مسألة الأخلاق بين الشبان — تلك المسألة التي أثارتها «أخبار اليوم» في هذا الأسبوع — هي من كبريات المسائل التي تستحق منا أن نعنى بها أشد العناية، وأن نبحث في أسبابها من جميع نواحيها.

ولكننا — مع هذا — نحب أن نضعها في موضعها بعيدًا عن المبالغة التي يميلها الفزع منها؛ إذ نحن نعتقد أن نسبة الفساد في أخلاق الشبان العصريين لا تزيد كثيرًا على نسبته في العصور الماضية، ولكننا نشعر بداء العصر شعورًا قويًّا حاضرًا لأننا نملك وسائل النشر، ونحس مجموعة الحوادث التي كانوا فيما مضى يحسونها متفرقة متباعدة، وما عدا ذلك من الفوارق بين الجيل الحاضر والأجيال الماضية فهو قليل، وإن أحاطت به المبالغة والتهويل.

وليرجع كل منا إلى من يعرفهم من الشبان في بيئته الحضرية أو الريفية؛ فإنه سيجد منهم مئات يعيشون على استقامة وكرامة إلى جانب كل شاب يذاع عنه في الصحف أنه اجترأ على عمل معيب من الرذائل الجنسية، أو رذائل الأخلاق على العموم.

مشكلات الشباب

وعلينا أن نذكر دائمًا أن الأسباب الخارجية أو أسباب العصر والبيئة ليست من مخترعات العصر الحاضر دون غيره، وليست مقصورة على جيل من الشبان دون جيل؛ فإن الدنيا لم تخلُ قط من المغريات بالفساد، وإن المغريات بالفساد جميعًا لا تسقط التبعة الشخصية عن إنسان مسئول، أي غير معتوه، وليس بطفل من الذين لم يبلغوا سن التكليف.

ومن الواجب في كل زمن، وعلى كل فرض من الفروض أن نَتَنبَّه في مشكلات الشباب إلى أمرين؛ أحدهما: تلك الأسباب التي تضعف الشعور بالتبعة والمسئولية، فلا صلاح لإنسان لا يشعر بتبعات عمله، ولا يزال يلقي اللوم على غيره.

والأمر الثاني الذي ينبغي أن نتنبه إليه هو: اجتناب كل شيء يشجع غرور الشباب؛ لأن الشباب يحتاج إلى لجام في داء الغرور، ولا يحتاج فيه إلى منخاس.

وأول مضعفات الشعور بالتبعة حديث الدجاجلة من سماسرة الدعوة الاجتماعية أو الدعوة السياسية عن «مسئوليات المجتمع».

ما هو هذا المجتمع؟

إن أولئك الدجاجلة ليتحدثون عنه كما كان شعراء الأمس يتحدثون عن الدهر المسئول عن كل شيء، وليس في حديثهم طائل على جميع الفروض والاحتمالات؛ لأنه لن يسقط المسئولية الفردية عن أحد ليس بالطفل وليس بالمعتوه.

إنني حين أعلم علم اليقين أن المجتمع مصاب بوباء «الكوليرا» لا أذهب من أجل ذلك فأتناول أنبوبة من جراثيم الوباء، ولا أتَّجِر من أجل ذلك بأكفان القبور، ولا أكف من أجل ذلك عن الحيطة في موضع العدوى، أو في المواضع البعيدة منها، ولا أزال كلما علمت باشتداد الوباء ازداد من الحيطة، ولا أفرط فيها اكتفاءً بإلقاء التبعة في الإصابة على وزارة الصحة، أو على قادم غريب من الخارج، أو على دسيسة من ناقلي الجراثيم.

أنت مسئول وتزداد المسئولية عليك كلما ازدادت أسباب الحذر والانتباه.

ويجب علينا جميعًا أن نذكر ذلك ولا ننساه، ومن نسيه فهو المسئول مهما يكن من شأن المجتمع الذي يعيش فيه.

غرور الشباب

أما الغرور الذي ينفخه في روع الشباب دجاجلة السياسة والاجتماع؛ فإنه ليخيل إلى طائفة من الجيل الناشئ أنهم جيل ممتاز بشهادة الميلاد أو بالولادة بعد سنة ١٩٣٠، لا قبل تلك السنة بسنتين أو بضع سنوات.

المعرفة «الممتازة»!

وحقيقة الأمر أن الجيل الناشئ ممتاز بما يوجب عليه المزيد من اليقظة والاستعداد للعمل النافع، ولم يكن ولن يكون ممتازًا بما يعفيه من اليقظة ومن جهود العمل المُضاعَف بلا انقطاع.

إنه ولا ريب أوفر نصيبًا من التعليم إذا قيس بالجيل الناشئ قبل ثلاثة أو أربعة قرون.

ولكن ماذا كان مطلوبًا من الجيل الناشئ أن يعلمه قبل ثلاثة قرون أو أربعة؟

حساب الجمع والطرح، ومعرفة يسيرة بالقراءة والكتابة، وأسماء بعض البلدان وبعض الواردات منه، ويغنيه هذا للنجاح في معترك الحياة، سواء عمل في التجارة أو الزراعة أو الوظائف الحكومية.

وعشرة أضعاف هذه المعرفة لا تكفي الجيل الناشئ في القرن العشرين للبدء بالخطوة الأولى من خطوات الحياة؛ لأنه يعيش في عصر العلاقات العالمية وعصر التجارب المتناقضة التي ينسخ بعضها بعضًا كل سنة، بل كل شهر، بل كل أسبوع.

فهل هذه المعرفة «الممتازة» باب من أبواب الغرور، أو باب من أبواب التواضع والشعور بالنقص والاستزادة من أهبة الكفاح؟

الامتياز الموهوم

على أن البلية الكبرى أن المخدوع بهذا الامتياز الموهوم من شباب الجيل لا يدري كيف يغتر، ولا نقول: إنه لا يدري كيف يعمل.

فمنذ سنوات جاءني شاب يتميز من الغيظ لأنه بحث عن وظيفة في الدواوين فلم يجدها، ولم يخطر له أن يتحول من هذا المسعى إلى غيره.

قال: إنني أحمل الإجازة المدرسية التي يحملها رئيس الوزارة؛ فبأي حق يتربع على أكبر كراسي الدولة وأتسكع أنا على الأبواب؟

ولم يكن من عادتي قط أن أشجع مغرورًا على غروره، ولا سيما المغرور في سن الشباب، فأجبت صاحبنا بالجواب الذي يستحقه، وقلت له: إنك على حق ولكن بشرط واحد.

قال: ما هو؟

قلت: أن تذهب إلى شركائك في حمل هذه الإجازة منذ عشرين سنة، وتحصل منهم على تنازل شرعي عن الشركة في هذا الحق، وكن على يقين — يا صاحب الدولة — أنني سأذهب معك إلى ديوان مجلس الوزراء، ولا أنزل منه إلا وأنت في الكرسي وصاحبه متسكع على الأبواب.

دع صاحب الدولة هذا وتعالَ إلى قضية من القضايا المرفوعة على المجتمع المسكين يقيمها عليه خادم سفرة، لا يحسن كتابة اسمه، ولا يميز بين رقم ورقم من أرقام التليفون.

يجب على المجتمع المسكين أن يقدم لخادم السفرة هذا:

أولًا: مائتين وأربعين قرشًا — على الأقل — ثمن علبتين من السجائر في كل يوم، ثمن العلبة الواحدة منها أربعة قروش.ثانيًا: سبعين قرشًا ثمن سُكَّر وبنٍّ وشاي.ثالثًا: ورقة بخمسة وعشرين قرشًا في يوم الأحد من كل أسبوع للفسحة والسينما مع من يشاء من خادمات السفرة في الجيران.رابعًا: ثمن بدلة فاخرة تشبه بدلة المخدومين أو بدلة زوار السينما في المقاصير.

وهذا عدا الطعام والمسكن والكساء الممنوح من بيت المخدوم. وخادم السفرة هذا لا يزيد على الخامسة والعشرين، ولا يُقدِّم للمجتمع مقابلًا لهذه المطالب إلا عملًا يسيرًا يتلخص في: صف الأطباق وغسلها، وإحضار بعض السلع من بقال الحارة.

هل يخطر له أن يتنازل عن التدخين؟ أو عن الشاي بالكيزان؟ أو عن فسحة السينما، ورهان السبق، وفضول الفنجرة، وفنجرة الفضول …؟

يا عيب الشوم، وكيف يكون إذن «مجدعًا» يباهي المجادع «بالجبا» على الحساب، ويفاخرهم بأن عشرة قروش على الدخان لا تكفيه في اليوم؟ الدنيا قاعدة تعمل إيه؟ وصاحب الدار قاعد يعمل إيه؟ و«المجدع» قاعد يعمل إيه إن لم يستكرد صاحب الدار ليحصل على ذلك المقدار؟!

هذه الدعاوى على المجتمع شائعة في زماننا، غير مقصورة على فئة من الفئات، ولا على طبقة من الطبقات. ولو أن المجتمع أراد أن يُجِيبَها لمزَّق نفسه تمزيقًا قبل أن يفرغ من حساب مائة دعوى، ودع عنك الألوف والملايين.

المتعلم «المخدوع»

ونعود إلى صاحبنا «المتعلم» الذي تخيل أن إجازته المدرسية رخصة تخوله من باب المدرسة أن يتربع على كرسي الوزارة.

فهل تظن أن «المتعلم» المخدوع بهذا الغرور تكفيه الوزارة أو رئاسة الوزارة جزاءً له على تلك المعجزة الخارقة؟

كلا، بل من حقه هذه «الفيلا» يسكنها كما يسكنها التاجر فلان، وتلك الضيعة يملكها كما يملكها الزارع بدران، وتلك السيارة يقودها كما يقودها ذلك الشاب الميسور، وتلك الخليلة المليحة يستمتع بها كما يستمتع بها ذلك الفنان المشهور، بل من حقه أن يصطحب معه محضرًا قانونيًّا ويخرج إلى الطريق ليوقع الحجز — توًّا — على كل تحفة مشتهاة تقع عليها عيناه، ولو كانت هذه التحف مفرقة موزعة على خمسين أو ستين أو سبعين.

لماذا؟

لسبب واحد: أنه متعلم وهم غير متعلمين، أو أنهم متعلمون وهو مثلهم جميعًا موزونين في كفة واحدة، وهو وحده موزون في الكفة الأخرى من الميزان.

إن هذا المخدوع يستريح ويستريح المجتمع معه إذا علم أنه في العشرين أو الخامسة والعشرين، وأن محصول النجاح إنما يجتمع في الأربعين أو بعد الأربعين، وأن حسابه إنما يقوم على الموازنة بين ما أعطى الدنيا وبين ما أخذ منها، ولا يقوم على التمني والادعاء ومطاردة الناس من حوله بالحسد والافتراء.

ولسنا نقول هذا جهلًا منا بذنوب المجتمع وأخطائه، فإننا قد نعلم منها ما لا يعلمه الكثيرون من أصحاب الدعاوى عليه، وقد نعود إلى تفصيل تلك الذنوب والأخطاء في مقال آخر نزيد فيه بيان المسئولية على من يعيشون في مجتمع تكثر ذنوبه وأخطاؤه.

ولكننا نقول ما نقوله ونعيده لمن يسمعه مستفيدًا منه أو ساخطًا عليه؛ لأننا نعلم أن الأساس الأول لكل إصلاح هو إصلاح الذات، وأن الشعور بالتبعة هو مناط هذا الإصلاح، ومناط كل خلق وكل قانون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.