على الخصوم المتنازعين أو المستعدين للنزاع، بل تقرران وسائل «التعاون العلمي» في سبيل السلم المشترك، وتريان أن تعاون الأمم على سنة المساواة أقرب الوسائل إلى اتقاء خطر الحرب، وتوثيق علاقات المودة بين الأمم والحكومات.

صنع السلام

ليس المقصود أن تقف الأمم عند تمني السلام، أو عند الدعوة إلى السلام، وإنما المقصود هو «صنع السلام»؛ لأن السلام شيء يُعمَلُ وتُتَّخذُ له وسائله العملية، وليس قصارى الأمر فيه أنه دفع الحرب واجتناب القتال.

ومن المصادفات الإلهية أن تكون الآية التي وقف تحتها الرئيس نهرو في بهو المآدب بالكرملين في موسكو هي كلمة السيد المسيح المشهورة في الإصحاح الخامس من «إنجيل متى»: «طوبى لصانعي السلام.»

نعم طوبى «لصانعي» السلام.

فلا يكفي في إحراز هذه النعمة حب السلام، ولا التغني بمحاسن السلام، ولا اتخاذ السلام أمنية تجول في الضمائر، ولا أثر لها في الأفعال ولا في المساعي التي تدبرها الرءوس وتتولاها الأيدي في هذا العالم المحسوس.

مصادفة موفقة

وقبل ستة أشهر كان الرئيس نهرو يعلن في بيانه مع المارشال «تيتو» أن الأمتين لا تقنعان بحب السلام، ولا تُقصِّران في عمل من أعمال التعاون المشترك تقدران عليه.

ثم تشاء المصادفة أن تكون كلمة السيد المسيح المنقوشة على جدران الكرملين دعوة إلى «صنع السلام»، أو إلى العمل في سبيل السلام؛ إذ ليست الحرب وحدها هي التي تحتاج إلى استعداد وعمل، ولكن السلم أيضًا في حاجة إلى عُدَّة بل عدد، وإلى عمل بل أعمال.فإذا كان لوحي الغيب أثر في توكيد هذا المعنى؛ فهذه المصادفة الموفقة أحق شيء أن يحسب من وحي الغيب.

ولا أحد أجدر بهذه الرسالة في محيط السياسة العالمية من الزعيم السياسي الذي جعلها اصطلاحًا دوليًّا يضاف إلى العرف الدولي في العصر الحاضر: عصر الحروب التي تصنع في كل مكان.

قال الرئيس نهرو في خطاب الكرملين: «إن كثيرًا من الوعيد والرد على الوعيد قد سمع في الوقت الحاضر، وإن كثيرًا من الكلام قد قيل عن حل المشكلات بالقتال المسلح أو التهديد بالقتال، وما من أحد ذي فهم يعقل أن القتال المسلح وسيلة لحل هذه المشكلات، وإنه قد حان الوقت للاتجاه بمصير العالم وجهة أخرى مع هذا النذير الدائم بالحروب.»

«والكلام» الذي أشار إليه الرئيس نهرو كثير في الحقيقة، وعجيب أن يصدر من ذوي أفهام وذوي عقول!

فهناك من يتكلم عن الحرب الواقية، ويريد بها دخول الحرب فعلًا لمنع الحرب المتوقعة في الأوهام!

وهناك من يتكلم عن منع الحرب بالاستعداد للحرب، وأنه لا وسيلة لتخويف الدول من الإقدام على القتال إلا أن تتسابق في التسليح، وتعمل كل منها على إقناع الأخرى بأنها أقدر منها على اقتحام الميادين في البر والبحر والهواء.

السلاح يؤدي إلى الحرب

وعجيب حقًّا أن تخطر هذه «الحلول» لأناسٍ من ذوي الأفهام والعقول، فما من شيء يمنع الحرب إذا وُجدتْ آلاتها، وما من مال ينفق على السلاح إلا انتهى به الأمر إلى القتال كرهًا لتصريف هذا المال الذي لا ينصرف … فإن مال التجارة يعود إلى السوق وإلى المتعاملين، ولكن المال الذي ينفق على السلاح يأكله الصدأ ويذهب بغير عوض، أو يغري في النهاية بصرفه إلى الوجه الوحيد الذي ينصرف إليه.

وقد رأينا عاقبة الأموال التي تنفق على مبدأ «أن المدفع أولى من الزبدة».

رأينا أنها تجر إلى الحرب لا محالة، ثم رأينا ما هو أغرب من ذلك في الواقع وفي التقدير؛ فإنها تجر إلى الهزيمة «باتفاق الآراء»، أو باتفاق الأعمال.

فما استعد أحد للحرب كما استعد النازيون والفاشيون وسادة الجيش والأسطول في أقوى أمم الشرق الأقصى؛ وهي اليابان.

عمل غير مربح

وهذه القوى الكبرى التي استعدت للقتال هي التي خسرت القتال، وهي التي تعاني اليوم جرائر الهزيمة، وتنقاد للسيطرة التي كانت تناجزها بالوعيد وبالسلاح.

نحن — بحمد الله — في عصر لم يبقَ فيه من دواعي الحرب إلا سوء الفهم وسوء السياسة.

فليست الحروب عملًا مربحًا كما كانت في العصور الغابرة، وليست هي بالعمل المجيد الذي يتوج الرءوس بأكاليل الغار، وليس النصر فيها إلا غرامة ثقيلة ينوء بها المنتصر، ويشكو جرائرها في بلاده وبين أبناء شعبه، وما من عمل من أعمال السياسة الدولية يستغني فيه السياسي عن التعاون بين أمم العالم في مسائل الثروة، أو مسائل الثقافة، أو مسائل المعاملات على اختلافها، وكل محنة تتعرض لها أمة في أقصى الأرض فلا نجاة منها للأمم في أقصاها من الطرف الآخر!

سوء الفهم

عالم ينادي كل شأن من شئونه العامة بوجوب السلام، ولم يبق فيه من دواعي الحرب غير سوء الفهم وسوء السياسة.

وإنها لحقيقة صادعة تتجسم وتزداد جسامة عامًا بعد عام، ولكنها لا تستغني عن العمل لتقريرها والاستفادة منها، ولعلها لم تؤتِ بعدُ خيرَ فوائدها؛ لأن الساسة «لا يصنعون» السلام كما يصنعون الحروب، ولأنهم في حاجة إلى دعوة متكررة — كدعوة الرئيس نهرو — تُجدِّد دعوة السيد المسيح إلى «صنع» السلام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.