غدًا يُكشف الضر كله عن المصريين، ويرفع الشر كله عن المصريين، ويبسط الخير ظله الظليل على وادي النيل، ويخضر كل يابس، وتعود النضرة إلى كل ذابل.

غدًا لا بعد غدٍ، غدًا قبل أن ينتصف النهار ستشرق في مصر كلها، وأمام المصريين جميعًا، ابتسامة طالما التمستها مصر والمصريون، فلم يظفروا بها، وسينشر الأمل في جميع النفوس ضوءًا قويًّا يمحو كل ظلمة، وسيبعث الرجاء في جميع القلوب حياة قوية تمحو كل يأس، وتعفي على كل ضيق، وسيغدو الفلاحون على حقولهم ضاحكين مبتهجين، يتغنون لذة الحياة، وجمال الأمل، وحلاوة العيش الناعم في بلد لم يعرف أهله إلا النعيم قبل أن يُطوف بهم الدكتاتورية الساقطة، فيرسل عليهم شرًّا مقيمًا.

غدًا لا بعد غدٍ، يجدد المصريون عهودهم مع الرخاء والسعة، ومع اليسر والثروة، ويفيق المصريون من هذا النوم الطويل الثقيل، فإذا هم يتنفسون في هدوء، ويملئون صدورهم من هذا الهواء الطلق النقي الذي لم تفسده الأزمة، ولم يكدره التفكير في أداء الضرائب والوفاء بالدين، ولا الخوف من احتجاز المحصول، وبيع الأرض، وسقوط السياط كأنها اللهب على الأجسام العارية تمزقها تمزيقًا، وتسيل منها دماءٌ لم يحلها الله لأحد إلا بحقها.

غدًا لا بعد غد، تذوق مصر السعادة، بعد أن طالت عشرتها للشقاء؛ لأن غدًا هو اليوم الثامن من هذا الشهر، وهو اليوم الذي يسبق عيد الجلوس الملكي، وهو الذي أعلن وزير المالية الجديد راضي النفس، قرير العين، ناعم البال، باسم الثغر، واثقًا بالقدرة على الوفاء، ثقته بأنه موجود، وبأنه وزير، وبأنه يملك الأمر والنهي، ويقدر على البذل والمنع، أعلن أنه سيحط على المصريين شيئًا غير قليل من هذا العبء الثقيل الذي ينوء بهم، وهو عبء الضرائب.

نعم، غدًا لا بعد غدٍ، سيقدم وزير المالية الجديد بمناسبة عيد الجلوس السعيد إلى المصريين هدية لم يقدمها إليهم وزير من قبله، ولن يقدمها إليهم وزير من بعده؛ لأن اللَّه قد خلقه، بل قدر خلقه منذ أبعد العصور وأقدم الأزمان، بل قبل أن توجد العصور وتعرف الأزمان؛ ليقدم إلى أمته في أشد أوقات الضنك والضيق، وفي أعصب أيام البؤس والعسر، هدية تزيل الهم، وتكشف الغم، وتفرج كرب المكروبين. وما زالت الأيام تتناقله ضنينة به، والقرون تتداوله حريصة عليه، والأقدار تهيئ الرجل العظيم لهذا اليوم العظيم، في هذا الشهر العظيم، من هذا العام العظيم، حتى تبسم الدهر فإذا صدقي باشا يَهوِي عن منصب الحكم، وعن وزارة المالية، وإذا عبد الفتاح باشا يحيى يصعد إلى منصب الحكم، وإذا الأقدار تسعى خاضعة طائعة، ومذعنة مؤمنة إلى حضرة صاحب العزة، كما ينبغي أن يقال، وإلى حضرة الفاضل حسن صبري بك، كما قال صدقي باشا، فتضع في يده الكريمة السخية أعنَّة الدخل والخرج، وأزِمَّة الإيرادات والمصروفات؛ لينظر إلى الفلاح فإذا هو سعيد كأسعد ما يكون الناس، وقد كان شقيًّا كأشقى ما يكون الناس.

وأشهد أن أمر المصريين لغريب، فهم لم يقيموا الأفراح والليالي الملاح، وهم لم يرفهوا على أنفسهم، ولم يظهروا ابتهاجًا ولا سرورًا، ولم يعلنوا اغتباطًا ولا حبورًا بهذا الوعد العظيم من هذا الرجل العظيم لهذا اليوم العظيم، يوم يزول العسر فكأنه لم يوجد، ويقدم اليسر فكأنه لم يبرح الأرض، ولم يفارق أهلها منذ كان الزمان واختلف على أهله الليل والنهار.

أمر هؤلاء المصريين غريب؛ يعدهم وزير المالية بتفريج الأزمة، وإزالة العسر، وتخفيف الضرائب، ويحدد للوفاء بوعده يومًا بعينه لا سبيل إلى أن يتقدم، ولا سبيل إلى أن يتأخر، ثم هم بعد ذلك لا يفرحون ولا يمرحون كأنهم لا يصدقون. أرأيت إلى هذه الديمقراطية كيف أفسدت طبائع الناس وأمزجتهم؟ وكيف دفعت إلى نفوسهم الشك في وعود الوزراء، والإشفاق من أن يعجز الوزراء عن الوفاء بالوعود؟ إن هذه الديمقراطية شر يجب أن يزال. وأي شر أكثر من هذا الذي يغير قيم الأشياء، ويبيح للرعية ما كان محظورًا عليها، ويملؤها شجاعة على أن تسمع وعود الوزراء فترفع الأكتاف، وتهز الرءوس، ولا تحفل بهذه الوعود كأنها صدرت من غير وزير، أو من رجل غير مسئول؟

غريب أمر هؤلاء المصريين؛ إنهم ليجحدون الصنيعة، ويكفرون النعمة، ويقصرون في معرفة الفضل لأهله، وشكر الجميل لمن يسدي إليهم الجميل. لقد كان أيسر أصول الطاعة، وأبسط قواعد الإخلاص، وأوجب واجبات الإكبار للوزراء يقضي على هذا الشعب المصري حين سقط إليه هذا الوعد السعيد أن يتلقاه فرحًا مرحًا مسرورًا محبورًا، كما يتلقى الظمآن أول الغيث بعد أن طال عليه الجدب، وأهلكه أو كاد يهلكه الظمأ، وحرقه أو كاد يحرقه الصدى.

نعم، وكان من الحق على هذا الشعب المصري أن يهرع إلى منقذه من كل مكان، ويسرع إليه من كل وجه ليرفع إليه الشكر خالصًا على هذا الوعد الذي أحيا النفوس، وأقر العيون، ورد إلى الحياة بهجتها وجمالها، ولكن هذا الشعب الجاحد لم يهرع ولم يسرع، ولم يظهر رضًى، ولم يعلن حبورًا، ولم يرفع شكرًا، وإنما انتظر في شك وريب كأنما كان يسمع كلامًا عاديًّا، من رجل عادي، لم تدخره الأقدار لينقذ مصر من الفقر، ويرد عنها عادية الجوع والحرمان.

وإذا وقفت الشعوب من الوزراء هذا الموقف الذي يقوم على الجحود والشك، وعلى الإشفاق والريب، فمن حق الوزراء أن تفتر هممهم، وتضعف عزيمتهم، وأن يسيئوا الظن بهذه الشعوب، ويعرضوا عن الرفق بها، والعطف عليها؛ لأنها لا تستحق رفقًا ولا عطفًا. ويظهر أن هذا أو شيئًا من هذا قد كان، أو حاول أن يكون. فالناس يتحدثون بأن شمس غد ستشرق ثم ستغرب، وبأن ليل غد سيطول ثم يزول دون أن يمس الضرائب تخفيف، أو يحط من أعبائها شيء قليل أو كثير.

وهم يزعمون أن مصدر هذا الإخلاف الذي يخافونه وينتظرونه — والذي لا أخافه أنا ولا أنتظره — أن الشعب المصري لم يُقدِّر وعد الوزير حق قدره، ولم يظهر من الابتهاج له والاغتباط به ما يشجع على الوفاء به، ويبعث على المضي فيه. وهم يقولون: إن وزير المالية مهما يكن عظيمًا فهو رجل من الناس، يعجبه أن يتكلم فيسمع الناس له، وأن يعد فيفرح الناس بوعوده، فإذا لم يحس من الناس ما هو أهل له من التشجيع والتأييد ضاق بالناس وأعرض عنهم إعراضًا.

وهم يقولون: إن فتور الناس لهذه الوعود، وشكهم في إمكان الوفاء بها، واستقبالها بهذا الإعراض الثقيل، كل ذلك لم يَسُؤْ وزير المالية وحده، وإنما ساء رئيس الوزراء أيضًا، فالوزراء متضامنون يشتركون في الخير والشر، ويحتملون جميعًا تبعة ما يأتي كل واحد منهم، فلما رأى رئيس الوزراء أن زميله قد وعد، وغلا في الوعد، وبشَّر وأغرق في التبشير، فلم يلقَ من الناس إلا فتورًا وإعراضًا قدَّر — وهو رجل دقيق — أنَّ هذا الفتور يمسُّه، وأنَّ هذا الإعراض يُصيبه، وأنَّ شكَّ الناسِ في زميله شكٌّ فيه، فضاق بذلك، وكبُر ذلك عليه، وعاتب وزير المالية أو لامه فيما أظهر من رفق وعطف لقوم لا يستحقون الرفق والعطف.

ولو قد كانوا يستحقون الرفق والعطف لأظهروا شيئًا من ذلك، فانسل بعضهم من أحزابهم ليلتفوا حول رئيس الوزراء ووزير المالية، ولكن أحدًا منهم لم ينسل إلى الآن، فهؤلاء الوفديون يجتمعون كأكثر ما اجتمعوا، ويصدرون على الوزارة أحكامًا قاسية مسرفة في القسوة.

وهؤلاء الأحرار الدستوريون لا يزالون حيث كانوا لم يتقدموا إلى الوزارة خطوة، ولم يبسموا للوزارة عن ثغر، بل هؤلاء الشعبيون يقولون إذا خَلَوا إلى الوزراء: إنَّا معكم، فإذا عادوا إلى صدقي باشا قالوا: إنما نحن مستهزئون، فهم ما يزالون يضطربون بين الرئيس ونائب الرئيس، يسرون شيئًا ويعلنون شيئًا، وينتظرون حكم الأيام وتصاريف القضاء. وإذا كان هذا أمر الناس؛ لم يؤيد أحد منهم الوزارة وقد قامت منذ عشرة أيام، ففيم الرفق بهم، والعطف عليهم، والتفكير في تخفيف الضرائب؟! كلا، يجب أن يتركوا وما هم فيه؟ ويجب أن تُؤدَّى الضرائب هذا العام كما أُدِّيت في العام الماضي، وفيما مضى من الأعوام لا تنقص، وإن احتاجت الدولة إلى شيء من المال فلعلها أن تزاد. هذا شعب لا يستحق أن يحكم وتدبر الضرائب فيه إلا كما حكمه ودبر أمواله صدقي باشا.

والناس يقولون أن الأمر لم يقف عند وزير المالية ورئيس الوزراء وزملائهما، وإنما تجاوزهم جميعًا إلى رجل من الأجانب يمثل دولة أجنبية في صندوق الدين، فأنت تعلم أن الفرنسيين قوم يحبون العدل، ويكرهون الجور، ويحبون شكر الجميل، ويكرهون كفر النعمة، فلما أظهر الشعب المصري ما أظهر من الفتور والإعراض والشك أمام هذه الوعود التي بذلها وزير المالية وأكد أنه سيفي بها، ضاق ممثل فرنسا في صندوق الدين بهذا الجحود، وتعصب للوزارة المصرية على الشعب المصري، وذهب إلى رئيس الوزراء وإلى وزير المالية يتحدث إليهما فيما شاع وذاع وملأ الأسماع من تخفيف الضرائب إذا أقبل صباح يوم الأحد الثامن من هذا الشهر.

وقد ظن رئيس الوزراء ووزير المالية — فيما يقول الناس — أن ممثل فرنسا مشفق على الدين من تخفيف الضرائب، فأُكِّد له — فيما يقول الناس أيضًا — أن ليس على الدين بأس من هذا التخفيف الموعود، وظن رئيس الوزراء ووزير الخارجية أن ممثل فرنسا في صندوق الدين يريد من طرف خفي جدًّا أن يتدخل فيما لا يعنيه، ولا يعني فرنسا من أمورنا المالية التي يجب أن تكون مقصورة علينا بحكم الاستقلال، فأشار رئيس الوزراء ووزير الخارجية إلى ممثل فرنسا من طرف خفي جدًّا بأن الخير للأجانب أن يفكروا في مصالحهم، وفي مصالحهم وحدها.

ويقول الناس — وما أكثر ما يقول الناس: إن ممثل فرنسا قد فهم هذه الإشارة الخفية، وعرف أن سعيه لم يُفهم على وجهه، فأشار من طرف خفي جدًّا إلى أنه لم يرد أن يدافع عن الدين، ولا أن يعرض لما لا يعنيه، وإنما أراد أن يظهر شعوره بهذا الجحود الذي لم يتحرج المصريون من إظهاره بما يقدم إليهم وزير المالية في جميل. ويقول الناس — وما أكثر ما يقولون: إن الأمر استقر بين الدولتين، ولم يحدث خلاف ولا شبه خلاف، وإنما كان الصفاء كل الصفاء.

ثم يتخذ الناس هذه الأحاديث علة لما قد يكون من تأخر الوفاء بالوعد، ويتمثل العابثون منهم بهذا البيت القديم:

إمَّا غدًا زعموا

أوْ لا فبَعْد غدٍ

وكان بين المتحدثين رجل مطرق يسمع، ولكنه لا يقول، فلما انتهى القوم من حديثهم إلى هذا الحد رفع رأسه في هدوء، وقال في صوت مِلْؤه السخرية بما كان يقال من حوله: ولكنكم تتركون الأمر الذي ليس فيه شك ولا ريب، وهو أن السكرتيرين الماليين سيسافرون من القاهرة ليلقوا الوزير في هذا اليوم الموعود، وسيسافرون على حساب الدولة طبعًا، وسيقيمون على حساب الدولة طبعًا يومًا أو يومين، وسيعودون على حساب الدولة طبعًا إلى القاهرة، وستُنفق في هذا كله أموال مهما تكن قليلة فإنها تساوي بعض ما ينبغي رفعه من الضرائب عن بعض الفلاحين. ألم يكن أيسر وأدنى إلى الاقتصاد، وأشد ملاءمة لرغبة الوزارة فيه أن يبقى السكرتيرون الماليون في القاهرة، وأن يأتي إليهم الوزير؟ قالوا جميعًا: نعم، ثم أغرقوا في ضحك شديدٍ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.