إلى أين تريد الوزارة وأنصارها أن يدفعوا هذا البلد؟! وإلى أين تريد الوزارة وأنصارها أن يذهبوا بما لهذا البلد من كرامة ومنفعة؟! وإلى أين تريد الأهواء والأغراض أن تدفع هؤلاء الناس؟! وماذا تريد الأهواء والأغراض أن تُحمِّل هؤلاء الناس من أثقال لا قِبَل لهم بها ولا قدرة لهم على احتمالها؟!

إن هؤلاء الناس يكلفون أنفسهم شططًا، وينهضون بما لا يستطيعون أن ينهضوا به، ويضطرهم ذلك إلى أن يسيئوا إلى بلادهم إساءاتٍ ثقيلة فيها شر كثير عميق التأثير بعيد المدى. إن الرجل الطيب خليق أن يخلو إلى نفسه ساعة من نهار أو ساعة من ليل، وأن يحاسب ضميره في هذا الشر الذي يوشك موقفه وموقف أصحابه أن يصبُّوه على مصر صبًّا وأن يُعرِّضوها به إلى أقبح الأخطار.

لم يَنْصَح للرجل الطيب مُشِيروه حين ألقوا في روعه أن مجلس الوزراء يستطيع أن يصدر إنذاره إلى المحامين قبل أن ينتخبوا نقيبهم، ولم ينصح للرجل الطيب مُشِيروه حين ألقوا في روعه أن مجلس الوزراء يستطيع أن يهيئ تشريعه لمعاقبة المحامين بعد أن انتخبوا نقيبهم، ولم ينصح للرجل الطيب مُشِيروه حين ألقوا في روعه أن مجلس الوزراء يستطيع أن يقر هذه المذكرة الإيضاحية التي قدَّمَها وزير الحقانية بين يدي هذا التشريع الخطير.

لم ينصح للرجل الطيب مُشِيروه في شيءٍ من هذا، وإنما دفعوه إلى مأزقٍ كان خليقًا أن يتجنبه ويمتنع من الاندفاع فيه؛ لأن في هذا كله فكرة خاطئة لا يقصر شرها على الذين ابتكروها، ولا على الذين أريدوا بها، وإنما يتجاوز أولئك وهؤلاء إلى قومٍ آخرين لا ينبغي أن يرقى إليهم الشر ولا ينبغي أن ينالهم الأذى ولا ينبغي أن يُذكَروا إلا بالإكبار والإجلال؛ لأن إكبار الناس لهم وثقة الناس بهم، وإجلال الناس إياهم شرط أساسي لكل حياة منظمة في كل بلد متحضر خليق بهذا الوصف. وهؤلاء الناس هم القضاة.

وعنت الوزارة في إنذارها أن في ترشيح المحامين الذين حُكِم عليهم تجريحًا لأحكام القضاء وما كان ينبغي للوزارة لو احترمت الحق أن تقول شيئًا كهذا، وهي تعلم حق العلم إذا خلت إلى نفسها وإلى ضمائرها أن ليس بين المصريين محامٍ أو غير محامٍ يفكر في تجريح أحكام القضاء أو تُحدِّثه نفسه بتجريح أحكام القضاء.

وما كان ينبغي للوزارة لو قدرت ما يجب للقضاء ورجاله من كرامة وقدس أن تسجل في بلاغ رسمي يصدر عن السلطة التنفيذية أن بين المصريين وبين المحامين خاصة من يجرح أحكام القضاء أو يفكر في هذا التجريح. هذا كلام ما كان ينبغي أن يصدر عن السلطة التنفيذية، وإنما السلطة القضائية وحدها هي التي تملك أن تقوله، وتملك أن تعاقب الذين يجرءون على أن يجرحوا أحكام القضاء، وقد رأت محكمة الجنايات في تصرُّف أولئك المحامين غضًّا من هيبتها فقَضَتْ عليهم بالغرامة، ورأت النيابة في هذا التصرف غضًّا من هيبة القضاء، فرفعته إلى مجلس التأديب وقضى فيه مجلس التأديب بما قضى فلم يقل أحد شيئًا، وما كان لأحد أن يقول شيئًا، وما نعلم أن محكمة الجنايات شكت إلى النيابة، وما نعلم أن مجلس التأديب شكا إلى الحكومة، وما نعلم أن ناحية قضائية طلبت إلى الحكومة أن تنتصف للقضاء من المحامين الذين رشحوا أنفسهم أو رشحهم زملاؤهم لانتخاب ١٥ ديسمبر، وما نعلم وما تعلم الحكومة نفسها أن هذا الترشيح قد وقع بعد صدور الحكم من مجلس التأديب، وإنما نعلم وتعلم الحكومة أن هذا الترشيح قد كان قبل صدور الحكم بأيامٍ طوال.

فالحكومة إذا أسرفت على المحامين حين أضافت إليهم تجريح أحكام القضاء في إنذارها وأسرفت على القضاء نفسه حين زعمت بغير حق أن المحامين يجرحون أحكامه، وأسرفت على نفسها حين أقحمت أمور القضاء في خصوماتها السياسية، ثم أسرفت على مصر كلها بهذا الموقف الخاطئ الذي دفعتها إليه الخصومة السياسية؛ لأنها ألقت في روع المصريين أن جماعة المحامين وهم شركاء القضاة في حماية الحق والعدل قد يتحدَّون القضاء ويجرحون أحكامه.

كان هذا إسرافًا من الحكومة، وإسرافًا منكرًا. وقد نبهها المحامون إليه، وقد أنكره المحامون أشد الإنكار في اجتماعهم العام، وقد أعلن المحامون إعلانًا صريحًا قاطعًا أنهم لا يضمرون للقضاء ورجاله إلا المودة والإكبار والإجلال. فكانت الحكومة خليقة أن تثوب إلى رشدها وتعود إلى صوابها وتكف عن إسرافها، ولكن المشيرين الذين لم ينصحوا للرجل الطيب فيما أصدر مجلس الوزراء من إنذار مضوا في مشورتهم الخاطئة وأغروا الرجل الطيب بإنفاذ الوعيد وتحقيق التهديد.

وإذا مجلس الوزراء يهيئ تشريعه ويستصدر به المرسوم، وإذا هو مدفوع وعلى رأسه الرجل الطيب إلى شططٍ لا يليق بالرجال الطيبين. وإذا هو يسجل بالقانون شيئًا لم يقع، وهو يعلم حق العلم أنه لم يقع، يسجل أن المحامين قد تحدوا القضاء، وهم لم يتحدوه ولا يمكن أن يتحدوه. ثم يتجاوز هذا الخطأ القبيح إلى خطأ آخر ليس أقل منه قبحًا، فيجر أحكام قانونه على الماضي مخالفًا في ذلك أبسط مبادئ التشريع متكلفًا في ذلك من التعلات والتحلات ما لا يسيغه أيسر الناس علمًا بأصول التشريع.

وتنتج عن هذا كله نتائجه الطبيعية الخاطئة المسيئة إلى مصر، المسيئة إلى القضاء. وهذه صحيفة من صحف الوزارة الصباحية التي صدرت اليوم لا تتورع، ولا تستحي، أن تقول في لفظ صريح إن المحامين قد هزءوا القضاء وحقروه، وإن الوزارة إنما هيأت هذا التشريع انتصافًا للقضاء وحمايةً له. وهي تكتب هذا ليعرفه الأوروبيون فيما تقول، فلا يُخدَعوا بما تكتبه الصحف العربية وما تنقله عنها الصحف الأجنبية الأخرى.

فصحيفة من صحف الوزارة إذًا تقول باسم الوزارة للأجانب إن المحامين المصريين يحقرون القضاء المصري، وإن الحكومة المصرية تخالف المألوف في التشريع لتنتصف للقضاء وتحميه من المحامين! أليس الرجل الطيب يوافقنا على أن هذا الكلام إثم؟! أليس الرجل الطيب يوافقنا على أنه مسئول مع وزارته عن استباحة الصحف لنفسها نشر هذا الكلام وما يشبهه؟! أليس الرجل الطيب يوافقنا على أن من الإثم أن يُقال للأجانب وللمصريين إن المحامين في مصر يحقرون القضاء؟! أليس الرجل الطيب يوافقنا على أنه كان خليقًا، وكان أصحابه خليقين أن يكظموا غيظهم ويضبطوا أنفسهم ويكبحوا أهواءهم ويحتملوا انتخاب مكرم نقيبًا للمحامين، وأن هذا كله كان أهون من أن تذيع الصحف للمصريين والأجانب كذبًا وبهتانًا أن المحامين يحقرون القضاء؟! أليس الرجل الطيب يوافقنا على أن من حق القضاء أن يلومه ويلوم زملاءه؛ لأنهم كانوا سببًا في إذاعة هذه المقالة الكاذبة المسيئة؟!

ثم ما رأي النيابة العامة في هذا الكلام؟ أيرضى أن يُقال للأجانب والمصريين إن أمر القضاء قد هان في مصر حتى أجمعت الجمعية العمومية للمحامين على تحديه، وحتى اضطرت الحكومة إلى أن تحميه بتشريع متجاوز للعدل مخالف للمألوف؟! أليس من حق النيابة العمومية أن تسأل صحيفة الوزارة عن هذه الكلمة الآثمة التي أذاعتها صباح اليوم لتصون كرامة القضاء إذا لم يكن يعنيها أمر المحامين؟! لقد صدق الذين قالوا إن هذه الوزارة لم يُقدَّر لها التوفيق، وإنما قُدِّر عليها الخذلان.

وأي خذلان أكثر من هذا الذي هي فيه؟! تزعم أنها تريد حماية القضاء، فلا تبلغ إلا الإساءة إلى القضاء، والقضاء أكبر وأجل من أن يُحمى بالظلم، والقضاء أكبر وأجل من أن يفكر أحد في الاعتداء عليه، والقضاء أكبر وأجل من أن يقر المصريون أحدًا كائنًا من كان — ولو كان مكرمًا وأصحابَ مكرم — على تجريح أحكامه.

لم تكن الوزارة مُوَفَّقة، ولو قد كانت على حظ من التوفيق وحسن التدبير لَمَا تورَّطَتْ ولَمَا ورَّطَتْ مصر معها في هذا الشَّرِّ العظيم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.