انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة جديدة بين الكتَّاب في مختلف المجالات، وهي الحديث عن «النهاية»؛ فمنذ ما يقرب من عشر سنوات خرج علينا الكاتب الأمريكي — الياباني الأصل — فوكوياما، بمقالة ثم بكتاب (١٩٩٢) عن «نهاية التاريخ»؛ ففي إثر سقوط جدار برلين وانهيار منظومة الدول الاشتراكية، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، رأى هذا الكاتب أن نهاية الصراع بين الرأسمالية والشيوعية ليست مجرد مرحلة تاريخية في الصراع الأيدولوجي بين المذاهب الاجتماعية، وإنما هي تأكيد للانتصار النهائي للرأسمالية والليبرالية بشقَّيْها السياسي (الديمقراطية) والاقتصادي (السوق)؛ ولذلك فإن التاريخ سيتوقف على هذا المشهد الختامي وليس من بعده من فصول أخرى، فالستار سيسدل، والعالم يعيش في ظل هذه الليبرالية الجديدة.

ولعله من الطريف أن نتذكر هنا أن مقولة فوكوياما لا تكاد تختلف عن مقولة أخرى سابقة لكارل ماركس، قبل ذلك بما يقرب من قرن ونصف قرن، عندما أكد ماركس أن صراع الطبقات — الذي يفسِّر تطور التاريخ البشري فيما أطلق عليه «الجدلية التاريخية» — سوف يتوقف وينتهي إلى الأبد عندما يقام النظام الشيوعي، وعندها سوف نكون بصدد نهاية أخرى للتاريخ، حيث يُسدل فيها الستار وإنما على مشهد مختلف، هو مجتمع الشيوعية! ويكفي أن نستبدل كلمات «الشيوعية» بالرأسمالية في حديث كل منهما لتقرأ فوكوياما الشيوعي أو ماركس الرأسمالي!

ولكن عدوى الحديث عن «النهايات» بين الكتَّاب لم تقتصر على نظريات التطور الاجتماعي، بل إنها أصابت أيضًا عددًا من الكتَّاب في العلوم الطبيعية؛ فها هو دافيد هندلي D. Hindley يُصدِر كتابًا في ذات الوقت تقريبًا (١٩٩٣) عن «نهاية الطبيعة» The End of Physics. وبعد أن يستعرض المفاهيم حول معرفة الإنسان بقوانين الطبيعة، وكيف اعتقد الجميع أنه مع اكتشافات قوانين نيوتن عن الجاذبية والميكانيكا، فقد عرف الإنسان كل أسرار الطبيعة، حتى أن لورد كيفلن Kevlin أهم علماء الفيزياء في إنجلترا في القرن التاسع عشر، كان يعتقد أن الطبيعة قد أصبحت بالفعل كتابًا مفتوحًا، هذا في وقت كانت تعتمل في عقل أينشتاين أفكار غريبة سوف تقلب الموائد وتغيِّر المفاهيم عن الطبيعة والكون، ولم يبدأ القرن العشرون إلا ويعلن أينشتاين نظرياته عن النسبية (١٩٠٥، ١٩١٥)، ومعاصرًا مع هذه النظريات. كانت أفكار نظرية الكم Quantum تؤكد اختلاف سلوك وقوانين الطبيعة في عناصرها الأصغر Micro عما نشاهده في حياتنا اليومية، وأنها لا تعرف القوانين اليقينية التي حدَّثنا عنها نيوتن، بل تخضع لقوانين احتمالية، ومع ذلك يرى كاتبنا في مؤلفه عن نهاية الطبيعة أن ما نعرفه من أسرار الطبيعة يجعلها أقرب ما تكون إلى المشهد النهائي، وعندها سوف يُسدل الستار ونعرف كل شيء عن الكون. ولعل هذه الحوارات حول «نهاية الطبيعة» أو الفيزياء قد أوحت لكاتب آخر أن يحدِّثنا عن «نهاية الزمن»؛ فمن المعروف أن الفارق الرئيسي بين نظرة نيوتن للكون ونظرة أينشتاين له، إنما ترجع إلى اعتقاد نيوتن أن «الزمن» و«المكان» هما مفاهيم مطلقة، في حين يرى أينشتاين فيهما مفاهيم نسبية، وأن مفهوم «الزمن» يتوقف على مركز المراقب وسرعته، وأن الزمن يختلط بالمكان، فهو البُعْد الرابع إلى جانب أبعاد المكان الثلاثة، وقد دعا هذا الخلاف أحدَ الكتَّاب — جوليان بربور J. Barbour — لإصدار كتاب عن «نهاية الزمن»، وهو يستعيد فيه الاختلاف الذي ثار بين فلاسفة اليونان — خاصة هيرقليتس Haraclitus — وبين الفيلسوف بارمنيدس Parmenides؛ الأول يعتقد أن كل شيء في الكون يتغير، فأنت لا تستحم في النهر مرتين، في حين يرى الثاني أن الكون ثابت ومستقر، وما نراه من تغيير ليس إلا وهمًا. وهكذا يرى كاتبنا الجديد أنه قد آن الأوان للعودة إلى أفكار بارمنيدس، وأن الزمن — ومعه التغيير — هو أحد الأوهام البشرية.

على أن أخطر الأحاديث عن النهايات هو ما يتعلق أيضًا بكتاب آخَر عن «نهاية الزمن»، ليس بمفهوم «الزمن» كما عند نيوتن أو أينشتاين أو حتى باربور، ولكن بمعنى «نهاية العالم» وقيام القيامة. ففي كتاب آخَر حديث (١٩٩٦) يحدِّثنا الكاتب دامين طومسون D. Thomson عن مختلف الجماعات على اتساع العالم، التي تنتظر نهاية العالم وقيام الساعة، وهي ظاهرة ترتفع أصواتها عند اقتراب كل ألفية، وقد عاصرناها بمناسبة بلوغ الألفية الثالثة منذ ثلاث سنوات، كما عرفتها أوربا قبل ذلك بألف عام. ويذكر لنا طومسون أمثلة لهذه الجماعات، سواء من عدد من الطوائف الإنجليكية — وخاصة في أمريكا — والتي تنتظر العودة الثانية للسيد المسيح، أو من جماعات أخرى من ديانات أخرى في دول بعيدة مثل اليابان أو كوريا، وتضم هذه الجماعات على اختلاف أنواعها عشرات الملايين من البشر، وبعضهم لا يكتفي بانتظار قيام القيامة، بل يساعد على تحقيق ذلك، وأحيانًا باستخدام السلاح والعنف. وإلى جانب هذا الحديث المتعدد عن أشكال وأنواع النهايات، هناك أحاديث أخرى من كتَّاب آخرين عن نهاية «الجغرافيا»، أو «نهاية السياسة»، و«نهاية الدولة» … والقائمة الطويلة.

وفي هذا الحديث المتصل عن «النهايات»، فقد أردت أن أساهم مساهمة متواضعة بإضافة «نهاية» جديدة هي «نهاية الكلام»، وهي ليست نظرية عامة بقدر ما هي ظاهرة محلية، والمقصود بذلك هو أنك عندما تنظر حولك، وتقرأ ما تكتبه الجرائد، أو تسمع ما تذيعه محطات الإذاعة والتلفزيون، أو تتطلع إلى ما يصدره المسئولون من تصريحات، أو ما يخرج من بيانات عن الاجتماعات والمقابلات، فأنت لن تجد جديدًا لم يكن يقال منذ عشرين أو ثلاثين عامًا، وكأنما الكلام قد انتهى فعلًا وقيل كل ما يمكن أن يقال، ولم يعد هناك من مجال إلا تكرار واجترار ما قيل بالأمس وقبل الأمس. وليس الأمر مقصورًا على الكلام «العام»، بل إن الكلام «الخاص» لا يختلف كثيرًا عن ذلك، فالأحاديث في الجلسات العائلية أو في المناسبات الاجتماعية لا تتضمن جديدًا، فنحن نتحدث عن نفس الموضوعات — وربما مع نفس الأشخاص — في تكرار سخيف أحيانًا وممل دائمًا؛ ومن هنا فإن الفكرة التي أحاول أن أروج لها في هذا المقال، هي أننا وصلنا في مصر — وربما في معظم الوطن العربي — إلى «نهاية الكلام». وَلْنضرب بعض الأمثلة.

افتح صفحات الجرائد أو استمع إلى محطات الإذاعة أو التلفزيون، لترى أو تسمع في مجال السياسة الخارجية، فماذا أنت واجد؟ أننا نؤيد السلام العادل وضمان حقوق الشعب الفلسطيني، وأننا نُجرِي مشاورات مع الأصدقاء حول أهمية السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، الأمر الذي لن يتحقق دون حل عادل وشامل للأزمة، وأن العالم يشيد بمواقفنا في كل هذه الأمور. وإذا قلبت الصحيفة أو غيَّرت المحطة لسماع الأخبار الاقتصادية، فستقابل بيانات وتصريحات عن مشروعات جديدة تُفتتح، ووظائف إضافية تُتاح للشباب، وأن معدلات التضخم تدعو للاطمئنان، وأن اتفاقيات جديدة عُقِدت لزيادة الصادرات في أوربا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وأن الاستقرار عاد لأسواق الصرف، واسترد الجنيه عافيته، وأن البورصة تعاود نشاطها. وإذا حاولت أن تعرف عن الأوضاع الاجتماعية، فسوف تكتشف أننا خصَّصنا أكبر ميزانية للتعليم، وأننا لا نعرف أمراض الصيف، وأن أقل نسبة لمرض «الإيدز» توجد في بلدنا، ولا توجد حالة واحدة للالتهاب الرئوي «سارس». وفي المحافظات سوف تسمع عن مشروعات جديدة تضيف «هكذا» ألف فدان جديدة، و«هكذا» ألف وظيفة جديدة للشباب. وفي الرياضة سوف تعرف — للمرة المائة — أنه إذا لم يكن الأهلي قد فاز بالدوري، فإن الزمالك قد فاز. وللإنصاف فإن المتغير الوحيد ذا الدلالة هو صفحات الوفيات؛ فهناك دائمًا جديد فيها.

وإذا سئمت من كثرة هذه الأخبار السعيدة، لأنها «مسخت» من كثرة الحلاوة، فما عليك إلا أن تفتح صفحات جرائد المعارضة، أو تطالع بعض محطات التليفزيون الفضائية الشقيقة، وهنا عندك نسخة عكسية تمامًا من الكلام؛ في السياسة تقرأ عن الفشل أو العجز العربي، والاستباحة الأمريكية أو الإسرائيلية لمقدراتنا. وفي الاقتصاد تسمع عن «الفساد»، وتهريب الأموال، وأرقام مزعجة عن التضخم والبطالة، وإمبراطوريات الدروس الخصوصية، وانعدام الرعاية الصحية في مستشفيات الحكومة، والتكاليف الباهظة للعلاج في المستشفيات الخاصة.

وإزاء هذا الثبات أو «الاستريوتايب» لكل كلام مكتوب أو مذاع أو مشاهَد، فقد رأيتُ أن أضيف إلى قاموس «النهايات» مفهومًا جديدًا عن «نهاية الكلام» في بلادنا؛ فكل شيء يمكن أن يقال قد قيل بالفعل، وكل شيء يجب أن يقال قد قيل أيضًا، ومع هذا وذاك فإن شيئًا لا يتغير؛ ولذلك فلا مناص من «إعادة» القول وترديد الكلام وتكراره، فالكلام قد أصبح كالأسطوانة المشروخة — أو بالأحرى أسطوانتين — تتكرر وتُعاد بلا جديد أو تجديد، «كله تمام أو كله زفت»، وتستمر المسرحية في فصول متتالية ومتطابقة، ولا جديد كمسرحيات أونسكو. ولذلك فربما كان الفيلسوف بارمنديس هو الذي على حق عندما قال بأن الأصل في الأشياء هو الثبات — أو قُلْ الجمود — وأن التغيُّر وَهْم وهذيان.

عندما يتحدث المتكلم فإنه يفترض إما أنه يقول شيئًا جديدًا لا يعرفه الآخرون، وبالتالي فإن لحديثه فائدة لتعريف الآخرين، وإما أن يقول قوله لأنه يعتقد أن هذا الكلام سوف يغيِّر الأشياء القائمة، وبالتالي فهناك حاجة لحديثه لتغيير الأوضاع، ولكن ليست هذه حالنا، وَلْنأخذ مثالًا حديثًا أثار الكثير من الكلام، وهو موضوع التعليم؛ عندنا وزير للتعليم أصدر كتبًا عن التعليم والعولمة، وأظهرت كتاباته إلى أي حد يدرك المسئول الأول عن التعليم أمورَ العالم المعاصر وحاجات التعليم، فمؤلفاته مليئة بالأرقام والأفكار، ولذلك فإننا نستطيع أن نقطع بأنه «يعرف»، ولذا لا داعي للكلام بغرض تعريفه؛ فهو يعرف. وقامت حملة على التعليم في مصر، اشتركت فيها صحف قومية، بيَّنت إلى أي حد يعاني التعليم في مصر محنة حقيقية، وبطبيعة الأحوال فلم يكن الغرض من هذه الحملة تعريف الوزير ما لا يعرفه، فالمفروض أنه يعرف، وقد أثبت ذلك من خلال كتاباته، ويصبح الغرض هو التغيير، ولكنه لا يتغير أيضًا؛ فما معنى الكلام؟ لقد أصبح الكلام — كنوع من أنواع الفن — كلام من أجل الكلام. فمن هنا اقتراحي بأن نضيف إلى قاموس «النهايات» تعبيرًا جديدًا هو «نهاية الكلام»، والمقصود طبعًا الكلام المفيد الذي يمكن أن يحقق نتائج، أما الكلام في شكل أصوات أو حروف مرصوصة، فإنه وإن كان لا يفيد، فإنه لا يضر كثيرًا. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.