صمت مريب هذا الذي كلفت به الوزارة، واطمأنت إليه منذ حين، وقد كنا نعرفها تحب الكلام وتَهِيمُ به، وتغلو فيه حين تدعو إليه الحاجة وحين لا تدعو إليه، وحين تُبِيحُه المنفعة وحين تحظره، وحين يكون لها منه مخرج وحين لا يكون.

لقد نشرت عنها الأهرام ما كانت تعتقد أنه الحق الذي لا تشك فيه ولا ترتاب؛ فأسرعت الوزارة إلى تكذيب الأهرام، وأسرعت الأهرام بعد ذلك إلى تحدي الوزارة والوزراء، فسكتت وسكتوا، وآثرت العافية وآثروها؛ فهذه الوزارة التي كانت تقول حين كان القول ينفع وحين كان القول يضر، قد ردَّت نفسها في هذه الأيام إلى صمت عميق كثيف، لا يخرجها منه سؤال ولا إلحاح في السؤال.

زعم الناس أنها قضت في عطاءات جبل الأولياء قبل أن يجتمع مجلس الشيوخ، وقبل أن يجتمع مجلس الوزراء، وأشفقت الكوكب أن يكون ما زعمه الناس حقًّا؛ فطلبت إلى الوزارة أن تنفيه وتنكره، أو أن تعرفه وتبيِّن سبيل الحق فيه، ولكن الوزارة آثرت الصمت وأصرت عليه! وزعم الناس أن أمر هذه العطاءات لم يكن مثبتًا في جدول الأعمال التي كانت معروضة على مجلس الوزراء، ثم أضيفت إليه في وقت متأخر! وأشفقت الكوكب أن يكون ما زعمه الناس حقًّا، وأشفقت الكوكب بنوع خاص أن تُحدِث هذه الإشاعات من الآثار في نفوس الناس ما يُثِير فيها الريب والشكوك التي لا ينبغي أن تثار؛ فطلبت إلى الوزارة أن تنفي ذلك وتنكره، أو أن تعرفه وتبيِّن عذرها فيه، ولكن الوزارة آثرت الصمت وأصرت عليه!

ثم أصبح الناس يوم الخميس، وإذا الصحف كلها قد أجمعت على أن مجلس الشيوخ لم يقرَّ ميزانية الأشغال، وبعض هذه الصحف يوالي الوزارة، وبعضها يخاصمها، وبعضها يعرب عنها، ولم تكن جلسة مجلس الشيوخ سرًّا يشهده المقربون دون غيرهم، وإنما كانت علنية يشهدها من يحبُّ الوَزَارة ومن لا يحبها، فكان الناس معذورين حين صدَّقوا هذه الصحف التي لم يؤخذ عليها الكذب، ولم تُعْرَف إلا بتحرِّي الصدق، وتصوير الحق للقراء في مثل هذه الأشياء. ثم ظهرت مضبطة مجلس الشيوخ، فإذا هي تثبت نقيض ما نشرته الصحف! وتنبئنا بأن المجلس قد أقرَّ بعض الميزانية، وفيه اعتماد جبل الأولياء، وأرجأ بعضها الآخر إلى الأسبوع المقبل.

وزعمت بعض الصحف أن في الأمر تحقيقًا، ولم تدفع الأهرام وغير الأهرام، ومنها صحيفة الوزارة، عن نفسها تهمة الكذب أو الخطأ، ففهم الناس من هذا أنها مصرة على ما روت! وسألت الكوكب عن جلية الأمر، وتمنت على الوزارة أن تظهر الناس على الحق، ولكن مكتب مجلس الشيوخ ظل صامتًا، وظلت الوزارة صامتةً أيضًا! ونقلت الأهرام صباح اليوم بعض ما قالته الكوكب في ذلك، فلم تنكر، ولم تعرف، ولم تنفِ، ولم تُثْبِتْ، وآثرت هي أيضًا صمتًا عميقًا كصمت الوزارة!

وكانت البلاغ هي التي نبَّهَتْ إلى هذا التناقض بين رواية الصحف ورواية المضبطة، ولكنها ظهرت أمس صامتة كما صمتت الأهرام، وكما صمت الشعب، وكما صمتت الوزارة، ولعلها تنتظر الجواب، ونتيجة التحقيق.

ولكن هذا الصمت الذي لزمته الوزارة وأغرقت فيه — بعد ما عرف عنها من كثرة الكلام — مريب؛ لأنه يشكك الناس فيما يجب ألا يشكوا فيه، ولأنه يُثِير في نفوسهم خواطر ينبغي ألا تثار، ونحن نعلم أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، ونعلم أيضًا أن الصمت قد يكون من ذهب إذا كان الكلام من فضة، ونعلم أيضًا أن الصمت يُخْرِج أحيانًا من المآزق ويصرف أحيانًا عن التورط في الشر، ولكنا نعلم أن بلاغة الصمت مختلفة، وأن اختلافها هو الذي يثير الريب، ويدفع إلى الشك؛ فقد تكون بلاغة الصمت إنكارًا وقد تكون بلاغة الصمت إقرارًا، وقد تكون بلاغة الصمت ترددًا وقد تكون بلاغة الصمت ثقة، وقد تكون هذه البلاغة خوفًا وقد تكون أمنًا، وقد تكون شكًّا وقد تكون يقينًا، والناس يفهمون هذه البلاغة بالقرائن، ويقدرونها بالظروف، ويحكمون لها أو يحكمون عليها، حسب ما ينتهي بهم إليه التقدير، ولهذا كان أقل الصمت بلاغة، أو قل أقل الصمت حظًّا من التوفيق، هذا الذي تلجأ إليه الوزارة؛ لأن صلة الحكومة بالشعب في حاجة إلى الصراحة الصريحة، وإلى المواقف الواضحة الجليَّة، التي لا تثير شكًّا، ولا تبعث ريبًا.

فنحن نحب أن نعرف من أي نوع بلاغة هذا الصمت الذي أحبته الحكومة واطمأنت إليه في هذه الأيام؟ أهو صمت المنكر لما جاء في الصحف الواثق بكذبه أو بخطئه؟ وإذن فما لها لا تعلن هذا الإنكار؟! وما لها لا تردُّ الصحف إلى الصدق بعد الكذب أو إلى الصواب بعد الخطأ؟ وهي مكلفة أن تحرص على ألا يُذَاع في الناس غير الحق، ولعلها تستغل هذا التكليف وتتجاوز به الحدود المعقولة، في كثير من الظروف، ومع كثير من الصحف التي تخاصمها ولا تشاركها في الرأي. أهي بلاغة المعترف بأن الصحف لم تخطئ ولم تكذب؟ وإذن فما صمتها على الشر؟ وما سكوتها على المنكر؟ وما إحجامها عن تبيين وجه الحق، وعن تحديد التبعة، واستكشاف المسئولين؟! وهي مكلفة أن تصون النظام كله — ونظامها الخاص قبل كل شيء — من كل عبث، وتحميه من كل فساد، وتعصمه من أن يسوء به الظن، أو يقبح فيه الرأي، أو يرتاب فيه الناس.

يجب على الوزارة أن تقول شيئًا، وأن تقول شيئًا في أمر هذه المضبطة بنوع خاصٍّ؛ فإن من حق الناس أن يستوثقوا ويطمئنوا إلى أن المصادر الرسمية بمأمن من كل ما يجب أن تتنزَّه عنه من أنواع التردد والتشكيك.

هل أقر مجلس الشيوخ ما تقول المضبطة إنه أقره من ميزانية الأشغال؛ فكان عمل مجلس الوزراء مساء الخميس دستوريًّا لا غبار عليه؟ أم هل قل عدد الأعضاء في مجلس الشيوخ فأرجئت الميزانية إلى الأسبوع المقبل؛ فكان ما عمله مجلس الوزراء مساء الخميس تخطيًا لمجلس الشيوخ وتصرفًا في الميزانية قبل أن يقرها البرلمان؟

لو لم يكن في الأمر إلا أن كلام الوزارة يقرر حقًّا ويمحو شكًّا، ويلقي في قلوب الناس الأمن والطمأنينة على المصادر الرسمية، لكان من الحق على الوزارة أن تتكلم ولا تلحَّ في هذا الصمت. فكيف والأمر يعدو هذا إلى شيء آخر، هو تصرف من تصرفات مجلس الوزراء، أدستوري هو أم مخالف للدستور؟

ولقد قال الناس وأكثروا في ميزانية الأشغال، بعد أن أخرجت من مجلس النواب على ذلك النحو الغريب الذي لم ينسه أحد بعدُ، وكان من حق الناس أن يقولوا، وكان من حقهم أن يرتابوا؛ فقد ثبت في مضبطة مجلس النواب أن بعض الأعضاء لاحظ عند أخذ الأصوات أن العدد لم يكن قانونيًّا؛ فلم يحفل الرئيس بهذه الملاحظة، وقالت الصحف إن المصوتين لم يتجاوزوا خمسة وثلاثين، وكتبت الصحف في ذلك، وأنكرت أن تكون ميزانية الأشغال قد صدرت عن المجلس صدورًا دستوريًّا صحيحًا، فلم يقل المجلس شيئًا، ولم تقل الوزارة شيئًا، ولم تغير الصحف رأيها، ولم تعدل الصحف عن شيء من هذا الرأي. وها نحن أولاء نشهد في مجلس الشيوخ قصة كقصة مجلس النواب، موضوعها ميزانية الأشغال نفسها، والناس يعتقدون أن التعجل في مشروع جبل الأولياء هو مصدر ما كان من مخالفة الدستور في مجلس النواب، وهم يعتقدون أن هذا التعجل نفسه مصدر هذا التناقض بين ما نشرته الصحف كلها وما أثبتته مضبطة مجلس الشيوخ.

فكيف تسكت الحكومة على هذا كله؟ وكيف تقبل أن تثور الشكوك وتكثر حول ما ينبغي لأعمال المجلسين ومصادرهما الرسمية من الأمانة والنزاهة والصدق والصواب.

إن الناس يفكرون في أشياء كثيرة، ويتحدثون فيها إذا لقي بعضهم بعضًا، أو خلا بعضهم إلى بعض، ومن هذه الأشياء ما يمسُّ الوقت الحاضر، ومنها ما يمس وقتًا مضى ولكنه ما يزال قريبًا، امتلأت فيه نفوسهم بالشكوك، وانطلقت فيه ألسنتهم بالريب، وهموا أن يشكوا منه، بل شكوا منه بالفعل.

والناس يذكرون الماضي القريب، ويصلون به الوقت الذي نعيش فيه، ويقولون فيكثرون القول، ويستنتجون فيذهبون في الاستنتاج مذاهب كثيرة، والصحف عاجزة عن أن تصور أحاديث الناس ومذاهبهم هذه؛ لأن القوانين الجديدة لا تخلِّي بينها وبين ذلك، ولكنهم يتحدثون على كل حال بأن القوانين لم تصل بعد إلى أن تحظر عليهم الحديث، وهذا الحديث شرٌّ لا خير فيه؛ لأنه يعرِّض سمعة الحكومة لما لا ينبغي أن تتعرض له.

فلتعمل الوزارة في أمر هذه المضبطة شيئًا، أو لتقل الوزارة في أمر هذه المضبطة شيئًا، أو ليصدر عن الوزارة ما من شأنه أن يمحوَ من النفوس كل شك، ويُزِيل منها كل ريب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.