أيهما أكثر صعوبة: كتابة الشعر أم الرواية؟ هذا سؤال عبثي، والإجابة عنه ستكون أكثر عبثيةً، تمامًا مثل السؤال الذي يُوجَّه لشاعر قرَّر أن يكتب رواية: «لماذا اتجهتَ للرواية؟» فيجتهد للإجابة عن سؤال لا يحتاج إلى إجابة.

في فيلم «العَظَمَة The Prestige» الذي أخرجه «كريستوفر نولان» وقام ببطولته «هيو جوكمان» و«كريستيان بيل»، نحن أمام ساحرَيْن، كلٌّ منهما يُتقن مهنته، لكن مع ذلك يسعى كلٌّ منهما إلى اكتشاف «سرِّ» لُعبة الآخر؛ مفتاح صنعته الذي يجعله يرى النظرة المنبهرة على وجه جمهوره، كلاهما يعمل بنفس الأدوات، لكن المنتَج مختلف.

كلا المبدعَيْن (الشاعر والروائي) يفعل ما يفعله الساحر، معتمدًا على ثلاثة أجزاء كما فصَّل الراوي العليم في الفيلم:

الجزء الأول يُسمى الوعد: يريك الساحر شيئًا مألوفًا. الجزء الثاني يُسمى الدوران: يأخذ الساحر الشيء المألوف ويفعل به شيئًا غير اعتيادي ولكنك لم تصفِّق بعد؛ لأن جَعْلَ الشيء يختفي غير كافٍ، بل يجب أن يعود مجددًا. الآن أنت تبحث عن السر، ولكنك لن تجده؛ لأنك بالطبع لا تبحث عنه بجِدِّيَّة، أنت في الحقيقة لا تريد أن تعرفه، تريد أن تُخدَع. لهذا السبب، لكل خدعة سحرية جزءٌ ثالث؛ الجزء الأصعب، الجزء الذي يُسمى: «التميُّز».

بعض الشعراء لم يتعرَّضوا للخداع، استطاعوا اكتشاف السر، فكتبوا الرواية؛ لأن فن «السحر» واحد، يحق للشاعر/المبدع/الساحر، التنقُّل بين ألعابه المختلفة، وأن يقدِّم جديده، معتمدًا على خبرته في ألعابه الاعتيادية.

لا أميل لمقولة إن الشاعر يكتب الرواية لأنه يبحث عن الشهرة، أو لأنها تحصد الجوائز؛ فهو ليس تاجرًا يبحث عن الأكثر ربحًا، كما أن الشاعر لا يميل لابتزاز عبارة «زمن الرواية»؛ لأنه يعلم كما يعلم الجميع المقولة القديمة أن «الشعر هو أعلى مراتب الفن.» الأمر لا يتجاوز أنه يبحث عن مساحة جديدة للكتابة، تجريب في مساحة أخرى، اكتشاف «سحر» جديد يملك تفاصيله، مستغلًّا فيها أدواته الشعرية؛ ولهذا تبدو روايات الشعراء تحمل لغة مختلفة، يميل النقاد لتبريرها بأن سببها قدومهم من عالم الشعر، مع أن الحقيقة أن هذه اللغة هي سلاح الشاعر الحقيقي الذي يقتحم به العالم الجديد؛ لذا يتميز الشعراء القادمون من هذا العالم، سواء حافظوا على كونهم شعراء فيما بعد أم لا. ففي الأدب العربي نجد تجارب «رشيد الضعيف» و«جبرا إبراهيم جبرا» و«إبراهيم نصر الله» و«سليم بركات»، وفي التجارب العالمية نجد «تشارلز بوكوفسكي» و«بورخيس» و«بول أوستر» و«ميلان كونديرا» و«كواباتا» و«ساراماجو» و«فيكتور هيجو» و«جونتر جراس» و«كازانتزاكي»، و«هيرمان هيسه»، وكلهم بدءوا بالشعر.

قد يبدو من المزعج للبعض الآن التفريق بين أنواع الفنون المختلفة، ونحن نتحدث عن الرواية الشعرية، والسرد في الشعر، والكتابة عبر النوعية، والتداخل بين أنواع الفنون المختلفة، وموت النص الأدبي، والنص المفتوح … فمثلًا الناقد «إدوار الخراط» نشر مقاطعَ من إحدى رواياته في ديوان له باعتبارها شعرًا، وهناك عشرات النماذج للتدليل على هذا. لكن رغم ذلك، ورغم حالة التداخل والكلام عن نصوص تمزج بين الفنَّيْن وفنون أخرى، يبقى كلُّ فنٍّ قائمًا بذاته، فلم يصدر فرمان بإلغاء هذا التقسيم الأدبي، ولا كفَّ الصحافيون عن سؤالهم، أو النقاد عن تبريرهم أو اتهامهم. بل على العكس، يبدو أننا متجهون لمزيد من التمييز الذي لم يَكُنْ موجودًا في بداية النهضة الأدبية العربية الجديدة بدايات القرن الماضي؛ حيث كان يُنظر للكاتب باعتباره مبدعًا لكل الفنون؛ فنرى «العقاد» و«المازني» يكتبان الشعر والرواية، و«شوقي» يكتب الشعر والمسرح، وغيرهم.

لستُ معنيًّا هنا بالقول بأفضلية أحد الفنَّيْن على الآخر؛ فالفن في النهاية واحد، أيًّا كانت الطريقة التي يُقدَّم بها. لكن في معظم الحالات تكون البداية من الشعر. كل الروائيين بدءوا بكتابة الشعر في صباهم، قبل أن يتجهوا للرواية. الشعر كان هو ضربة الموهبة الأولى، لطخة الفرشاة الأولى التي ستشكل الرسم، السُّلَّمة الأولى لصعود الدَّرَج، اكتشاف بدايات الدهشة. حتى في الخيال الجمعي الشعبي؛ يبدو الشاعر هو القادم من «وادي عبقر»، الذي يحمل السحر، ربما يمكن ردُّ هذا إلى حداثة فن السرد العربي نسبيًّا، لكنَّ الأمر أبعد من ذلك في العقل الباطن.

الشعراء عادةً يتجهون لكتابة الرواية، لكن قلَّما تجد روائيًّا اتجه لكتابة الشعر. هذا لا يعني أيضًا صعوبة أحدهما عن الآخر، لكن مفهوم الشعر يبدو ملغزًا قليلًا لمن لم يكتبه منذ البداية. لا أتكلم هنا عن «العَروض»، أو «التفعيلات والقوافي»، فقد تجاوزت قصيدة النثر ذلك من زمن، لكنها هالة الشعر التي تختصر كل شيء في كلمات قليلة.

الشعر يطرح الأسئلة، والرواية تقدم أجوبتها. الشعر هو اللغز، والرواية هي المفتاح الكامن بين الورق. الشعر كلمة، والرواية فقرة. الشعر سَيْر فوق السحاب، الرواية انتظار نزول المطر. الشعر من عالم آخر، الرواية من هذا العالم. الشعر هو السراب، الرواية هي الماء الذي كان سرابًا. الشعر قائم بذاته حتى لو اعتمد على السرد، الرواية وعاء جامع يستطيع أن يضم كل الفنون. الشاعر يملك عينَيْ صقر تنظران للمشهد من أعلى، والروائي يسير في الدروب بحثًا عن خيط طويل. الشاعر يفضِّل أن يحمل لقب «شاعر» حتى لو كتب الرواية، الروائي يتمنَّى أن يصبح شاعرًا. قُراء الشعر قِلَّة لأنهم نخبة، الرواية أكثر انتشارًا حتى بين العامة. الشعر لا يصل إلى «البِست سيلر» ولا يهتم بذلك، الروايات — حتى الرديئة منها — تصبح الأكثر مبيعًا. الشاعر بجناحَيْن، الروائي يقود دراجة في حي شعبي. الشعر صوت الرعد وضوء البرق ونزول المطر، والرواية صعود البذور من الأرض في شجيرات. الشعراء من السماء والروائيون من الأرض.

هل أنا منحازٌ للشعراء؟ طبعًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    سميرة البوزيدي ·٥ مارس ٢٠١٥، ٠:٤٧ ص

    كتابة جميلة لشاعر مزهو بالقصيدة