بدأنا اليوميات بحديث الذرة، ونختمها بحديث الذرة. ولكننا بدأناها بالذرة شيطان الشرور المعلومة والمجهولة، ونختمها بالذرة ملك الخير ورسول السلام.

قرأت اليوم أن روسيا ستزود مصر بمحصول تجاربها العلمية في تخير الذرة للأعمال السلمية، وأنها ستسبق اللجنة الدولية التي تشترك فيها أمم الكتلتين للإشراف على استخدام الذرة في هذه الأعمال.

إن خلاف الأمم فيه شر كثير.

ولكنه لا يخلو من خير، ولا يندر في تاريخ هذا الإنسان العجيب أن يكون الخلاف بين الأمم أنفع له من الوفاق.

فليختلفوا إذن ليتنافسوا في كشوف العلم وفتوحه، وليختلفوا ليأمنوا … ما داموا لا يأمنون إلا إذا تبادلوا الخوف من الجانبين.

إن عصر الذرة لعصر عجيب، وهذه إحدى أعاجيبه التي لا تحصى، ولكنها لن تكون خاتمة الأعاجيب.

لعلنا الآن أول الطريق، وما أطوله من طريق!

إن الإنسان ليخطو فيه أشواطًا في السياسة والأخلاق والعقائد، كما يخطو فيه أشواطًا في العلم والصناعة وشئون المعيشة كل يوم.

وسيأتي اليوم الذي تنشق فيه كل ذرة لخدمة كل إنسان، ولا تنحصر القوة الذرية في عنصرين أو بضعة عناصر.

وسيأتي اليوم الذي يضع فيه من شاء من العلماء والجهلاء «شاخصًا» على الأرض حيث كان، فيستمد به قوة الجاذبية كما سنفعل اليوم بقوة الكهرباء.

وسيأتي اليوم الذي يلمس فيه الإنسان حكمة العناية المحيطة بالأكوان في كل ما ينكشف للإنسان من قوى الطبيعة بمقدار وفي أفران.

إن المناجم قد فعلت فعلها في عصر الصناعة حتى أسلمتها لعصر الذرة وهي تسرع إلى النفاد.

إن الصناعة قد فعلت فعلها في تسخير الأمم والأفراد للأفراد، حتى أصبحت في غنى عن هذا التسخير أو كادت تستغني عن أدواتها وآلاتها، وتستعيض عنها بالقوة الكامنة في كل ذرة من ذرات المادة. ولم تكن من الفحم والنفط والبخار، وعما قريب نقول: كل ذرة من ذرات المادة، ولو لم تكن من الأورانيوم والثوريوم.

ماذا كان الإنسان صانعًا بالذرة قبل ألف سنة؟

وماذا تراه يصنع بالشحوم والزيوت بعد ألف سنة، يوم ينقضي فعلها في الاستعمار والاستغلال وجمع القناطير المقنطرة من الأموال؟

لعل الإنسان لا يستعبد الإنسان يومئذٍ؛ لأنه لا يحتاج إلى استعباده ولا يقدر عليه.

ولعل الحرية المبذولة يومئذٍ لكل قوي وضعيف تشبع من مطامع الجميع ما لا يشبعه اليوم غير الإذلال والتسخير.

لعله كله حقيقة من حقائق العيان.

ولعله بعد هذا كله حلم من الأحلام.

ولكنه حلم يزداد ولا ينقص لمن يفسره وهو مفتوح العينين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.