«مصر مستهدفة»، «نحن ضحية مؤامرة عالمية»، «لن تسمح الإمبريالية العالمية بقيام نهضة في مصر»، «الصهيونية الدولية تحارب الوحدة العربية بزعامة مصر»، «المسيحية الأصولية لن تقبل بعودة دولة الإسلام وعلى رأسها مصر» … هذه وغيرها بعض الشعارات التي يردِّدها غير قليل من الكُتَّاب عن أحوال مصر، فهناك مؤامرة كونية ضد عودة مصر لدورها الأصيل في بناء الحضارة وقيادة العالم، فهل هذا صحيح؟ وهل كله صحيح أم أنَّ فيه قدرًا صغيرًا أو كبيرًا من المبالغة؟ وهل نحن ضحايا أبرياء أم أننا أيضًا مسئولون بشكل كامل أو — على الأقل — بدرجة كبيرة؟

لستُ من المعجبين بنظرية «المؤامرة»، ليس لأنها غير صحيحة بالمرة، وإنما لأنها تنطوي على مبالغات شديدة — وقد نشرت مقالًا بهذا المعنى في هذه الجريدة عن «المؤامرة» في سبتمبر ١٩٩١ — ولعل الأمر الأكثر خطورة هو أنها تصرفنا عن أخطائنا أو حتى خطايانا الداخلية، وتُبرِّئ أنفسنا من المسئولية بإلقاء التهمة على الأجنبي والخارج، وكأننا أبرياء قد أدَّينا المهمة باكتشاف الجاني، وبالتالي حُقَّ لنا أن ننام مستريحي البال، بعد لعن هذا «الأجنبي» الشرير. ومشكلتي مع هذا التبرير هو أنه يُعفينا من المسئولية، رغم أنها مسئوليتنا وحدنا.

أما أنَّ الفكرة وإن لم تكن خاطئة فإنها غير كاملة، ويرجع ذلك إلى عدة أمور: أما الأمر الأول؛ فهو أننا لسنا بصدد مؤامرة واحدة، بل العديد من المؤامرات المتعارضة والمتقاطعة، والمحصلة النهائية هي في الغالب نتيجة لهذا الجذب والشدِّ من جهات متعددة، وخصوصًا في ضوء موقف الدولة المعينة ومدى صلابتها؛ ففكرة «المؤامرة» وإن بدأت من مقدمة صحيحة — وهي أن النتائج هي محصلة للأسباب — فإنها تفترض أن هناك مؤامرة سوبر مثل عصا موسى تلتهم كل المؤامرات الأخرى، وهذا غير صحيح. والأمر الثاني هو أنها تفترض أيضًا أن المتآمر الأكبر (غالبًا أمريكا أو الصهيونية) يتمتع برؤية ثاقبة للمستقبل، وقوة خارقة، ولا يخطئ أبدًا؛ فهو يعرف ما يريد، ويحقق أهدافه دائمًا حسب رغباته.

وقد علَّمَنا التاريخ أن الدول الكبرى ترتكب أخطاء هائلة في حق نفسها؛ ومن هنا سقطت الدولة الرومانية بعد أن تربعت على عرش العالم، كما زالت الإمبراطورية الإسلامية، وفي العصر الحديث رأينا تراجع الإمبراطورية البريطانية، ثم انهيار الإمبراطورية السوفيِتية، وكثيرًا ما كان هذا السقوط أو التراجع بسبب أخطاء هذه الإمبراطوريات نفسها.

والملاحظة الأكثر أهمية في كل هذا ليست في سيطرة الأقوياء على مسار الأحداث، وإنما في ظهور مظاهر للنجاح من دول صغيرة وفقيرة رغم هيمنة الكبار، فإذا كانت الدول الكبرى تهيمن حقًّا على مقدرات العالم، وتمنع ظهور منافسين جدد، فكيف نفسر ظهور اليابان كقوة اقتصادية هامة منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر؟ ثم كيف استعادت دورها بعد الحرب العالمية الثانية؟ ومن باب أولى كيف ظهر العملاق الصيني في بداية هذا القرن، وكانت الصين حتى منتصف القرن الماضي دولة مفتَّتة ضحية حروب أهلية وانقسامات أيديولوجية؟ وماذا عن دول جنوب شرق آسيا وأغلبها كان خاضعًا للاستعمار حتى الحرب العالمية الثانية؟ ونضيف إلى ذلك الهند التي ظلت مستعمرة لإنجلترا لعدة قرون، حيث بدأت تطل على العالم كقوة اقتصادية هامة منذ سنوات، وحتى جنوب إفريقيا؛ فإنها هي الأخرى بدأت تظهر على الساحة الاقتصادية وإن على خجل.

اليابان ليست دولة أوربية ولا تدين بالمسيحية، ولون بشرة أبنائها أصفر، وتاريخها بعيد تمامًا عن الدول الأوربية الاستعمارية، وقد حاول الاستعمار مرارًا احتلالها دون نجاح، ومنذ نهاية القرن التاسع عشر قام بها ما يُعرف بحركة الميجي، وجاءت حكومة قوية (١٨٦٨) بدأت في تصنيع اليابان، وفي ١٩٠٤ هزمت روسيا، وقبل مجيء هتلر ظهرت ميول اليابان التوسُّعية والعسكرية، واحتلت منشوريا وكوريا، ثم تحالفت مع هتلر ودخلت حربًا شرسة مع الولايات المتحدة بعد الهجوم على بيرل هاربر، وحاربتها الولايات المتحدة بضراوة، وألقت عليها في نهاية الحرب قنبلتين ذريَّتين تعبيرًا عن الحقد والمرارة، وأخيرًا احتلتها القوات الأمريكية لعدة عقود، فهل نقول إن أمريكا والغرب كانوا يحبون اليابان؟ ومنذ ستينيات القرن الماضي عادت اليابان بقوة إلى الاقتصاد العالمي، ولم يكن ذلك — بطبيعة الأحوال — رغم أنف الولايات المتحدة، ولكنها أثبتت أن يابان قويَّة اقتصاديًّا وحليفة للغرب أفضل من يابان ضعيفة اقتصاديًّا وعدوٍّ للغرب، وهكذا عادت اليابان إلى الساحة؛ لأنها بما تقدمه للعالم من مساهمة فى الاقتصاد والسياسة أفضل بكثير مما يمكن أن يتحمله العالم من يابان فقيرة وضعيفة، وكل هذا جاء بفعل أبناء اليابان وجهودهم، فقد أثبتت اليابان لنفسها وللعالم أنها قادرة على النجاح رغم الهزيمة العسكرية ومأساة هيروشيما ونجازاكي، ولم تقتصر على البكاء والنواح.

وإذا كان نجاح اليابان يمكن أن يحسب على السياسة الأمريكية في صراعها مع الكتلة الشيوعية، ومحاولة إيجاد توازن مع الصين الشيوعية، فماذا نقول عن الصين الشيوعية التي ظلت حتى السبعينيات من القرن الماضي في عداوة شرسة مع الغرب الرأسمالي؟ قد يقال إن الصين اعتمدت في نموها الاقتصادي على الدعم الأمريكي لموازنة العدو السوفيتي وإضعافه. ليكن، ولكن هل كانت أمريكا تغامر بالاستثمار في الصين لمجرد عداوة الاتحاد السوفيتي، ما لم تكن الصين قادرة على النجاح والإنجاز؟ كذلك لسنا في حاجة إلى التذكير بأن الصين لا تنتمي إلى الجنس الأبيض ولا تدين بالمسيحية، ومنذ حوالي قرن ونصف (١٨٤٠) حاربتها إنجلترا؛ لأن حكومة الصين آنذاك حاولت أن تمنع تجارة الأفيون بها، ولم تَرَ قوى الاستعمار في الصين حينئذٍ سوى سوق لاستهلاك المخدرات، والآن يشهد العالم بأن الصين هي ثاني أو ثالث قوة اقتصادية.

وإذا تركنا اليابان والصين، فماذا عن الهند التي كانت دُرَّةَ التاج البريطاني لقرون، وقد رحل عنها الاستعمار بعد نهاية الحرب العالمية بعد ضعف الإمبراطورية البريطانية؟ وظلت الهند على الحياد الإيجابي قريبة من المعسكر الاشتراكي مع التمسُّك بكل مظاهر الديمقراطية، وبعد تجربة طويلة — مع غير قليل من الانكفاء على الداخل — انفتحت الهند بعد ذلك على العالم وزادت صادراتها، واستقبلت الاستثمارات الأجنبية، ورغم فقرها فإنها تمثل حاليًّا أحد أكبر الاقتصادات العالمية. وبطبيعة الأحوال، فإن الهند — شأنها شأن اليابان والصين — ليست دولة أوربية أو مسيحية، ومع كل مشكلات الهند العِرْقية فقد نجحت فى أن تصبح — وبجدارة — إحدى مجموعة العشرين، ولم تكتفِ الهند بهجاء الاستعمار وأعوانه، بل أسست لديمقراطية هائلة مع الاستمرار في التصنيع، وأخيرًا الانفتاح على العالم.

وإذا انتقلنا الآن إلى دول جنوب شرق آسيا، والمعروفة بالنمور الآسيوية (كوريا وتايوان وسنغافورا وهونج كونج)، ويضاف إليها حاليًّا إندونسيا وتايلاند وماليزيا، وهذه كلها كانت مستعمرات حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي كلها من أصول آسيوية، وديانات آسيوية متعددة مع نسبة كبيرة من المسلمين، سواء في إندونسيا أو ماليزيا، وكانت كوريا الجنوبية تقارن كثيرًا بمصر؛ لتقارب عدد سكانهما، وكانا متقاربين في الأداء الاقتصادي في الخمسينيات (مع تميز لمصر)، وكلاهما عاصر حروبًا على حدوده (في فلسطين مع مصر، وما تزال كوريا الجنوبية في حالة حرب مع كوريا الشمالية).

ونستطيع أن نضيف أمثلة أخرى مثل: البرازيل وتركيا وأيرلندا، وكلها حققت بدرجات متفاوتة إنجازات اقتصادية وسياسية لا يمكن إغفالها، رغم المشكلات والضغوط الخارجية والداخلية، ولكنها جميعًا نجحت بجهودها الوطنية، رغم أن ظروفها الخارجية لم تكن دائمًا مواتية.

الخلاصة هي أننا لا نستطيع أن نتجاهل ما تعرضت له مصر من ضغوط خارجية، وكذا من مضايقات ومن سوء نية أحيانًا، هناك دائمًا مؤامرات خارجية وأيضًا داخلية — وسوف تستمر — ولكن ليس هذا مبررًا لعدم النجاح، فالنجاح هو مسئوليتنا مع وجود المؤامرات ورغمها، وهذا هو قدر المجتمعات كلها، وليس هناك طريق مرصوف بالورود للنجاح، كما أنه ليست هناك أعذار مقبولة، والكل مسئول عن فشله، والحديث عن المؤامرة ليس إعفاء من المسئولية؛ فالنجاح والفشل مسئوليتنا وحدنا، وكفى البكاء على الأطلال، ولنتحمل مسئوليتنا بشجاعة وعزم. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.