في ٩ سبتمبر ١٨٨١ كانت مظاهرة الجيش في ميدان عابدين على ما مر بالقارئ، وكانت هذه المظاهرة قوية؛ لأن الجيش اصطف في الميدان اصطفاف القتال، وأمامه قُواده على حيادهم، ووراءه مدافعه. وفي هذا اليوم عزل الخديوي رياض باشا وعيَّن لرياسة الوزارة شريف باشا الذي عزله توفيق باشا يوم تبوئه عرش الخديوية.

ولم يكن شريف باشا في القاهرة يوم صدور الأمر العالي بتعيينه، فأسرع بالعودة. وشريف باشا من أصل جركسي، تخرَّج من مدرسة سن سير الفرنساوية، وتزوج من بنت الكولونيل سِف — سليمان باشا — منظم جيش محمد علي. وقد وصفه المؤرخون بأنه كان طويل القامة جميل الطلعة مطبوعًا على حب الحرية، ولكنه كان ضعيف الهمة يكره الأعمال وينفر منها. وقد اكتسب شهرته بين الشعب من رفضه الحضور أمام لجنة التحقيق الدولية في آخر عهد إسماعيل حتى أنزلوه منزلة زعيم الحزب الوطني المعتدل، ولم تكن الدول تنظر إليه نظرة الرضا، فلما صدر الأمر بتعيينه تساءل الجميع: وكيف يقابله القناصل؟

وفي مساء الليلة ذاتها اجتمع قنصل فرنسا بقنصل إنكلترا، واتفقا على مقابلة الخديوي للبحث معه في طريقة الحل النهائي، فلما صاروا في حضرته تولتهم الدهشة من النبأ الذي أنبأهم بأنه أرسل إلى الآستانة تلغرافًا يطلب فيه إرسال ٢٠ تابورًا تركيًّا لإعادة النظام، فأرسلوا ذلك إلى دولتيهما.

وصل شريف باشا في ١١ سبتمبر، فاجتمع بقناصل الدول، وأظهر لهم اشمئزازه من تولي السلطة؛ لأنه يأبى أن يكون مندوب الجيش المتمرد، ولأنه يتوقع بعدما وقَّع طلبات مغالًى بها ولا يمكن قبولها. فبعد الإلحاح عليه ارتضى أن يتباحث مع الميرالايات، ولكن المباحثة لم تكن مُرضية، حتى خطر للسراي في ١١ سبتمبر أن تعين شريفًا وزيرًا مطلق الحرية «ديكتاتورًا».

ورفض الضباط شروط شريف باشا، وأهمها أن يبتعد عن العاصمة القُواد الذين أغرقوا في التمرد والثورة، وتحرَّج الأمر حتى خطر لقنصل إنكلترا أن يطلب من الباب العالي إرسال مندوب من لديه يعيد إلى الجيش نظامه.

أما الميراليات فقد أرادوا أن يُدخلوا الخوف على نفوس القناصل، فأرسلوا إلى قنصل إيطاليا من أسرَّ إليه بأن الضباط اتفقوا على أن يقبضوا على توفيق باشا ويسجنوه في القلعة.

وحدث أن عرابي كان قد دعا الأعيان للاجتماع بالقاهرة، حتى يبين للدول أن الحركة ليست عسكرية ولكنها قومية، فلما اجتمعوا لطلب الدستور والحياة البرلمانية لم يرُق لهم تصرُّف الضباط. وطلبوا من شريف باشا أن ينظر في أمر الجيش فلم يرُق ذلك للضباط الذين قصروا مطالبهم على تعيين محمود سامي وزيرًا للجهادية. واتفق الأعيان مع شريف باشا على أن يدعوا البرلمان للاجتماع، وعلى أن ينفذ النظام الذي وضعه قومسيون الجيش إلى الطاعة ويغيِّر معسكراته. أما زيادة عدد الجيش ومقابل ذلك يعود الجيش، فلا تكون إلا بعد الاتفاق مع المراقبين الأجنبيين، وبعد توافر الأموال اللازمة لذلك.

وبناءً على ما تقدم كتب الضباط وثيقة بأنهم يطيعون شريف باشا، وكتب الأعيان وثيقة أخرى بمثابة ضمانة للوثيقة الأولى. ولكن هذا لم يُرضِ شريف كل الرضا؛ لأنه كان يريد الوثوق من تأييد الدول له، ويريد من جهة أخرى الحيلولة دون مجيء الجنود التركية إلى مصر كما طلب الخديوي. ووكَّل شريف باشا إلى بورللي بك مستشار رياسة الوزارة ومدير قلم قضايا المالية المفاوضة في ذلك مع قنصلي فرنسا وإنكلترا، فكتب القنصلان كتابًا إلى شريف باشا بأنهما يؤيدان الوزارة الجديدة كل التأييد، وطلبا تلغرافيًّا من باريز ولندن الاعتراض على إرسال الجنود التركية.

وبعد أن تم ذلك كله صدرت الجريدة الرسمية في ١٥ سبتمبر، وفيها تأليف الوزارة برياسة شريف باشا الذي حفظ لنفسه فوق الرياسة نظارة الداخلية، وعيَّن محمود سامي البارودي ناظرًا للجهادية.

في إبان ذلك اقترحت إيطاليا على الدول أن تشترك جميعًا في الامتيازات المعطاة لفرنسا وإنكلترا — أي الرقابة المالية — ولكن هاتين الدولتين أحبطتا مساعي إيطاليا في فينا وبرلين وبطرسبورج. وظلت بعد ذلك مسألة منع السلطان عن إرسال جنوده إلى مصر، ففرنسا تشددت في ذلك ولكن إنكلترا لم تُظهر عدم الرضا. ولما سألت فرنسا إنكلترا: ماذا يكون مسلكها إذا أصر العسكريون المصريون على عنادهم وتمردهم؟ أجابت أنها لا تستطيع بناء حكم على أمر غير واقع أو على ما يُفترض افتراضًا. وانتهى الأمر بأن السلطان عدل عن إرسال الحملة العسكرية لقلة المال، ولكنه قرر إرسال مندوب إلى مصر بناءً على عريضة قدمها له البرنس حليم باشا الذي كان طامعًا بالعودة للحكم، وكان له الأنصار من الأعيان وبعض الأميرات، وهي موقَّعة من فريق من أعيان البلاد، وفيها يشكون الخديوي توفيق باشا بأنه يسلِّم البلاد ومرافقها للفرنساويين والإنكليز، وأيَّد بسمرك سرًّا إرسال المندوب السلطاني. وفي أول أكتوبر سافر المندوب السلطاني. وفي ٣ أكتوبر أعرب سفير فرنسا وسفير إنكلترا للباب العالي عن الأسف لإرسال مندوب دون المباحثة بشأنه. ثم طلبا البيان عن مهمة هذا المندوب، فأجيبا أنه يحمل كتابًا من الصدر الأعظم إلى الخديوي، وفيه يوافق السلطان على مسلك توفيق باشا إبان الحوادث الأخيرة، وأن السلطان لم يرَ في هذا الكتاب من الأهمية ما يدعو لمفاوضة فرنسا وإنكلترا بشأنه.

فلم يُرضِ فرنسا وإنكلترا هذا الرد، فأرسلتا دارعتين إلى الإسكندرية بحجة أن رعاياهما طلبوا ذلك ليلجئوا إليهما في حالة وقوع الاضطراب، فاحتجَّ الباب العالي على ذلك؛ لأنه يدعو إلى الخطر لا في مصر فقط بل في الحجاز، وقال في احتجاجه: إن مصر في سكون شامل. فردت الدولتان بأنه إذا كان الأمر كذلك وجب على الباب العالي استدعاء مندوبيه — علي نظامي باشا وعلي فؤاد بك — وهما تستدعيان حينئذٍ البارجتين، فاستدعى السلطان مندوبيه الذين سافروا في ١٩ أكتوبر، وفي اليوم التالي أقلعت من مياه الإسكندرية البارجتان.

ولم تكن للمندوبين التركيين أقل أهمية، فهما قدما للخديوي كتابًا من الصدر الأعظم ليست أقل أهمية، وزارا بعض القشلاقات؛ حيث حثَّا على حفظ النظام. وفي ١٣ أكتوبر أعد لهما توفيق باشا مأدبة كبيرة، وكان الجمهور والحكومة على حذر منهما، وكانوا قد أنزلوهما في قصر النزهة بشبرا، ولكنه لم يكن يُسمح لأحد بمقابلتهما دون إذن خاص.

وفي ١٧ قدمَا لتوفيق باشا نشان الامتياز ولشريف باشا النشان العثماني المرصع، ووزعا بعض النياشين على الوزراء وكبار الموظفين. ولم يُهديا نشانًا لضابط آخر سوى الميرالاي طلبة عصمت الذي لم يكن له يد في الحوادث، إلا أنه وقف إلى جانب عرابي في مظاهرة الجيش في ٩ سبتمبر، وكان عرابي يعتذر عن تقريب طلبة منه لأنه زوج بنته فقط.

وكان مع مندوبي السلطان قدري بك، ومهمته توثيق الروابط مع الضباط الوطنيين، وراتب باشا ومهمته الاتفاق مع عرابي. ولما لم يجده بالقاهرة تظاهر بالسفر إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، والتقى به بقطار الزقازيق؛ لأن معسكر آلاي عرابي كان قد انتقل إلى التل الكبير.

قلنا: إن شريف باشا كان قد اشترط على الضباط نقل معسكراتهم، وإنهم قبلوا شرطه. وفي أول أكتوبر سافر عبد العال بآلايه إلى دمياط، وكان له الاحتفال الذي ورد في ذكرى خمسين سنة من الأهرام. أما عرابي فإنه ظل في القاهرة مع آلايه. فلما وصل المندوبون التُّرك أظهرت الوزارة المصرية والحزب الوطني الاشمئزاز والقلق، وقرر عرابي الابتعاد عن العاصمة. ففي أكتوبر أمر آلايه بالاستعداد للسفر وزار القشلاقات وخطب في الجنود، وقال في خطابه: «ما دام في عروقي قطرة دم تجري، فإن هذه القطرة وقْف على خدمة الخديوي.» وفي صباح ٦ أكتوبر سار بآلايه في وسط المدينة يتقدمه فرسان البوليس، ويخفره جماعة من الضباط شاهرين سيوفهم، وعندما وصلوا إلى المحطة حملوه على الأعناق إلى القطار بين الهتاف وعزف الموسيقات، وطلبوا منه أن يخطب فيهم فخطب ممتدحًا الأمة التي نالت حريتها دون سفك قطرة دم، فرد عليه عبد الله نديم وسافر مع آلايه إلى التل الكبير.

***

هذا ما كان من جانب الضباط، أما ما كان من شريف باشا فإنه نشر في ٤ أكتوبر الأمر العالي — كما طالع القراء في ذكريات ٥٠ سنة — بدعوة البرلمان للاجتماع وتعيين موعد الانتخابات طبقًا لدستور ١٨٦٦.

وكان للأزهريين التأثير الكبير في الانتخابات. ولما تمت الانتخابات صدر الأمر العالي بتعيين محمد سلطان باشا رئيسًا للمجلس، وبتعيين سليمان باشا أباظة وكيلًا (٢٨ ديسمبر ١٨٨٠)، وفي ذاك الحين أرسل عرابي إلى محمود باشا سامي يطلب استقالة الوزارة الشريفية فاستمهله.

ولكي ندرك سر تلك الحركة القومية، ننقل عن الموسيو مارتشي أستاذ الحق الدولي العام يومئذٍ وصفها، قال:

من الذي يجرؤ على القول: إن السياسة الإنكليزية الفرنساوية كانت خيرًا على مصر وبركة؟ فما هي وزارة ٢٨ أغسطوس ١٨٧٨ المسماة بوزارة نوبار، والوزارة الفعلية هي سلطة ويلسون المراقب الإنكليزي ودي بلينير الفرنساوي؟ وما هو هذا الحق؟ حق الموافقة الذي يخول لموظفين صغيرين سلطة الحكم والحيلولة دون كل عمل قومي؟ وما هي هذه الإصلاحات التي لم يراعَ معها سوى مصلحة الأجانب دون أهل البلاد، ثم إيقاف رعايا الأجانب في وجه سيد البلد؟ وما هذا التدخل الذي يوقف ويشل كل نظام دستوري؟ فهم من جهة يعترفون بحق السلطان ومن جهة أخرى ينكرون عليه حق التدخل لصالح الوالي الذي يدير البلاد باسمه. ومَن يعلنون حرية حكومة البلاد ومن جهة أخرى يُكرهون هذه الحكومة على إدخال أنظمة لا تتفق مع سلطة حكومية قومية؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.