فكاهة محزنة أو مأساة مضحكة هذه التي تمثلها الأحزاب المؤتلفة في ملعب السياسة المصرية؛ فقد أصبح للسياسة المصرية ملعب في هذه الأيام، ملعب طريف تُعرَض فيه صور مضحكة لمن شاء أن يضحك، ومحزنة لمن شاء أن يحزن، ومسلية لعامة الناس على كل حال. فليس من شك في أن ما تحدثه أحزابنا المؤتلفة من الفر والكر، ومن الإقبال والإدبار، ومن الإقدام والإحجام، ومن الانحياز إلى اليمين مرة، وإلى الشمال مرة أخرى، كل ذلك يُسلِّي عامة الناس ويلهيهم.

ولست في حاجة إلى أن يُقام لك الدليل على شيء من ذلك، وإنما يكفي أن تمر بالأندية، وتلم بالقهوات، وتستمع للناس وهم يديرون الحديث بينهم؛ لتعلم أن الأمة المصرية تلهو بأحزابها، وتعبث بهذا الطراز الجديد من الساسة الذين يقولون ولا يعملون، والذين يأتلفون وهم مختلفون، ويتعاونون وبعضهم يكيد لبعض ألوان الكيد كأنما يراد أن يتعلم المصريون كيف يكون العبث، وكيف يكون اللعب، وكيف يُظهر الناس الجد وهم عابثون، وكيف يتكلف الناس العمل وهم كسلون، وكيف يكون خداع الناس عن أنفسهم وعن آمالهم وأمانيهم، وكيف تكون تلهية الناس بالسخف عن الحق حين لم تبق إلى إدراك الحق سبيل.

وفكاهتنا هذه المحزنة، أو مأساتنا هذه المضحكة طويلة كليل الشتاء، لا تريد أن تنقضي، قد بعد العهد بأولها حتى نسيه الناس أو كادوا ينسونه، فأمَّا آخرها فسرٌّ من أسرار الغيب. وليس المهم أن تنتهي القصة، بل المهم ألَّا تنتهي؛ لأن في انتهائها انتهاء هذا العهد السعيد الذي يضحك فيه المصريون. وكيف يعيش المصريون إذا لم يضحكوا؟! ولا تقل: إن المصريين يستطيعون أن يضحكوا في ملاعب التمثيل ودور السينما؛ فإن هذا الضحك ليس شيئًا؛ لأنه ينقضي بانقضاء التمثيل، وينتهي بانطواء ما يسمونه الشاشة البيضاء.

فأمَّا الضحك السياسي فإنه يصبِّح المصريين حين يهبون من نومهم، ويصاحب المصريين حين يغدون على أعمالهم، ويرافقهم حين يروحون إلى أهلهم، ويلازمهم حين يلتقون بين الليل والنهار في الأندية والقهوات. ومن يدري لعله لا يفارقهم حين يخلو كل واحد منهم إلى نفسه، ولعله لا يفارقهم حين يأوي كل واحد منهم إلى مضجعه، ولعله يصيبهم في أحلام الليل. وأي غرابة في هذا، فموضوع القصة هو حياة المصريين في بلادهم، وصلات المصريين بحلفائهم وأصدقائهم؟ والمصريون في هذه الأيام يقظون يفكرون في هذا كله، ويتساءلون عن هذا كله، فأي شيء أجمل وأشد روعة من أن يفكر الإنسان في الجد فيضطر إلى الضحك، ومن أن يبحث الإنسان عن الجد فلا يرى إلَّا سخفًا وهزلًا؟!

في شهر أغسطس الماضي، بدأت الفكاهة المحزنة أو المأساة المضحكة حين ألح المصريون على رئيس وزرائهم في أن ينبئهم عن موقف حكومتهم من الحقوق الوطنية، فتكلم رئيس الوزراء في البرلمان ولم يقل شيئًا، وصفق له أنصاره لأنهم يفهمون شيئًا من لا شيء، ولأنهم يستخرجون الجد من اللعب، والحقائق من الكلام الذي لا غناء فيه. في ذلك الوقت قال رئيس الوزراء للمصريين: إنه لن يهمل فرصة تسنح للمطالبة بحقوق مصر والظفر بهذه الحقوق، لن يهمل فرصة بشرط أن تسنح هذه الفرصة. وكيف تسنح هذه الفرصة؟ أتخلق نفسها، أم يخلقها الإنجليز، أم يخلقها المصريون؟ فأمَّا الإنجليز فقد قال وزير خارجيتهم: إنه ينتظر الوقت المناسب، وأمَّا المصريون فقد قال رئيس وزارتهم: إنه ينتظر سنوح الفرصة.

وفي أثناء ذلك كثر الفر والكر، وكثر الاعتراف والإنكار، فقال قائلون: لقد طلبت المفاوضات، وقال قائلون: بل لم تطلب المفاوضات. وجمعت اللجنة التي يسمونها الهيئة السياسية فقالت وقال بعدها مجلس الوزراء: إن الوقت ملائم للمفاوضات، ثم أرسلت اللجنة إلى سريرها لتنام، فنامت نومًا عميقًا، وبقي الوزراء وحدهم في الملعب يذهبون ويجيئون، يداورون ويناورون، ومن ورائهم أحزابهم تتصايح وتتناوح، وتثير في الجو غبارًا لا يستر شيئًا، بل يفضح كل شيء.

وفي ذات يوم — أو في ذات ليل — سمعت الهيئة السياسية صوتًا أيقظها من نومها العميق، فهبت مذعورة لأنها رأت — فيما يرى النائم أو فيما يرى اليقظان — أن وزير الخارجية البريطانية يعلن في البرلمان البريطاني أنه لم يتلق من الحكومة المصرية شيئًا يمس المفاوضات. وهمت الهيئة السياسية — أستغفر الله — بل همَّ إمامها صدقي باشا أن يصنع شيئًا، ولكنه لقي رئيس الوزراء، ولم يكد يخرج من دار الرياسة حتى أسرع إلى سريره فنام مع النائمين، وظلت الهيئة السياسية نائمة منذ أواخر سبتمبر إلى أوائل ديسمبر، والوزراء وحدهم في الملعب، يذهبون ويجيئون، يداورون ويناورون، وأحزابهم من ورائهم تتصايح وتتناوح؛ حتى بلغ السيل الزُّبَى، وجاوز الحزام الطُّبْيَينِ.

واستبان لبعض الوزراء أن جمهور النظارة قد كاد يسأم هذا اللعب الفاتر، وينصرف عن هذا التمثيل الممل. هنالك نشط الممثلون، وشاع في اللاعبين فضل من حياة، فإذا وزير يستقيل ويذهب إلى أقصى الصعيد، وإذا وزير آخر يعرض نفسه على النظارة في موقف الحائر الموله، يغشى وجهه الابتسام حينًا، والعبوس حينًا آخر، يتقدم ثم لا يلبث أن يتأخر، ينحرف إلى يمين، ثم لا يلبث أن ينحرف إلى شمال.

والنظارة يرون ذلك فيضحكون ويتفكهون، والوزير ماضٍ في لعبه، وحزبه من ورائه يشجعه ويحثه بالصياح والنواح والتصفيق والصفير، حتى إذا بلغ نشاط الوزير أقصاه مضى إلى الخطوة الحازمة الحاسمة، فلقي رئيس الوزراء، وظنَّ النظارة أن فصلًا من فصول القصة يوشك أن ينتهي، ولكن الفصل لم ينته ولم يؤذن بالانتهاء، وإنما هو منظر يتلوه منظر آخر؛ فقد خرج الوزير البارع من دار الرياسة غامضًا كأنه الغيب، يومئ ببعض الألفاظ كأنه كاهن أبولون، ولم يقبل المساء حتى كان لقاء ثم انجلت الغمرة، وانحلت الأزمة كأن غمرة كانت قد عمَّت الناس، وكأنه أزمة كانت قد انتهت من التعقيد إلى أقصاه.

ولم تكن هناك غمرة، ولم تكن هناك أزمة، وإنما كان تمثيل وتخبيل. والمهم أن الهيئة السياسية ستستيقظ من نومها، ويظهر أن إيقاظها يحتاج إلى بعض الوقت لأنها غارقة في نوم عميق، عميق جدًّا، فهي لن تجتمع اليوم، ولن تجتمع غدًا، ولكنها ستجتمع بعد غد إن شاء الله.

ولكن تجتمع لتصنع ماذا؟ لقد اجتمعت في شهر سبتمبر فقالت وقال معها مجلس الوزراء: إن ذلك الوقت كان أشد الأوقات ملاءمة للمفاوضات. فلم يحفل بها أحد؛ لأنها لم تحفل بنفسها، ولم يلتفت إليها أحد لأنها نامت وأغرقت في النوم، ولم يستطع وزير الخارجية البريطانية أن يوقظ من أعضائها إلَّا عضوًا أو عضوين، لم يكادا يستيقظان حتى عادا إلى الغطيط.

وإذن فستجتمع الهيئة يوم الثلاثاء لتصنع ماذا؟! لتصنع شيئين أو ثلاثة أشياء، أو قل لتصنع شيئًا واحدًا؛ هو المضي في التمثيل وإشاعة شيء من الحياة والنشاط في الممثلين، فما ينبغي أن يسأم النظارة أو أن يدركهم النوم. ستجتمع يوم الثلاثاء لتقنع وزير العدل بالإعراض عن الاستقالة؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتقنع وزير المالية بأنه في حاجة إلى شيء من الاستقرار والهدوء؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتقنع وزير التجارة بأنه في حاجة إلى شيء من الريث والأناة؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتُقنع المؤتلفين جميعًا، ومنهم المستقلون، بأن الائتلاف لم يكن في يوم من الأيام قويًّا كما هو الآن، وبأن مصر لم تحتج في يوم من الأيام إلى قوة الائتلاف كما تحتاج إليها الآن منها؛ فما زال الوفد قائمًا، وما زال رئيسه يذهب إلى الإسكندرية ويعود منها، ويشهد الصلاة في المساجد المختلفة يوم الجمعة، وما دام رئيس الوفد يذهب ويجيء ويشهد الصلاة ويستقبل الناس؛ فمصر في خطر، ولن يَدرَأ هذا الخطر إلَّا الائتلاف المتين بين خصوم الوفد.

فأمَّا المطالب المصرية فأمرها يسيرٌ جدًّا. لقد صرَّح وزير العدل البريطاني في مجلس اللوردات — كما صرَّح وزير الخارجية منذ أسابيع في مجلس العموم — بأن بريطانيا العظمى مستعدة للمفاوضة في الوقت الملائم، وبأنها لا تريد السيطرة على مصر، وإنما تريد شركة مع مصر قوامها الزمالة والمساواة.

وهل تطمع مصر في شرف أعظم من أن تشارك بريطانيا العظمى في إدارة الشئون المصرية على أساس من الزمالة والمساواة، ثم إن بريطانيا العظمى مسدية إلينا بعد هذا كله فضلًا لن نستطيع له شكرًا، فهي ستصلح من شأننا، وسترفع مستوى معيشتنا، وستعصم جائعنا من الجوع، ومحرومنا من الحرمان، وستحمينا من البؤس كما تحمينا من غارة الأجنبي، فماذا نريد أكثر من هذا؟! ولم لا يُعرض وزير العدل عن استقالته؟ ولم لا يثوب وزير المال إلى الهدوء والاستقرار؟ ولِمَ لَمْ يعد وزير التجارة إلى الريث والأناة؟ ولِم لا تعود الهيئة السياسية إلى نومها العميق؟ ولِمَ لا يمكَّن رئيس الوزراء ووزير الداخلية من الفراغ لمهمته الخطيرة؟ فما زال رئيس الوفد يذهب ويجيء، ولا بد من مراقبته حين يذهب ويجيء، وما زال رئيس الوفد يشهد الصلاة، وما زال الناس يحبونه، فيجب أن يُراقب حين يشهد الصلاة، وأن نغلق المساجد حين يدخل وحين يخرج، وأن يُصدَّ الناس عن هذا الحب الأثيم، وأن يُؤدَّبوا إذا أصروا على هذا الحب الأثيم.

وما زال رئيس الوفد يستقبل الناس، فيجب أن تُراقب داره وتُحاصر، وأن يرد الناس عن هذه الدار. يجب أن يختار المصريون بين اثنين لا سبيل إلى اجتماعهما؛ فإمَّا أن يُحارب الوفد ورئيسه، وإمَّا أن يفاوض الإنجليز في حقوق مصر. وواضح جدًّا أن محاربة الوفد ورئيسه هي غاية الغايات، وغرض الأغراض؛ لأن استقلال مصر في خطر أي خطر ما دام الوفد قائمًا، وما دام رئيسه يشهد الصلاة ويستقبل الناس.

فأمَّا تلكؤ الإنجليز في المفاوضة وانتظار الوقت الملائم، وإقامة الشركة الجديدة على أساس من المساواة والزمالة، واتخاذ القاهرة عاصمة جديدة في أوقات السلم لمنطقة النفوذ البريطاني في الشرق الأوسط، وإنشاء المكتب البريطاني في الشرق الأوسط في مدينة القاهرة إلى جانب السفارة البريطانية دون أن تفاوض مصر في إنشائه، ودون أن تتفق مصر على إنشائه، ودون نظر إلى أن إنشاءه يلائم الاستقلال أو لا يلائمه، ويوافق السيادة أو لا يوافقها. كل هذه الأمور هينة ولينة، لا ينبغي أن تضيق بها أو تشفق منها؛ لأن خطرها على الاستقلال أقلُّ جدًّا من هذا الخطر الداهم الذي يصوره مصطفى النحاس حين يشهد الصلاة ويستقبل الناس.

وكذلك تمضي فكاهتنا المحزنة ومأساتنا المضحكة في سبيلها، لا يقف الممثلون عن التمثيل، ولا يكف النظارة عن الضحك والعبث. ولست أدري أيقرأ أعضاء الهيئة السياسية ما ينشر عن مصر في خارج مصر، أم يصرفهم نومهم العميق عن القراءة. أمَّا أنا فقد قرأت في جريدة الموند الفرنسية أن سادة مصر يختلفون إلى نادي محمد علي، ويغرقون في كراسيه الوثيرة، يشربون ويلعبون ويناورون في أثناء ذلك ويداورون. ولم تنس جريدة الموند إلَّا شيئًا واحدًا، وهو أن سادة مصر قد يجتمعون بين حين وحين حول رئيس الوزراء ليقرروا أن الوقت ملائم للمفاوضات.

لقد كان الرومانيون يطلبون إلى قياصرتهم اللعب والخبز، وكان الرومانيون يسرفون على قياصرتهم حين يطلبون إليهم هذين الأمرين الخطيرين، فقد أصبحنا نحن أعقل من الرومانيين وأشد منهم قناعة، لا نطلب اللعب والخبز؛ فهذا كثير، وإنما نطلب اللعب وحده. وحكومتنا رشيدة حقًّا؛ فهي تعطينا من اللعب ما نريد، وأكثر مما نريد، فأمَّا الخبز فيجب أن نطلبه من الله، وأمَّا الاستقلال فيجب أن ننتظر حتى يتفضل به علينا الإنجليز.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.