لا شك بأن القراء الذين يتبعون أخبار تطور الثورة العرابية التي نعيش الآن بنتائجها وثمارها، قد طالعوا أمس في باب «منذ خمسين سنة» تلك الرسالة الحكيمة التي أرسلها مؤسس الأهرام من باريز، وتوقع فيها تأهُّب إنكلترا لاحتلال مصر، وهو الاحتلال الذي نوَّه عنه لوزير خارجية فرنسا في حديثه معه، ذلك الحديث الذي كان موضوع كلمتنا السابقة.

ولا شك بأن كل قارئ مصري يقول بعد مطالعة النصائح التي أسداها مؤسس الأهرام المغفور له «بشارة تقلا» للثوار والشعب، بأن يقفوا إلى جانب وزارة شريف باشا ولا يتورطوا. أجل، لا شك بأن كل مصري يقول الآن أواه لو اتبع الجميع يومئذٍ تلك النصائح الغالية، إنَّا إذن كنا قد نجونا من الاحتلال، وإنَّا إذن كنا قد صُنَّا الاستقلال وحقَنَّا الدماء ووطدنا أركان هذه الإمبراطورية المصرية من سواحل البحر الأبيض إلى سواحل الهند كلها؛ ولكانت مصر في ظل ذلك الاستقلال الدولة العظيمة بين الدول العظيمة.

ولكن العاصفة إذا عصفت تضيع فيها الأصوات الناصحة، والتيار إذا تدفق يجرف الخبيث والطيب معًا، وما قُدر قد كان.

***

عرف القراء أن شريف باشا تولى الوزارة، وأنه أصدر أمرًا في ٤ أكتوبر ١٨٨٠ بإجراء الانتخابات على أحكام دستور ١٨٦٦. وقد نشرت الأهرام نصه في عددين سابقين، وعرفوا أن آلاي الميرالاي عبد العال انتقل من المعادي إلى دمياط، وآلاي عرابي انتقل من القاهرة إلى التل الكبير، كما طلب شريف باشا بعد حادثة ٦ سبتمبر ليتولى رياسة الوزارة بعد عزل رياض باشا إرضاءً للضباط، ولكن هل قضى انتقال قسم من الجيش وضباطه إلى الأقاليم على تدخُّل الضباط بشئون الحكومة؟

لا.

إن الميرالاي عرابي بك كان يصرف وقتًا قصيرًا في التل الكبير، وكان يصرف أكثر وقته في القاهرة، وكان يتلقى مطالب الأفراد والضباط والأهالي، فيؤشر عليها طالبًا من الحكومة تنفيذها.

وحدث أن أحد التجار عناني بك سُجن بحكم من المحكمة المختلطة بتهمة الإفلاس المدلس، ولكنه أُطلق سراحه مؤقتًا، فنادى الضباط بالويل والثبور وعظائم الأمور بحجة أن الرجعيين غنموا فرصة غياب الضباط والجيش للانتقام من أصدقائهم، كعناني بك الذي أعد للضباط الذين فازوا على الخديوي وعلى رياض باشا وجماعة الجركس في مظاهرة ٩ سبتمبر مأدبة فخمة في حديقة الأزبكية. ثم ذهب عرابي وطلبة عصمت وعبد العال وعلي فهمي وأشياعهم، وكانوا قد اجتمعوا في عيد رمضان إلى قدري بك ناظر الحقانية وأنذروه إنذارًا شديدًا طالبين إخلاء سبيل صديقهم، فشكا شريف باشا هذا العمل إلى زميله وزير الحربية محمود سامي باشا الذي أبدى عذر الميرالايات، ووعد بأنهم لا يعودون إلى مثل هذا في المستقبل.

ولكن الفوضى واختلال النظام كانا قد استحكما في الجيش، فأطلق جماعة منهم بعض الجنود المسجونين من جنود الحرس لارتكابهم المخالفة، وأبى آلاي الطوبجية إطاعة أوامر ضابط جديد عُين قائدًا للآلاي، وهاجت أفكار الشعب هياجًا شديدًا، ونجم عن ذلك أن نبتت في البلاد صحافة مهيجة طليقة العنان وجهت الذم والقذع إلى الأجانب، فقابلها هؤلاء بالمثل. وأخذت صحف لندن تتناول عرض الطبقة الراقية المتعلمة من أبناء الأمة المصرية، وأصاب جنون التهور جريدة كانت تصدر بالفرنساوية في مصر باسم «الإجبت»، فتطاول كاتبها على مقام النبي الكريم، فاحتدم غيظ الجمهور. ولكن ذلك لم يكن كافيًا، فشاع أن العلماء أفتوا بإعدام الكاتب المسيو لامون، وأن اثنين من الجزائريين الفدائيين عرضوا أنفسهم للانتقام منه، وفي مثل هذه الظروف لا تكثر الإشاعات فقط، بل هي تكثر ويصدقها الناس؛ كتصديقهم قبل ذلك الإشاعة عن شيخ الأزهر بأنه أفتى بإعدام الميرالايات الثلاثة عرابي وعلي فهمي وعبد العال، ولكن قنصل فرنسا في الإسكندرية أمر الرجل بمغادرة مصر في الحال. غير أن الصحافة الوطنية وأهمها المفيد والبرهان والحجاز، ظلت على حملاتها الشديدة التي كانت تزداد كل يوم إلى أن اضطر القناصل إلى إلفات أنظار الحكومة إلى ذلك؛ فقرر النظار إقفال جريدة الحجاز وكانت أشد الصحف عداءً للأجانب وطعنًا فيهم، ثم أعدت الوزارة قانونًا للمطبوعات بالغة أحكامه أقصى الشدة، ونشرته في الجريدة الرسمية في ٢٦ نوفمبر.

وفي إبان هذه الحركة اكتسب العرابيون قوة جديدة بانضمام الشيخ محمد عبده إليهم، فإن هذا العالِم النابغة كان من تلامذة جمال الدين الأفغاني، ولما نُفي جمال الدين — على ما ذكرنا في مقال سابق — حُرم من التدريس بالأزهر، وقُضي عليه بأن يلازم قريته، ولكنه لم يلبث أن نال رضا الحكومة، فعاد إلى القاهرة. وناط به رياض باشا الذي كان يحبه ويجلُّه تحرير القسم الأدبي بالجريدة الرسمية، وكان هو ذاته قد افترق عن العرابيين من أجل رياض، ولكنه اتفق معهم بعد مظاهرة ٩ سبتمبر أمام سراي عابدين، وبعد هذا الاتفاق صار مستشارهم الأول والأكبر. وقد ورد في محضر محاكمة عرابي في شهادة رضوان أفندي فهمي وسعيد أفندي البستاني وإبراهيم بك الهلباوي، أن الشيخ محمد عبده كان «أرسطاطاليسهم في الحكمة وبسمركهم في السياسة»، وقال عنه اللورد كرومر إنه كان من الروح التي قادت الثورة العرابية. وفي الحقيقة والواقع كان الشيخ محمد عبده الوطني الخيالي ومن أصحاب النظريات، ولكنه كان مخلصًا صادقًا، وكانت مهمته الكبرى أن يُقرِّب بين العسكريين وبين المتأدبين بآداب العصر الحاضر عصر، الحضارة العربية من المعملين.

على أن اشتداد الحركة فتح الطريق لكل من أراد الدخول فيها حتى الدجالين، ولا نطيل الحديث في ذلك، ولكنا نقول: إن الحوض الصافي إذا خُضَّ ظهرت على وجهه العكارات وعجز السقاة عن إبقائه صافيًا.

والآن نعود إلى أمر الضباط عماد الحركة وقوتها، فإنهم ظلوا على حذر من دسائس الرجعية، واتجه سخطهم إلى شيخ الأزهر الذي اتُّهم بأنه أفتى لحكومة رياض باشا بإعدامهم — كما قلنا في مقال سابق — فطلبوا عزل هذا الشيخ، وألحوا في الطلب حتى اجتمع علماء الأزهر وعزلوه واختاروا الشيخ الإمبابي خَلَفًا له، ولكن الخديوي عارض في ذلك، فاتهموا قنصل إنكلترا السير مالت بأنه يحرض الخديوي على المقاومة. وكانت أوامر حكومة لندن إلى مالت أن يكتسب صداقة الحزب الوطني، فوسَّط صديق العرابيين ولفرد بلنت بينه وبينهم، وانتهى الأمر بفوز الضباط وتعيين الشيخ الإمبابي.

ولا مندوحة لنا هنا عن أن نقول كلمة في ويلفرد بلنت الذي لعب في الثورة العرابية دورًا مهمًّا، فقد كان موظفًا في السلك السياسي الإنكليزي، واتجه بمجهوده نحو الشرق معلنًا ثقته بقرب نهوض الإسلام. وكانت زوجه حفيدة اللورد بيرون رسول النهضة اليونانية، فكان يقول إن من مفاخره أن يكون أول من اكتشف الوطنية المصرية، وأول من عمل على تأسيسها. وكان صديق شيخ الأزهر، فاندفع مع الثوار كل الاندفاع، ولكي يظهر بمظهر العروبة التامة كان يركب الجمل من المحطة إلى فندق شبرد.

ووقف إلى جانبه إنكليزي آخر: السير ويليام غريغوري، الذي كان نائبًا من النواب المحافظين، ولكنه عُين حاكمًا لجزيرة سيلان حيث تُرك وشأنه، وقد نشرت امرأته بعد وفاته مذكراته، فإذا هو يقول إنه دخل غمار الحركة العرابية لاعتقاده بأن من مصلحة إنكلترا انتهاء الرقابة المثنوية الفرنساوية الإنكليزية؛ لأنه كان يريد الخلاص من شركة فرنسا في مصر، فلهذا كان يؤيد الميرالايات المصريين ويشجعهم؛ لأنهم كانوا يكرهون فرنسا.

ولصداقته مع مدير التيمس كان يملأ تلك الجريدة بمقالاته، وفتح الطريق ذاته للمستر بلنت، وكلاهما كان يمتدح الحركة العرابية ويطنب بأغراضها الشريفة.

ولما رأى مالت نفوذ المستر بلنت في مسألة الضباط وشيخ الأزهر، احتفظ بذاك النفوذ لاستخدامه في مجلس النواب عند انعقاده، كما قال:

ظل محمود سامي باشا ناظر الجهادية يغمض جفنه عن خروج الضباط على النظام وعن مطالبهم، إلى أن جاء موعد وضع الميزانية وإعدادها، فطلب لنظارة الجهادية زيادة ٢٨٠ ألف جنيه، وهدد بتكرار ثورة الضباط إن هم لم يُعطوا هذا المبلغ، فاعترض المراقبان الإنكليزي والفرنساوي، وقالا إن حمَلة أسهم الموحد لم يرضوا التنازل عن ٥٠ مليون فرنك كانت حقًّا لهم إلا لتتوازن الميزانية. وهنا تدخَّل المستر بلنت، وتوصلوا في النهاية إلى زيادة ميزانية الجهادية ١٠٠ ألف جنيه. أما زيادة عدد الجيش، فإنهم قرروا الاحتفاظ بها للنواب عند اجتماعهم، وحينئذٍ تعهد المستر بلنت بأن يتولى كتابة مطالب أصدقائه الضباط، وهي المطالب التي قرروا تقديمها إلى مجلس النواب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.