هم وزراؤنا إن صحت أنباء الأهرام، والظاهر أنها صحيحة؛ لأن الأهرام قد عادت اليوم إلى توكيدها، وتحدَّث رئيس الوزراء مرة أخرى، وأعلنت إليه في صراحة جازمة، وتأكيدٍ قاطعٍ، أنها تلقَّتْ هذه الأنباء عن أكثر من وزير، وإذًا فرئيس الوزراء يتحدَّث إلى زملائه بطائفة من الأحاديث، يجب أن تكون سرًّا مكتومًا؛ لأنها من الدخائل التي لا يجب أن تذاع، ومن الدقائق التي لا ينبغي أن تشاع، فلا يكاد الوزراء يتفرقون عن رئيسهم حتى يملئوا الأرض بما أُلقِيَ إليهم من سرٍّ، وما ائتُمِنوا عليه من حديث.

هم إذًا غرابيل لا ينبغي أن تُلقَى إليهم الأسرار، ولا ينبغي أن يُؤتَمنوا على الأحاديث، وإنما يجب أن يستأثر رئيس الوزراء من دونهم بأسرار الدولة وشئونها ذات الخطر، فهم قد أذاعوا إنْ صحَّتْ أنباء الأهرام أسرارًا أقل ما تُوصَف به أنها مزرية بكرامة الدولة، غاضة من قدرها، تظهرها مضطربة جزعة، لما يذاع من الأنباء عن نقل المندوب السامي من مصر، أو رجوعه إليها وإقامته فيها، وتُظهِرها فَزِعة هلعة، لما يقال من أن اللجنة الإنجليزية المصرية راضية عن النظام القائم، أو ساخطة عليه، مؤيِّدة للوزارة أو متنكِّرة لها، وليس من كرامة الوزارة بحال من الأحوال في نفوس المصريين، سواء كانوا من أصدقائها، أو من خصومها، أن تظهر على الوزارة أعراض هذا الضعف المخجل، وهي التي تتحدث بالاستقلال، وتزعم أنها شديدة التعلُّق بأسبابه، غالية في الحرص لا على مظاهره وأشكاله، بل على حقائقه التي لا تقبل الشك ولا تحتمل النزاع.

لم يصدِّق أحدٌ من المصريين أن الوزارة مستقلة إلى هذا الحد الذي كانت تزعمه لنفسها، ولم يصدِّق أحد من المصريين أن الوزارة أرغمت الإنجليز كما كانت تقول على أن يعترفوا بحقيقة هذا الاستقلال، ويرعوا حرمته، ويقفوا من الوزارة والأمة موقفَ الحياد، لم يصدِّق أحدٌ شيئًا من هذا، ولكنه كان كلامًا يقال، وأحاديث تجد صحف الوزارة من نفسها الشجاعة على ترديدها كلما احتاجت إلى ترديدها، أما الآن وقد أفشى الوزراء أسرار مجلس الوزراء، أما الآن وقد أذاع الوزراء أحاديث رئيس الوزراء، أما الآن وقد عرف الناس جميعًا من الوزراء أنفسهم إن صحَّتْ أنباء الأهرام، أن الوزارة قد جزعت لتلك البرقية التي أُرسِلت إلى البلاغ، فنُشِرت في الأهرام، أما الآن وقد عرف الناس جميعًا أن رئيس الوزراء تحدَّثَ إلى وزيرنا المفوض في لندرة بالتليفون، أما الآن وقد عرف الناس جميعًا من الوزراء أنفسهم دقائق هذا الحديث، فنظنُّ أن صحف الوزارة ستكفُّ عن التحدث بهذا الاستقلال، إن كانت لها بقية من حياء.

ليس مما يلائم كرامة الوزارة في نفوس المصريين من الأصدقاء والخصوم، أن يعرفوا منها هذا الضعف، وأن يلمسوا منها هذا الوجل، كلما جاء نبأ من أنباء لندرة، وأن يبحث الوزراء ويستقصوا، ثم يلتقوا بعد البحث والاستقصاء، فيهدئ بعضهم بعضًا، ويهنئ بعضهم بعضًا؛ لأن المندوب السامي مقيم غير منقول، ولأن اللجنة الإنجليزية المصرية قد أخفقت ولم يُقدَّر لها النجاح!

ليس مما يلائم كرامة الوزارة في نفوس المصريين أن يعلن رئيسها في الصحف أن بقاء الوزارات وسقوطها، رهينان برضى المليك، وثقة البرلمان، ثم لا يمضي يوم وبعض يوم، حتى يتحدَّث إلى زملائه — إنْ صحَّتْ أنباء الأهرام — بأن ليس على الوزارة خوف؛ لأن المندوب السامي مقيم، ولأن اللجنة الإنجليزية المصرية لم تُوفَّق إلى ما كانت تريد من تغيير النظام!

ليس شيء من هذا ملائمًا لكرامة الوزارة في نفوس المصريين، وليس شيء من هذا ملائمًا لكرامة الوزارة ولا لكرامة مصر في نفوس الأجانب، فإن كل مصري يستحي أن يعرف الأجانب الذين لا يقفون على دخائل الأمور، إن هذه الوزارة التي تذيق المصريين ألوان العذاب، تخاف من الإنجليز إلى هذا الحد، وتفزع من نقل المندوب السامي إلى هذا الحد، وتجزع من سعي اللجنة الإنجليزية المصرية إلى هذا الحد، فهي تلقى المصريين بالشدة والعنف، وتلقى الإنجليز بالضراعة والخوف، وتذكر بقول الشاعر القديم للحجاج:

أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامة

فتخاء تنفر من صفير الصافر

هلَّا برزت إلى غزالة في الوغى

بل كان قلبك في جناحي طائر

نعم، لم يرعَ هؤلاء الوزراء الذين أفشوا سر مجلسهم، وأذاعوا حديث رئيسهم، بكرامة الوزارة، وكرامة الدولة معًا، وليس لذلك كله مصدر إلا أن هؤلاء الناس قد كُلِّفوا من الأمر ما لا يطيقون، وحملوا من مناصب الدولة ما لم يُهيَّئُوا له، ولا ينبغي أن يُؤتَمنوا عليه، فإن الوزير الذي يلمُّ به من الأمور السياسية ما يكره، فلا يملك نفسه أن يذيعه، ويتحدث به إلى الناس، ويلمُّ به من الأمور السياسية ما يحب، فلا يملك نفسه أن يتحدث به ويذيعه بين الناس، هذا الوزير خليق أن لا يظل في منصبه يومًا أو بعض يوم؛ لأنه قد أقام البرهان على أنه لا يصلح للوزارة، ولا ينبغي أن ينهض بأعباء الحياة العامة.

هؤلاء الوزراء الذين أذاعوا أسرار مجلسهم، وأحاديث رئيسهم — إن صدقت الأهرام — في أمر مزرٍ بكرامة الدولة، خليقون غدًا أن يذيعوا أسرار مجلسهم، وأحاديث رئيسهم، في أمر يمس أمن الدولة وسلامتها، وإذا استطاع مندوب الأهرام أن يعبث بالذين تحدَّثوا إليه من الوزراء، فيستخلص منهم هذه الأسرار، فقد يستطيع هو أو غيره من الصحافيين المَهَرَة، أن يعبثوا بهم مرة أخرى، ويستخلصوا منهم أسرارًا وأحاديث، أشد من هذا السر خطرًا، وأبعد من هذا الحديث أثرًا! إن الحكومة لا تكاد تأخذ أحدًا من موظَّفِيها بأنه قد أفشى أسرار الإدارة، أو أذاع حديثًا من أحاديثها الخاصة، حتى تعاقبه أشد العقاب وتنكِّل به أشد التنكيل، فماذا أعدَّ رئيس الوزراء لزملائه هؤلاء، إن كان ما نشرته الأهرام عنهم صحيحًا، وهي تؤكِّد صحته وتتحدى الوزارة، ويظهر مندوبها شخصه، ويمضي هذا التحدي باسمه، ويعلن بذلك أنه محتمل لتبعة ما نقَلَ إلى صحيفته من الأحاديث.

ماذا أعدَّ رئيس الوزراء لهؤلاء الزملاء؟ أيحيلهم على مجلس التأديب؟! أم يقيلهم من العمل؟! أم يكتفي باللوم والتأديب؟!

مهما يفعل رئيس الوزراء من ذلك، فإن من المحقق أن هؤلاء الزملاء الذين يعتمد عليهم، ويثق بهم، ليسوا خليقين باعتماده عليهم، ولا مستحقين لثقته بهم؛ لأنهم قد أصبحوا غرابيل، وما ينبغي أن توكل أسرار الدولة إلى الغرابيل؟!

إن الأهرام تتحدى الوزارة، وتسرف في التحدي، ونحن لا نتحدى أحدًا، ولا نسرف في تحدي أحد، ولكنَّا نريد أن يضع رئيس الوزراء حدًّا لهذا الخطر الذي تتعرَّض له كرامة الحكومة، وأن يبين للناس بطريق قاطعة لا تحتمل الشك، أن الوزراء لم يتورطوا في هذا الإثم، وإذًا فيجب أن تحمل الأهرام تبعة هذه الجرأة على الحق، وعلى مقام الوزارة، أو أنهم قد تورَّطوا في هذا الإثم، فيجب أن يُقَالوا، وإن يقصوا عن الحكم الذي أصبحوا غير صالحين له، ولا قادرين عليه.

وبعدُ، فماذا أراد رئيس الوزراء بهذا البلاغ الذي أصدره أمس، يكذِّب به الأهرام والذي احترمته الأهرام، ولكنها كذبته تكذيبًا قاطعًا؟! ماذا أراد رئيس الوزراء بهذا البلاغ؟ أَخَافَ من المصريين فأراد أن يؤكِّد لهم أن وزارته أحرص على كرامتها، وأوثق بقوتها، من أن تسرف في خوف الإنجليز، والتهالك عليهم إلى هذا الحد؟ أم خاف من الإنجليز أن يغضبوا، فأراد أن يُقسِم لهم أن هذه الأحاديث لم تكن، وأن مجلس الوزراء لم يَخُضْ في أمر المندوب السامي، ولم يتحدث في أمر اللجنة المصرية الإنجليزية بقليل أو كثير؟ ليصدقنا رئيس الوزراء، فإن الموقف السياسي الذي اضطرت إليه وزارته في هذه الأيام، أهون على المصريين من شيء آخَر شديد الخطر، وهو أن يعلموا أيهما الصادق! أهي الحكومة في بلاغها، أم الأهرام في تحدِّيها المتصل؟

إن سكوت الوزارة على هذا التحدي الجرئ، خليقٌ أن يمحو ما بقي من مهابتها في نفوس أنصارها، بعد أن محَتِ الحوادث مهابتها من نفوس خصومها، فَلْينظر رئيس الوزراء كيف يجد لنفسه مخرجًا من هذا المأزق الذي لا بد من الخروج منه، وما نرى أنه يخرج من هذا المأزق إلا بالاستقالة أو تعديل الوزارة …!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.