من تزوير الشيوعيين أنهم يخاطبون كل فئة من الناس بالاسم الذي يروق تلك الفئة ويناسب معلوماتها.

فهم يَتَسَمون باسم «التقدميين» إذا خاطبوا طوائف الشبان المتعلمين؛ لأن الشاب المتعلم تستهويه كلمة التقدم وتعجبه دعوة الارتقاء.

أما الحقيقة العلمية التي يقوم عليها الدليل من الواقع، فهي أن الشيوعية أسوأ مظاهر الرجعية بالنسبة إلى الإنسان، سواء نظرنا إلى الماضي أو نظرنا إلى المستقبل الذي يبشر به الشيوعيون.

فإذا نظرنا إلى الماضي فليس من المذاهب الفكرية مذهب يرجع بالإنسان إلى نكسة أحط وأبعد من نكسة هذا المذهب الوضيع.

فليس في الشيوعية عقيدة واحدة لا تصلح لأن يدين بها الحيوان الأعجم، إن كان للحيوان الأعجم نصيب من الاعتقاد أو تكوين الآراء؛ لأن الحيوان يستطيع أن يؤمن بأن الحياة لها «علف» وحظيرة، وأنه لا حاجة فيها إلى الأسرة ولا إلى الوطن ولا إلى الدين ولا إلى ناموس للأخلاق ولا إلى تفاوت بين الأقدار.

لا مانع عند بقرة من البقرات تؤمن بها «التقدم» المزعوم؛ لأنه لا يتطلب منها أن ترتقي خطوة واحدة وراء منزلة البقر السائم، وقد تنحدر عن هذه المنزلة درجات إلى ما دون درجة «الفقاريات» ولا يمتنع عليها بعد هذا الانحدار أن تؤمن بكل ما يؤمن به الشيوعيون.

أما إذا نظرنا إلى المستقبل فليس في مذهب العقول مذهب أشد إنكارًا للتطور من الشيوعية؛ لأنها تنادي بأن الشيوعية هي نهاية التطور في الاجتماع البشري فلا يزال الناس بعدها ألوف السنين، بل ملايين السنيين، وهم واقفون عند هذا الطور بغير حساب لعوامل النفوس ودوافع الحياة.

وإذا اقتربنا من الماضي القريب، ولم نذهب بالرجعية إلى مرتبة الحيوان، فالشيوعيون لا يسمحون لعقل من العقول أن يكشف حقيقة جديدة تخالف «الوحي الأخير» الذي تنزل على عقل كارل ماركس في أواسط القرن التاسع عشر.

أشرنا في مقال سابق إشارة موجزة إلى مؤتمر علم التوليد الذي اجتمع في لننجراد سنة ١٩٣٢ وقرر أن تجارب علم التوليد وتطعيم النبات ينبغي أن توافق قواعد المادية الثنائية التي قررها كارل ماركس، وختم بها علم الإنسان إلى نهاية الزمان.

وفي كل بلد تختلف آراء العلماء وتنطلق الحرية لهم في البحوث العلمية يتقدمون فيها مع تقدم العلم ووسائل الاختبار.

لكن العالم الذي يهديه البحث في روسيا إلى كشف علمي يخالف مذهب كارل ماركس جزاؤه الموت أو النفي أو الاعتقال.

وهكذا كان جزاء «فايلوف» فإنه حكم عليه بالإعدام، وجزاء ليفتسكي أستاذ علم الخلايا، وتلميذه إفديلوف، فإنهما سجنا في معسكرات الاعتقال، وجزاء شتقريكوف وأفرويمسون، فقد نفيا إلى مجاهل سيبيريا، وجزاء أجول وفري فقد نُفذ فيهما حكم الموت، ولحق بهما لفيت واليجن وغيرهم من علماء البحوث الطبية والنباتية، وبخاصة علوم الخلايا والتوليد؛ لأنها العلوم التي كذبت نظريات كارل ماركس التي لا يجوز للعقل البشري أن يكشف نظرية غيرها عن طريق البحث أو طريق التفكير.

هذه أسماء نسوقها للمتعلمين من الأطباء خاصة؛ لأنهم يستطيعون أن يتتبعونها في مراجع بحوثها أو يستطيعون أن يسألوا عنها أولئك الدجالين الذين يتسمون أمامهم باسم التقدميين وطلاب الارتقاء.

أكثر من خمسين عالمًا قتلوا أو سجنوا أو سيقوا إلى النفي السحيق؛ لأن بحوثهم لا توافق الوحي المنزل على كارل ماركس في أواسط القرن التاسع عشر، وهكذا ينبغي أن تكون الحرية العقلية حرية التقدميين وذوي الآراء التي تنطلق من جميع القيود.

***

فإذا تحولنا من جانب البحث العلمي إلى جانب الفن والأدب فلا حاجة بنا إلى أكثر من الحقيقة الماثلة التي لا يستطيع أجرأ الكذابين من الشيوعيين أن يبعث الشك إلى حرف واحد من حروفها، وهذه هي الحقيقة:

أن أيسنين أشهر الفلاحين من الشيوعيين مات منتحرًا.

مايكفوسكي أشهر الصناع من الشيوعيين مات منتحرًا.

إسكندر بلوك أكبر أدباء الشيوعيين في هذا الجيل قتل في حادث مريب.

بونين الكاتب الروسي الذي استحق جائزة نوبل هارب من البلاد الروسية.

ولا ينقضي عام واحد دون أن يصدر الأمر الحاسم من الرقابة بمصادرة كاتب أو كتاب.

وآخر ما صدر من هذه الأوامر في هذا العام أمر بالحجر على إهرنبرج وزملائه، يقترن به أمر إلى المطابع والصحف بتحريم طبع الكتب التي يؤلفونها وتحريم التعقيب عليها.

فإن لم يكن هذا كافيًا فليرجع «التقدميون» المزعومون إلى نتاج روسيا من الأدب في أظلم عهود القياصرة ونتاجها من الأدب في عصر «التقدم والارتقاء».

لقد أنجبت روسيا القيصرية أدباء عالميين من طراز دستيفسكي وتولستوي وترجنيف وبوشكين وأندرييف وشيكوف وغيرهم من الكتاب والشعراء. أنجبتهم في عهد الأمية والاستبداد.

فأين هم أدباء الروس العالميون اليوم؟

أين هم مع ازدحام العالم بالناشرين المسخرين لنشر الآداب الشيوعية في كل بقعة من بقاع المعمورة؟ لم تنجب روسيا الشيوعية أديبًا فردًا من طراز هؤلاء؛ لأن ظلام القيصرية أرحم بالمواهب الإنسانية من مذهب يمسخ الإنسان ويهبط به إلى مراغة الحشرات.

أيها الشبان المتعلمون؟ إن الذي يخاطبكم رجل لم يكن من أصحاب القصور ولن يكون، ولم يكن من أصحاب التركات ولن يكون، ولم يكن من أصحاب الأموال ولن يكون، وإن الشيوعية لن تضيره من جهة المال، بل لعلها تغدقه عليه كما تغدقه على دعاتها المأجورين.

إنما تضيره الشيوعية في شيء واحد وهو كرامته الإنسانية، وليس في العالم شيء بعدها يحرص عليه إنسان.

وهذه هي الوقائع، وهذه هي حقيقة الحال عند هؤلاء التقدميين، فصدقوها أو لا تصدقوها، فما نحن ممن يستجدي التصديق، أو نبسط اليد سائليه ممن يحتاج إليه.

إنما يعنيكم أنتم أن تختاروا بين الآدمية وبين مسخ الآدمية، وأن تعرفوا أين طريق النكسة وأين طريق الارتقاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.