حديثنا هذا عن هيئة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم والتربية في وقت يسود فيه الكثير من الشعور بخيبة الأمل وقلة الاطمئنان إلى المؤسسات العالمية إطلاقًا، والسياسية منها بصفة خاصة؛ فقد رأيناها لا تُحق الحق أو تُبطل الباطل، وشاهدناها مسرحًا تبرز فيه الخصومات وتقع عليه المناورات، فقال قائلون منا: فلندعْ كل هذا جانبًا ولنأخذ فيما نحن فيه؛ لكي لا تضعفَ قوميتنا وتلين قناتنا ويهنَ عزمنا.

ولا يصعب الرد على القائلين بهذا القول؛ الرد عليه هو أن الأمم قد اشتبكت شئونها في شبكة واحدة، فيستحيل على أية أمة أن تصرف نظرها عن غيرها وأن تعالج شئونها كما لو كانت تعيش وحدها في هذا العالم، لا تستطيع أمة أن تفعل ذلك في الميدان السياسي ولا تستطيعه قطعًا في ميدان الإنتاج والتبادل، وأعتقد أنها لا تستطيعه في ميدان الثقافة والعلوم والتربية. وأرجو ألا يصيب الهيئة العالمية للثقافة والتربية والعلوم ما نشعر به نحو هيئة الأمم المتحدة أو مجلس الأمن؛ ذلك لأنها تعمل في ميادين لم ينقطع فيها — ولن ينقطع — التعاون بين الأمم يومًا واحدًا، وذلك لأنها تعمل في ميادين لو انقطع التعاون فيها يومًا واحدًا لماتت البشرية بدون رجعة. وإني لا أعرف يومًا واحدًا من أيام التاريخ بَطَل فيه اتصال العلماء والأدباء ورجال الفنون، ولا أعرف حضارة من الحضارات نَمَت أو عاشت دون أن تؤثر في غيرها وتتأثر بغيرها، دون أن يكون بينها وبين غيرها التفاعل المستمر؛ إن ذلك الاتصال وإن ذلك التفاعل هو في الواقع شريان الحياة الجديرة بهذا الاسم.

قلت: إن التعاون في ميدان الثقافة والعلوم والتربية حقيقة قائمة، فالجامعات تتبادل الأساتذة، والطلاب يتنقلون من بلد لآخر طلبًا للعلم، وما يصل إليه العلماء وما يسطره الأدباء وما ينتجه رجال الفنون ينتشر في كل الممالك، والصحف والمجلات والإذاعات اللاسلكية والأفلام وما إليها تدور مع الشمس. إن كان هذا كله صحيحًا وواقعًا، ألا تقتضي المصلحة أن ينظم هذا التعاون تنظيمًا عالميًّا بواسطة مندوبي الأمم كلها في اجتماعات دورية طليقة؟ بهذا التنظيم العالمي تتجمع لدى الهيئة العالمية ذخيرة نفيسة فريدة من دراسات الخبراء وآراء العلماء وتقارير الفنيين تستطيع أي أمة أن تأخذ منها ما تريد لمعالجة شئون التربية والعلوم والثقافة. وبهذا التنظيم العالمي يستطاع عقد الاتفاقات التي ترمي إلى إزالة الحواجز التي تحول دون انتشار العلوم والمعارف والآداب وإلى فك القيود التي تقيد حرية التعبير. وبهذا التنظيم العالمي يستطاع الاتفاق على الارتفاع بالإذاعة اللاسلكية وبالأفلام السينمائية من مستواها الحاضر إلى مستوًى تتحول فيه إلى وسائل فعالة لنشر الخير والطيب. بهذا التنظيم العالمي يمكن الاتفاق على توحيد أُسس المراجع العلمية وفهارسها ومصطلحاتها. وبهذا التنظيم العالمي يتمكن كل منا من معرفة ما يعمله الآخر؛ فيمتنع التكرار ويعرف كل منا أين يتجه ليجد ما يريد.

بعد هذا كله، فإن كل أمة حرة في إقرار ما ترى إقراره من مشروعات اليونسكو، وفي رفض ما لا ترى فيه نفعًا أو ما يخالف أُسس حياتها القومية.

وهذه قاعدة أساسية في دستور اليونسكو، ولا بدع فالدستور ديمقراطي الوضع والروح وضعته لجنة تحضيرية في مدينة لندرا ممثلة لعدد كبير من الأمم، وكان مندوبانا فيه: حضرة صاحب السعادة عبد الفتاح عمرو باشا سفير مصر في تلك العاصمة، والأستاذ أحمد نجيب هاشم فكان إذ ذاك مدير المعهد المصري الثقافي في تلك المدينة. وأقرَّتِ الحكومة المصرية الدستور وصدَّق عليه البرلمان المصري، واشترك مندوبو مصر في المؤتمر العام الأول لليونسكو الذي عُقد في مدينة باريس في ديسمبر من عام ١٩٤٦م، وسيُعقد المؤتمر العام الثاني للهيئة في مدينة المكسيك في الشهر الحالي نوفمبر سنة ١٩٤٧م.

والمؤتمر هو أهم أدوات اليونسكو؛ إذ هو الذي يضع سياسة الهيئة ويتكوَّن من مندوبي الأمم المشتركة في الهيئة، ويشترط ألا يزيد عدد مندوبي كل أمة عن خمسة أعضاء، والمادة التي يبحثها المؤتمر تَرِد إليه عن طريق مقترحات الأمم وعن طريق ما تعده سكرتارية الهيئة من المشروعات.

وتتكون السكرتارية من موظفين دائمين وخبراء منتدبين بعض الوقت ويرأسها مدير عام يعيِّنه المؤتمر.

وفي الفترات الواقعة بين انعقاد المؤتمرات يقع عبء الإشراف على تنفيذ مشروعات الهيئة على عاتق المجلس التنفيذي. ويتكون المجلس من ثمانية عشر عضوًا يختارهم المؤتمر العام من مواطني الأمم المشتركة في الهيئة، ومدة عضوية العضو ثلاث سنوات ويستقر ثلث الأعضاء كل سنة.

هذا مجمل نظام اليونسكو، ويَحسُن بي قبل أن أشير لبعض ما تعمل فيه اليونسكو من مشروعات أن أبين أن اليونسكو لا ترمي بطريقة مباشرة إلى تقدُّم العلوم أو الآداب أو الثقافة في ذاتها؛ بل هي تعمل على تنظيم التعاون القائم فعلًا أو المرغوب في إقامته في نطاق العلوم والآداب والتربية وتوجيه ذلك التعاون نحو الخير العام.

ففي ميدان التربية مثلًا، أعتقد أن أهم ما تولته اليونسكو حتى الآن يقع فيما تقوم به في مشروع تحديد ما أطلق عليه اسم «التربية الأساسية»؛ أي ذلك القسط من التنشئة الذي لا بد منه لجيل من الناشئة في القرن العشرين. وقد اجتمع لذلك التحديد جماعة من كبار الخبراء من أمم مختلفة، ثم بدأ هؤلاء الخبراء في الانتقال لبعض ممالك العالم؛ فاجتمعوا في الشهر الماضي في كانتون بالصين بالخبراء من الصين والهند وجاوه وبورما وأستراليا وغيرها من أقاليم جنوب غربي آسيا والمحيط الهادي لتبادل الرأي والتجارب والخبرات. وقد تحدَّث إليَّ مندوب الصين فوقفت منه على معلومات ممتعة مفيدة عن الوسائل التي يتوسل بها الصينيون لمكافحة الجهل ونشر المعارف الأساسية موفقين بين مطالب المثل الأعلى والطاقات المحدودة. وسيُعقد في بلاد المكسيك في أثناء اجتماع المؤتمر العام مؤتمر من نوع مؤتمر كانتون خاص بممثلي الجمهوريات الأمريكية اللاتينية لمعالجة مسائل التربية الأساسية. ومما يصح ذكره في هذا المقام أن بلاد المكسيك قد قامت أيضًا بحملة قوية لتعليم الكبار، وأن من أهم عناصر تلك الحملة ما سنَّته تلك الدولة من جعل تعليم غير المتعلم واجبًا إجباريًّا على كل متعلم.

وفي ميدان العلوم الطبيعية تقوم اليونسكو بتنسيق جهود الجمعيات العلمية المنبثة في كل بقاع العالم وربط ما بينها وتنظيم علاقاتها. كما أنها قد اضطلعت بتنفيذ مشروعات علمية في بعض المناطق، وبخاصة تلك المشروعات التي لا تقوى موارد مملكة بعينها في المال والعلماء على احتمالها. فبدأت الهيئة بالاتفاق مع حكومة البرازيل تنفيذ مشروع ضخم لدراسة مجاهل حوض الأمازون دراسة علمية شاملة، وترمي تلك الدراسة إلى تطهير تلك المجاهل من مخاوفها والتحضير لتطبيقات علمية عملية ترتفع بساكنيها من بداوتهم وأحوالهم الفطرية إلى مستوًى إنساني راقٍ. وفي العزم القيام بمثل هذه المشروعات من إنشاء المراصد الفلكية والمناخية ودراسة مسائل التغذية وما إليها في مناطق أخرى مختارة.

وفي ميدان العلوم الاجتماعية بدأت اليونسكو بأن تدخل جهود في سبيلها في طور التحديد والتنسيق والتنظيم، والواقع أن تلك العلوم في أشد الحاجة إلى ذلك.

أما في ميدان ما أُطلق عليه اسم «وسائل الاتصال» من مسموعة ومرئية، فقد عقدت اليونسكو الاجتماعات الأولى الممهدة لعقد الاتفاقات الدولية الخاصة بتحويل تلك الوسائل من وسائل شر إلى أدوات قوية للخير … وكذلك فعلت فيما يتعلق بالمتاحف والمكتبات العامة، فقد وضعت مشروعات تبادل التحف والفهارس ليتم الانتفاع بهذه المؤسسات الثقافية العظيمة.

وقد عُقدت اجتماعات من الخبيرين لبحث مشروع الاتفاق الخاص بحقوق المؤلف وأخرى لدرس رفع الحواجز دون حرية تبادل المطبوعات، كما وُضع مشروع لدرس مشكلات النقل والترجمة.

هذا موجز — أخشى أن يكون مخلًّا — لما تقوم به اليونسكو. ومما لا شك فيه أن الثمرة قد تبدو ضئيلة إذا ذكرنا ما يُصرف من الجهد، أو أن النتيجة قد تبدو قليلة بجانب طول المناقشات والدراسات، ولكن مما لا شك فيه أن الأمم لا ترتضي غير ذلك ولا ينبغي لها أن ترضى عن غير هذه الطريقة؛ فالفرق كبير بين أن تتحكم الأمم في مصيرها وأن يتحكم فيها قاهر يملي عليها خطته إملاءً.

هذا، ويَحسُن بي أن أذكر لكم في ختام حديثي أن اللجنة الثقافية العامة لجامعة الدول العربية في جلستها المنعقدة بتاريخ ٨ أكتوبر سنة ١٩٤٧م، رأت أن تحيل على المكتب الدائم للجنة النظر في وضع خطة مشتركة لمندوبي البلاد العربية في اليونسكو في دورته القادمة التي ستُعقد في المكسيك.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.