كان لغزًا أحمر حقًّا ذلك اللغز الذي واجهه النازيون يوم أقدموا على الغزوة الروسية.

كان أحمر قانيًا مشبعًا بالاحمرار؛ لأنه اصطبغ بدماء الملايين لا لأنه ينتمي إلى الروسيا الحمراء وكفى، فقد واجه النازيون ألغازًا كثيرةً في هذه الحرب العالمية، وقد كان جهلهم بها وبالًا عليهم؛ لأنهم جهلوا ما يحاربون فلم يستعدوا له بعدته الوافية، وليس أخطر على الخصم من أن يجهل خصمه في ميدان نضال؛ لأن الاستعداد لكل عدو يستلزم العلم بما عنده وإن صغر شأنه، فكيف بالعدو الخطير؟

ولكننا لا نحسبهم جهلوا من الألغاز التي قضت عليهم شيئًا كما جهلوا ذلك اللغز الأحمر، أو لغز روسيا الحمراء.

جهلوا قدرتها على المقاومة، وجهلوا قدرة العالم على مقاومتها، فبالغوا في الاستخفاف بها، وبالغوا في تخويف العالم منها، وحاقت بهم جريرة المبالغة في الحالتين.

وقع في حسبانهم أن الدولة الروسية لا تصمد لغير الهجمة الأولى ثم تتداعى من داخلها.

ووقع في حسبانهم أنهم يخيفون العالم بخطر الشيوعية، فيقبل منهم المساومة على كل شيء ويغضي لهم عن كل جريرة، ويستكين لهم كما يستكين الطفل لمن يتوعده بالبعبع أو بالغول، وبنوا على كل ذلك حسابًا طويلًا عريضًا لم يصدق منه كثير ولا قليل.

وليست الغلطة في كلتا الحالتين من غلطات التمرينات المدرسية التي تفرق نمرة هنا أو نمرة هناك، ولكنها الغلطة التي تزول بها دول وتشقى بها شعوب.

إن الشيوعية مذهب غير قابل للتنفيذ في نطاق واسع، ولا إلى زمن بعيد.

ولكن ما معنى هذه الحقيقة التي لا شك فيها؟ معناها المحقق أن الشيوعية تتحول شيئًا فشيئًا عن مبادئها الأولى، وأنها تخفق إذا هي حاولت أن ترغم الأمم على قبولها.

هذه هي النتيجة المعقولة لأخطاء المبادئ الشيوعية، وقد ظهرت بوادر هذه النتيجة فرأينا الشيوعيين يتحولون عن مبادئهم الكبرى في مسألة الملكية ومسألة الدين ومسألة الميراث، وغيرها من القواعد الأساسية التي قامت عليها الدعوة الماركسية.

كذلك ظهرت بوادر هذه النتيجة في إلغاء الدولية الثالثة وعدول الحكومة الروسية عن الدعوة الصريحة إلى المذهب الماركسي في البلاد الخارجية. أما أن الشيوعيين يثورون على حكوماتهم لأن المبادئ الماركسية خاطئة، فهو شيء آخر لا موجب لافتراضه ولا لتقديره، بل هناك موجبات كثيرة للشك فيه إن لم نقل للجزم ببطلانه.

فالشيوعيون لا يؤمنون بخطأ الماركسية ولا برجحان المذاهب الأخرى الموروثة، فهم يثورون للدفاع عنها ولا يثورون لهدمها والانتفاض عليها، وكل من يحمل السلاح في روسيا فهو رجل بين السادسة عشرة والخامسة والأربعين إلا في النادر القليل، ومن بلغ الخامسة والأربعين اليوم لم يكن يتجاوز السابعة عشرة يوم قامت الحكومة الحمراء في روسيا قبل ثمانٍ وعشرين سنة على أعقاب الحرب العالمية الماضية، ومن لم يبلغها فهو وليد في ظل الحكومة الحمراء أو ناشئ على يديها؛ ومعنى ذلك أنهم نظروا إلى الدنيا فلم ينظروا فيها شيئًا غير الشيوعية، ولم يسمعوا غير الإشادة بفضلها والزراية على المذاهب الأخرى، ولم يتسع لهم المجال قط للموازنة بينها وبين تلك المذاهب، ثم تفضيل تلك المذاهب عليها.

فليس أحمق ممن يخطر على باله أن هؤلاء جميعًا يثورون على حكومتهم، وينصرون العدو الأجنبي عليها، ولا سيما إذا كان ذلك العدو قديم العداوة للجنس السلافي كله، وكان هو المغير المعتدي في هذه المرة، بغير سبب واضح أو معذرة معقولة، ولم يُعرف عن الروسيين قط أنهم جبناء في حروب الدفاع عن الوطن المهدد، وإن كانوا لا يشعرون بالحماسة القوية في حروب الهجوم.

***

ولم يجهل هلتر قدرة «اللغز الأحمر» على المقاومة وكفى، ولكنه قد جهل قدرة الأمم الديمقراطية على مقاومة الشيوعية بوسائلها التي لا تحسنها الحكومات النازية.

والواقع أن تهويل هتلر «بالبعبع الأحمر» على الأمم الديمقراطية لن يفسر في باطنه لأمر واحد.

لقد بلغ من إيمانه بهول هذا «البعبع» أن توهم أن رسوله «هس» لا يلبث أن ينزل بالجزر البريطانية ويعرض على أهلها عزم النازيين على محاربة روسيا الحمراء حتى ينسوا خطره ولا يذكروا شيئًا غير ذلك الخطر الأحمر الذي ترتعد له الفرائص وتزيغ الأبصار.

ورسخت في ذهنه الكليل وأذهان أعوانه المخبولين هذه العقيدة حتى خُيل إلى «هيملر» في اللحظة الأخيرة أن الأمم الديمقراطية تصافحه وتصالحه إذا رفع لها شبح «البعبع» من جديد بعد أن وصل البعبع إلى برلين.

لم كل هذا الإيمان بهول الشيوعية وخطرها؟

إنه يخافها كل هذا الخوف؛ لأنه يعلم أن وسائله في مقاومتها كاذبة خادعة، وأنه لم يصنع شيئًا يعصمه منها، ويحول بينها وبين النجاح في بلاده متى وصلت إليها.

لأن وسيلة النازيين إلى علاج مشكلة العمال العاطلين كانت حيلة عاجزة وخيمة العاقبة، لا يعيا بها أحد من الناس حيثما أرادها.

كانت وسيلتهم كلها في علاج مشكلة البطالة تشغيل العمال في مصانع السلاح، وبلغ من سخف بعض الناس يومئذ أنهم ضربوا المثل بهذه البراعة للأمم الديمقراطية، كأنها كانت تعيا بها ولا تستطيعها.

مع أن الديمقراطية قد شغلت في مصانع الحرب عشرة أضعاف أولئك العمال الألمانيين والإيطاليين حين أدارت مصانعها على السلاح والذخيرة.

فليست هي معجزة نازية أو فاشية، ولكنها حيلة عجز وحيلة ميسورة لكل من يريد، ولم يطل بها الزمن حتى تبين للعالم كله أن النازيين والفاشيين قد أعطوا العمال موتًا زؤامًا ولم يعطوهم عملًا يعيشون به أو يعيش به أبناؤهم من بعدهم، وأنهم خربوا بلادهم وسفكوا دماءهم ونشروا البطالة والعوز بين كبارهم وصغارهم من جراء ذلك التدبير العقيم … بل الوخيم الذي يلد الفقر والمرض والموت والبوار.

ولا نقول ذلك اليوم؛ لأن الخاتمة قد ظهرت للعيان ظهورًا لا يقبل الشك والجدال، ولكننا قلناه قبل نشوب الحرب وبعد نشوبها، وكررناه في «كتاب هتلر في الميزان» (كتاب للمؤلف صدر سنة ١٩٣٩) يوم كان هتلر يقتحم المعاقل، ويجترف السدود ويلقى التصفيق والتهليل من السخفاء والمغفلين، وهم في هذه الدنيا غير قليلين.

فكتبنا يومئذ نقول في صفحة ١٨٢:

وجلية الأمر أن النازيين عالجوا البطالة بتشغيل العاطلين جنودًا في الجيش، ورقباء في ديوان الجاسوسية، وعمالًا في مصانع السلاح والذخيرة، ونزلاء في معسكرات الاعتقال، وأجراء بأنصاف أجور، وأرباع أجور، وكل علاج من هذه العلاجات يؤدي إلى كارثة مطبقة تهون إلى جانبها كارثة البطالة؛ لأن تشغيل المصانع بالسلاح والذخيرة لا بد أن يقف أو يدوم، فإن وقف فهناك صدمة الركود المفاجئ وكارثة البطالة من جديد، وإن دام فهناك دوام الكساد ورخص العملة وضرورة البحث عن مصرف للسلاح في القتال والتخريب …

ثم قلنا بعد صفحتين:

وهكذا مشكلة البطالة مثلًا في البلاد الديمقراطية، فإن هذه البلاد لم تحسم داءها حتى الساعة، ولا تزال تعالجها بالإعانات تارةً وإنشاء أعمال الإصلاح والتعمير تارةً أخرى، إلى ما شابه ذلك من المسكنات والملطفات، ولكنها مسكنات الطب وليست بمسكنات الشعوذة، ثم هي حيرة سليمة المغبة، وليست بدواء كاذب يخلق إلى جانبه عدة أدواء …

فالنازيون كانوا يهولون «بالبعبع» الأحمر كل ذلك التهويل؛ لأنهم يعلمون عجزهم عن مقاومته وتدجيلهم الوخيم في علاج مشكلة البطالة.

لكن الديمقراطية تعالج تلك المشكلة كما أسلفنا معالجة الأطباء لا معالجة المشعوذين، وتستطيع أن تقاوم الشيوعية بالتدبير السليم الموثوق به حين يرجف منها النازيون فيخوفون بها الناس كما يخافون.

لقد كان اللغز الأحمر أخطر على القوم من لغز أبي الهول الذي قيل في أساطير الأقدمين إنه يقتل من يعجزون عن فهمه وحله بضربة ماضية.

وقد أخطئوا فهمه وأخطئوا حله فهلكوا، وإنها لعبرة عالمية كبرى تستحق من أقلامنا وعقولنا وقفة طويلة، بل وقفات جد طوال؛ لأننا نريد أن يذكر أبناء الشرق دائمًا هذه العبرة البالغة فلا تغرهم المذاهب الدكتاتورية وهي تغلط الغلطة الواحدة في رأس واحد من رءوسها فتعصف بجهود الملايين، ولأننا من الجانب الآخر نواجه مشكلات كثيرة في المستقبل القريب …

فلنكن على حذر — أشد الحذر — من علاج الشعوذة والتدجيل فهو علاج ميسر لمن شاء، ولكنه يميت المريض ولا يغني عن الأطباء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (2)

  • default avatar
    Salaheddine Belemrabet ·٣٠ نوفمبر ٢٠١٥، ١٤:١ م

    بارك الله فيكم على هذا الموقع رائع.

  • default avatar
    زويل الثالث ·٣ مارس ٢٠١٥، ٩:٢١ ص

    شكرا لكم=هذارائع