أَكثر القصص التي وردتْ في القرآن الكريم من قَصص الأنبياء في جهادهم لتبليغ رسالتهم، ونشر دعوتهم، ومقاومة خصومهم من ذَوِي السلطان الذين أنكروهم وحالوا بينهم وبين هِداية أقوامهم، وأكثر ما جاء فيه من أخبار الدول والملوك فإنما جاء في سياق أَخبار الدعوة مع سائر أَخبارها. إلَّا أنْ يكون الأنبياء ملوكًا كما اتفق لِدَاوُد وابنِهِ سُليمان عليهما السلام، ففي هذه الحالة تُروى أخبارهم لأسبابها المذكورة في قَصصهم؛ لأنهم كانوا في سلطانهم في غنى عن مقاومة خصوم الدعوة كما قاومها الأنبياء الذين توجهوا بدعوتهم إلى الأمم، فحال بينهم وبينها مُلوكُهَا وأمراؤُها.

وإذا رُوجِعَتْ قصصُ القرآن الكريم مُراجعةً دقيقةً تبيَّن للناظر في مضامينها أن عبرتها الأولى دروس ينتفع بها الهداة ودعاة الإصلاح؛ إذ كان من فرائض الإسلام الاجتماعية أن يندب من الأمة طائفةً () (آل عمران: ١٠٤)، وكان من الأقوال الواردة في الأثر: «أنَّ العلماءَ وَرَثَةُ الأنبياءِ.» فلا يخلو مكان الدعوة في الأمم بعد الأنبياء، ولا يستغني هداتها عن الأسوة الماثلة أمامهم في جهاد الهداية والإصلاح.

ولقد كملت دروس الدعوة في قصص الأنبياء حتى لا مزيد عليها؛ فلا نستخلص من دروس الدعوة في التاريخ كله درسًا واحدًا ليس له نظير، أو نظائر، في قصص الأنبياء التي جاء بها القرآن الكريم.

من تلك الدروس أن الجهلاء ينقادون للأمر والسطوة ولا ينقادون للحجة والدليل، ويريدون من صاحب الدعوة كما جاء في قصة نوح أن يكون ملكًا أو تكون عنده خزائن الله، ويقولون له: () (هود: ٣٢).

ومن تلك الدروس أن أصحاب السيادة في الأمة يكرهون التغيير ويتشبثون بالقديم، ويأخذون على النبي أن يتبعه من غير ذوي السيادة والجاه: () (هود: ٢٧).

أو كما جاء في سورة سبأ: () (سبأ: ٣٤).

ومن تلك الدروس أن الجمود على التقاليد الموروثة أكبر آفات العقل البشري؛ لأنها تُعطِّل تفكيرَه وتتركه في حكم الآلة التي تسير على نهجٍ واحدٍ في آثار الآباء والأجداد مع اختلاف الزمن وتبدُّل الأحوال.

ومنها أن العقائد تخالطها أوشابُ الزمنِ، فلا تزال بحاجة إلى التهذيب والتطهير كلما ابتعد العهد بينها وبين مصادرها الأولى.

ومنها أن الإصلاح تضحيةٌ وعناءٌ، وأنَّ الأنبياء كانوا بين فريقين: فريق يُكذِّبه قومُه، وفريق يقتلونه. ولا مناصَ من القدوة على ما فيها من خطر ومحنة، ولو لم يكن من دليل غير ذلك على أن الدعوة إلى الإصلاح رسالة إلهية لَكَفَى به دليلًا يُغني عن كل دليل، فلا مشيئة لمُصلح في عمله، ولو شاء مُصلِحٌ أن يعمل على ثقةٍ من الأمان والنجاح لَمَا قام في الأرض مُصلحون.

وقد برزت بين قصص الأنبياء قصتان مسهبتان في أجزاء الكتاب؛ لأنهما ترويان لنا نبأ الرسالة بين أعرق أمم الحضارة الإنسانية، وهما: أمة وادي النهرين، وأمة وادي النيل.

وكانت قصة إبراهيم وموسى عليهما السلام من أجل ذلك أوفى القَصص بين جميع قَصص الأنبياء، وكانت الثورة فيهما على ضلال العقل في العبادة جامعة لأكثر العبادات المستنكرة في الزمن القديم، وهي مِمَّا يتلخص في: عبادة الملوك، وعبادة الأجرام السماوية، وعبادة عناصر الطبيعة، وعبادة الأوثان، وتضليل الأبصار والبصائر بالسحر والكهانة.

هذا هو الشطر الأكبر من القصص القرآنية، يُراد به تعليم المصلحين وتربية الهُداة، ولا يُراد به سرد أخبار التاريخ إلا في عرض القصة حيث يقتضيه السياق.

وإن في القرآن الكريم لقصصًا شتى من غير قصص الدعوة أو قصص الجهاد في تبليغ الرسالة، ولكنها تُراد كذلك لعِبرتها ولا تُراد لأخبارها التاريخية، ومنها قصة يوسف، ويصحُّ أن تُحسَب منها قصة إسماعيل عليهما السلام.

فَقِصَّةُ يوسف قِصَّةُ إنسانٍ قد تمرَّسَ من طفولته بآفات الطبائع البشرية، من حسدِ الإخوة إلى غواية المرأة إلى ظلم السجن إلى تكاليف الولاية وتدبير المصالح في إبان الشدة والمجاعة.

وقِصَّةُ إسماعيل تتخللها هذه التجارب الإنسانية في عهد الطفولة كذلك، فيُصيبه نظام الأسرة باختلاف مكانة الزوجة السيدة والزوجة المستعبدة، وتصيبه الغربة المنقطعة عن العشيرة وعن الزاد والماء، وتُكتَب عليه ضريبة الفداء وهي في مفترق الطريق بين الهمجية التي كانت لا تتورَّع عن الذبائح البشرية وبين الإنسانية المهذبة التي تأبى الفداء بالحياة، ولكنها تتورع عن ذبح الإنسان، ثم يُكتَب لهذا الغلام الطريد الوحيد أن يُنمَى إليه أمةٌ ذات شعوب وقبائل تتحول على يديها تواريخ العالم على مدى الأيام.

ويشتمل القرآن على قَصَصٍ غير قَصَصِ الأنبياء في دعواتهم وغير قَصَصِ الأنبياء في تجاربهم الإنسانية، ومنها قَصَصُ الملكين والفتية من أهل الكهف، وما جاء على ألسنة النمل والنحل والطير، وما خُتِمَتْ به قصص الرسالة في دعوة نبيِّ الإسلام ﷺ.

وكلها ينبغي أن تُقرَأ كما تُقرَأ عِظات الهداية وأماثيل العِبَرِ، وكلها مع ذلك مِمَّا يحتاج إلى الفهم والبديهة من المؤرخ الأمين قبل التهجم عليه بمقياس التاريخ الناقص الذي لا يصلح لقياس الحقائق الوجدانية وأولها حقائق الأديان.

ولمصلحة التاريخ ينبغي أن ينظر المؤرخ إلى القَصَصِ الدينية في أناة ورويَّةٍ وعِلم باختلاف النسق بين العقائد والأخبار.

فالمؤرخون الذين تهجموا في هذا المقام على غير وعي، وبغير حذر، لم يلبثوا أن عرفوا الخطأ منهم في حقِّ التاريخ وفي حقِّ العقيدة مجتمعين.

فقد أنكروا الطوفان ثم ظهر أنه من أثبت الأحداث في أنباء جميع الأمم، وأنكروا غواشي الرجوم والزلازل فظهر أنها كانت في أماكنها وفي أزمنتها حيث وَصَفَتْها كُتُبُ الأديان.

ومن دواعي التفسير الوجداني للحوادث أننا نعلم من الدِّين وِحْدَةَ الأصلِ بين أبناء إبراهيم قبل أن يعرف العِلمُ الحديث شيئًا عن وِحْدَةِ اللُّغاتِ السامية ووِحْدَةِ اللُّغات الهندية الجرمانية، فلو لم تكن هناك حقيقة وراء أسانيد الأديان يتهجم مَن ينكرها؛ لَمَا أمكننا أن نفهم كيف عرف الأقدمون أن العربية والعبرية والآرامية والأدومية من أصل واحد، وأن أبناء إسماعيل وأبناء إسحاق ينتمون قبلهم إلى جذم كبير.

ويُعْجِبنا قولُ بعضِ العلماء المحدثين في الغرب عن كتاب الوحي الديني أنه «صوت حي»، ولا يصح أن يُقْرَأ على غير هذا الاعتبار.

والصوتُ الحيُّ الذي تتجاوب به عصور الزمن وتتجاوب به حنايا النفس البشرية أَوْلَى بالإصغاء إليه من قَصَصِ التاريخ أو قَصَصِ الخيال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.