سيداتي سادتي

اليوم يفتتح قسم الخدمة العامة بالجامعة الأمريكية موسم محاضراته لهذا العام، وقد دعاني مستر كليلاند رئيس هذا القسم لألقي هذه الكلمة، وإنني لسعيد بتلبية هذه الدعوة الكريمة، شاكرًا للجامعة الأمريكية أن أتاحت لي فرصة الوقوف بينكم والتحدث إليكم من فوق هذا المنبر الذي طالما حدثت جمهور المستمعين منه في مناسبات مختلفة، وأنا أعظم سعادة لأن صديقي الأستاذ محمد بك العشماوي نائب الرئيس لرابطة الإصلاح الاجتماعي والقائم فعلًا بكل أعمال الرابطة سيكون أول محاضر في هذا الموسم، وسيخطبكم من بعدي في هذا الاجتماع.

وكلمتي عن الاتجاهات الاجتماعية الحديثة قصيرة، وإن كان موضوع هذه الاتجاهات فسيحًا، بدليل أن المحاضرات التي ستلقى في هذا الموسم تتصل كلها بهذا الموضوع أوثق الاتصال، بل إن السياسة العالمية في عصرنا الحديث إنما هي سياسة اجتماعية أكثر منها أي شيء آخر، فقد أصبحت العناية بالفرد من يوم مولده إلى ختام حياته موضع العناية الكبرى في كل مجتمع إنساني، وأصبح مستوى العيش ومستوى الأخلاق، ومستوى الثقافة، ومستوى الصحة العامة مما تُعنى به كل أمة من الأمم وكل حكومة من الحكومات على ما قد يكون بينها من اختلاف في نظم الحكم، ومن تباين في تصوير أغراض الحياة والعناية بمستوى العيش وبالأخلاق وبالثقافة وبالصحة العامة تزداد كل يوم عن اليوم الذي سبقه؛ لأن الناس في الأمم كلها يزدادون شعورًا بالتضامن الاجتماعي الذي يربط بينهم فيزيد ذلك تقديرهم لمعاني العدالة الاجتماعية سموًّا وجلالًا.

وهذا اتجاه جديد كان الناس يتحدثون عنه في القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن، على أنه خيال يدور بخلد البعض، لا على أنه واقع اختلط بالعقائد العامة وصار بعض ما ينظمه القانون.

نعم أيها السادة، لقد كان الاتجاه في القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن متأثرًا بمبادئ الفردية الاقتصادية أشد التأثر، فلم يكن للفرد على الجماعة من الحقوق إلا أن يحمي حريته الفردية من الاعتداء عليها، وبذلك كانت وظيفة الحكومة مقصورة على المحافظة على الأمن والنظام، أما فيما وراء ذلك فقد كان كل فرد متروكًا لحظِّه، ولم يكن له على الحكومة حق خاص أو عام، فإذا تحرقت قلوب المحسنين لشقوة البؤساء فرأوا أن يمدوا إليهم يد المعونة كان ذلك إحسانًا منهم يُشكرون عليه، ولم يكن حقًّا عليهم أو على غيرهم يُطالبون به، وفي حدود هذه الحرية الفردية المطلقة كانت علاقات الناس في حياتهم قائمة على التعاقد الحر فيما بينهم، ولم يكن أحد يفكر في أن هذا التعاقد يصبح مشوبًا إذا عقد بين قوي وضعيف أو بين قادر وعاجز، بل كانت هذه الحرية المطلقة معتبرة ملاك النظام القائم يومئذ، حتى إذا ترتب على هذا النظام أن يترك ملايين من الناس لا يتعلمون، ولا يُعنى بصحتهم، ولا بثقافتهم، ولا بأخلاقهم، إلا بقدر ما تتحرق قلوب المحسنين على بعضهم.

وقد حركت مظاهر الشقوة والبؤس التي فشت بسبب هذا النظام كثيرين من الكتَّاب لتصوير ما يرون من ذلك والتماس العلاج له علاجًا اجتماعيًّا عامًّا، وكان تعميم التعليم في أول مرحلة أول ما عنيت هذه الحكومات به في النصف الثاني من القرن الماضي، وأقول بعض الحكومات؛ لأن أكثر الحكومات لم تتحرك في هذا الاتجاه إلا في أواخر ذلك القرن، وبقي بعضها لا يتحرك نحوه إلا متأخرًا.

هذا الاتجاه الذي ساد القرن الأخير وأوائل هذا القرن قد تغير الآن تغيرًا تامًّا، وللحرب الكبيرة الماضية فضل كبير في تغييره، فقد قرَّبت تلك الحرب بين الشعوب وبين الطبقات المختلفة في الشعب الواحد، وقد نشأ بسببها اختراعات كثيرة زادت الشعوب قربًا بعضها من بعض بما يسرت من أسباب الاتصال والانتقال، هذا إلى ما حدث من أن ازدياد الصناعات الكبرى ضخامة قد ربط بين أرباب هذه الصناعات والعاملين فيها وجعلهم أكثر شعورًا بما بينهم من تضامن يجعل لهم حقوقًا، ويفرض عليهم واجبات لم يكن معترفًا بها من قبل، بذلك بدأ الاتجاه الجديد في الحياة الاجتماعية، فنقل ما كان يعتبر خياليًّا من المبادئ والآراء قبل تلك الحرب إلى حيز التحقيق والعمل.

وهذه الحرب الحاضرة أكبر أثرًا من تقوية هذا الاتجاه وتعزيزه من الحرب الماضية، ذلك بأن أسباب الاتصال والانتقال أصبحت أيسر وأعظم، وبأن الأمم ازدادت شعورًا بالحاجة إلى التعاون فيما بينها ليستقر في العالم عهد إخاء ورخاء وسلام، وهذا الشعور الذي أنشأه تزايد ارتباط الأمم واتصالها وسهولة التنقل فيما بينها قد جعل الأمم التي لم تكن تُعنى بهذه الاتجاهات الاجتماعية، والتي كانت تعتبر لذلك متأخرة في نظر الأمم الأكثر حضارة، تعمل جاهدة تسرع الخطى حتى تلحق بالأمم الأخرى في هذا المضمار، إيمانًا منها بأن هذا النشاط الاجتماعي هو ملاك الرقي والتقدم، وهو الذي يرقى بها لتكون محترمة في نظر الأمم كلها كبيرها وصغيرها، قويها وضعيفها.

إلى أي ناحية تتطلع هذه الاتجاهات الحديثة؟ هي تتجه في مجموعها إلى تقوية ذاتية الفرد وإنسانيته، مع المحافظة على حريته وكرامته، صحيح أن التجارب الاجتماعية دلت على أن هذه التقوية لن تصل إلى التسوية بين الناس في حظوظهم وملكاتهم، فهم يختلفون في قواهم العقلية والروحية، وفي مواهبهم العلمية والفنية اختلافهم في قوتهم الجسدية، ومع هذا الاختلاف فمن خير الجمعية أن تقوي في الفرد كل ضعف إلى أقصى ما يستطيع هذا الفرد أن يصل إليه من القوة، كما أن من خيرها أن تقوي أجسام الضعفاء ليكونوا أقوى على الإنتاج لخيرهم الفردي وللخير العام، ووسائل تقوية الضعف كثيرة، وعلاج ناحية من نواحي الضعف يفيد الفرد ويفيد المجموع في سائر نواحي الحياة، ولهذا لم تقتصر فائدة الألعاب الرياضية مثلًا على تقوية الجسم، بل إن لها لأثرًا كبيرًا في تقوية الأخلاق إذا هي نظمت على نحو علمي سليم، كذلك لا تقتصر فائدة التثقيف العام على التسلية أو على توسيع مدارك الفرد؛ بل إن لها لأثرًا أكبر الأثر في توثيق ما بين الناس من أسباب التضامن والتفاهم.

والاتجاهات الاجتماعية الحديثة تأخذ بيد الفرد من أول حياته كما قدمت ذلك لأن العناية بالحضانة في الطفولة الأولى لها أكبر الأثر في توجيه الطفل في مستقبل حياته، ولها كذلك أثر أي أثر على البيئة المحيطة بالطفل، فإذا تخطى الفرد مرحلة الطفولة إلى الصبا وأصبح قادرًا على العمل كان تمكينه من العمل الذي يحبه ومعاونته على المزيد من إتقانه ودفع ذي الموهبة إلى إظهار موهبته، مما يزيد في اعتزاز الفرد بنفسه واحترامه ذاته كما يزيد في الإنتاج للخير العام، فإذا اطمأن الفرد إلى أنه متى بلغ سن التقاعد وجد من التأمين الاجتماعي ما يحميه من شقوة العجز والمرض، كان ذلك حافزًا له في سن إنتاجه على مضاعفة هذا الإنتاج ليكون أوفر حظًّا من التأمين، وأكثر طمأنينة لأيام شيخوخته أو عجزه.

أخشى أن تدفعني هذه الأمثلة إلى الدخول في تفصيل ليست هذه الكلمة الموجزة في افتتاح موسم المحاضرات بالجامعة الأمريكية موضعه فسيتناوله المحاضرون من بعد في محاضراتهم، كل على النحو الذي يراه، وكل ما أريد أن أقوله: إن الاتجاهات الاجتماعية الحديثة متعددة النواحي متحدة الغرض، وغرضها في مجموعها ما قدمت من تقوية ذاتية الفرد وإنسانيته، مع المحافظة على حريته وكرامته، فكل ما يؤدي إلى هذا الغرض يدخل في هذه الاتجاهات وتحقق غايتها، وإنما أدى بالأمم إلى هذه الاتجاهات اقتناعها بأن ثروتها الحقيقية ليست في مواردها الطبيعية والاقتصادية، بل في القوى التي تستغل هذه الموارد وفي الكفايات الإنسانية التي لا تظهر في عنفوان كمالها إلا إذا عني بكل فرد في صحته وفي ثقافته وفي أخلاقه فاستطاع أن يبلغ من القوة الذاتية غاية ما تؤهله له الملكات الكمينة فيه، لقد بقيت موارد الأمم الطبيعية والاقتصادية القرون وعشرات القرون ولا ينتفع أحد بثمراتها، فلما ارتقى التهذيب بالأفراد والجماعات ذواتهم تضاعفت ثروة الأمم التي توجد هذه الموارد فيها فبلغت من الحضارة ذروتها، وتحققت مبادئ التضامن والعدالة الاجتماعية بين أبنائها، فاستفادوا وأفادوا الإنسانية كلها أعظم الفائدة.

أكتفي بهذه الكلمة، وأكرر الشكر للجامعة الأمريكية ولقسم الخدمة العامة بها، وأترك مكاني لصديقي العشماوي بك، ولا أشك في أن حديثه عما يرجى أن يشهده العالم في العصر الجديد من الإصلاحات الاجتماعية سيفتح آفاقًا في التفكير جديدة، فهو رجل مارس الإصلاح الاجتماعي سنين طويلة، ومارسه بنجاح يجعله يتحدث عنه حديث العالِم الخبير.

وأشكركم سيداتي وسادتي لحسن استماعكم لهذه الكلمة، وأرجو لكل مخلص في العمل لخير أمته ولخير الإنسانية التوفيق والنجاح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.