يضطرب في الجو المصري الآن نسيم خفيف سهل تنفسه، وتجد النفوس شيئًا غير قليل من الراحة إليه والاستمتاع به، وأنا بالطبع أتحدث عن الجو المعنوي لا عن الجو المادي.

أتحدث عن هذا الجو الذي تفكر فيه العقول، وتشعر فيه القلوب، وتقول فيه الألسنة، وتجري به الأقلام بالخواطر والآراء، وما أريد أنْ أعلل هذه الظاهرة الجديدة، فأنا أترك هذا التعليل للفلاسفة الذين يحسنونه، ويحسنون التحليل بما يحيط الحياة المصرية من ظروف وما يختلف بها من أعراض.

ولكني ألاحظ هذه الظاهرة الواقعة ملاحظة وأسجِّلها تسجيلًا، وأكتفي بهذه الملاحظة والتسجيل تمهيدًا لما أريد أنْ أقول؛ فقد كان حديث مصر والحرب من الأحاديث المبغضة إلى النفوس، وكان الناس يكرهون أنْ يخوضوا فيها أو أنْ يعرضوا لها لا في مجالسهم الخاصة وحدها ولا في الصحف والمجلات فحسب، ولكن في البرلمان أيضًا. ومع أني لا أقرأ قراءة شاملة ما يكون في البرلمان من حوار وجدال، فقد تخيل إليَّ أني لاحظت في بعض جلسات مجلس النواب في أيام هذه الوزارة القائمة لأول عهدها بالحكم ضيقًا بذكر الحرب وحرصًا على أنْ تظل مصر بعيدة عنها بريئة منها. وكان الناس يرون منذ أسابيع أنَّ الوطنية والإخلاص كلَّ الإخلاص يقضيان بأن تظل مصر مسالمة لا محاربة، ومخلدة إلى الأمن لا متوثبة لحمل السلاح. وكان في الجو المصري — المعنوي طبعًا — شيء ثقيل ملحٌّ، يسعى فيه سعيًا بطيئًا، ولكنه يشعر الكُتَّاب والمفكرين بأن من الخير ألا يتكلموا في شئون مصر التي تتصل بالحرب من قريب أو من بعيد.

ثم أخذ هذا الشيء الثقيل البطيء ينحلُّ قليلًا قليلًا، ويبعد رويدًا رويدًا، حتى خلص منه الجو، وطهر منه الهواء، وأصبحنا نسمع حديث الحرب التي قد تمسُّ مصر، والتي قد تدفع إليها مصر، والتي يجب أنْ تشارك فيها مصر في وقت من الأوقات. ولم يصدر هذا الحديث في لونه الجديد عن الناس في مجالسهم الخاصة وحدها، ولا عن الصحف والمجلات فحسب، ولكنه جعل يصدر عن جماعة من رجال السياسة العاملة ومن القادة المسئولين. وأخذ المصريون يفكرون قليلًا قليلًا في أنَّ من الممكن أنْ يحاربوا، وجعل بعضهم يجهر شيئًا فشيئًا بأن من الخير أنْ يحاربوا، وأخذ جماعة من المصريين يوازنون بين النتائج القيمة والثمرات الحلوة التي نجنيها إذا انتصرت ديمقراطية حلفائنا الإنجليز، والنتائج البشعة والثمرات المرة إذا أتاحت الظروف السيئة الانتصار لخصوم الإنجليز.

وأخذ هذا التطور يَقْوَى شيئًا فشيئًا، حتى أصبح باب الحديث في إقدام مصر على الحرب، أو إحجامها عن الحرب مفتوحًا على مصراعيه، يقول فيه كل قائل، ويجادل فيه كل مجادل، وكنت منذ أسابيع أزعم لجماعة من كُتَّابنا أنَّ هذا الموضوع من الموضوعات المعلقة، التي لا يباح لأحد أنْ يعرض لها، أو يدنو منها في هذه الأيام، وكانوا يقرونني على هذا الزعم أو يخالفونني فيه، وكنت أتحدى المخالفين منهم، وأطلب إليهم أنْ يكتبوا في هذا الموضوع إنْ استطاعوا؛ لنرى ماذا عسى أنْ يصنع الرقيب بما يكتبون؛ فكانوا يحجمون عن الكتابة إيثارًا للعافية، وضنًّا بالوقت أنْ يضيع في كتابة ما ليس إلى نشره من سبيل.

ولكن هذا كله قد تغيَّر الآن، فجعلت الصحف تنشر آراءً صريحة واضحة فيما ينبغي لمصر من موقف في هذه الظروف، وإذا أنا نفسي أشعر بأن هذا الموضوع المغلق قد فُتِحَ للناس، وأُبِيح لهم أنْ يتحدثوا فيه، وقد قلت: إني لا أريد تحليلًا ولا تعليلًا لهذه الظاهرة في جونا المعنوي، وإنما أكتفي بملاحظتها وتسجيلها، وما أريد أنْ أخفي على القُرَّاء أني كنت شديد الضيق بذلك الجو الثقيل الخانق الذي كنا نعيش فيه، والذي كنا نرى فيه الحرب وأخطارها تدنو منا بَشِعة بَغِيضة دون أنْ نستطيع أنْ ندعو الناس إلى أنْ يأخذوا حذرهم ويهيئوا أنفسهم للقاء أخطارها وأوزارها، فقد شعرت منذ أعلنت الحرب في سبتمبر الماضي — كما شعر كل مثقف وكل مفكر — بأن العالم مُقْدِم على ظروف لا يتصور فيها الحياد، لا يتصور فيها الحياد العقلي، ولا يتصور فيها الحياد المادي. فالمفكر الذي يستحقُّ أنْ يوصف بهذا الوصف لا يستطيع أنْ يقف موقف الحيدة أمام هذا الصراع العنيف بين الحق والباطل وبين الحرية والاستعباد وبين الديمقراطية والدكتاتورية إلَّا أنْ يلغي عقله وتفكيره، ويصبح كائنًا كل همه في الحياة أنْ يملأ بطنه، ويُرضي حِسَّه، ويُعْرض عما وراء ذلك إعراضًا. والبلد المستقل الذي يستحقُّ أنْ يسمى بهذا الاسم لا يستطيع أنْ يقف من هذا الصراع موقف الناظر إليه الحاكم عليه من قريب ومن بعيد ليستمتع بحياته فيما يخيل إليه من أمن واطمئنان؛ لأن العزلة في عالمنا الصغير قد أصبحت وهمًا من الأوهام؛ ولأن كل قطر من أقطار هذه الأرض متأثِّر بشرِّ هذا الصراع، سواء أراد ذلك أم لم يرده. فخير للأفراد والجماعات إذا جدَّ الجدُّ أنْ يختاروا لأنفسهم، وأنْ ينهضوا للدفاع عما يرونه حقًّا وعدلًا.

وقد وقفت الدول الصغيرة اليائسة هذا الموقف السخيف، وتعلَّقت بأسباب الحياد، فلم تَجْنِ من موقفها إلا شرًّا، وأكلتها قبل أنْ تأكل المحاربين أنفسهم. فهذه النرويج والدانمرك وهولندا وبلجيكا ورومانيا قد جنت ثمرات الحياد، فلم تكن هذه الثمرات أقلَّ مرارة من تلك التي جنتها فرنسا المحاربة، ولم تكن مصر أحسن حالًا من هذه الدول، التي عللت نفسها بأوهام السِّلْم والأمن، ومنَّتْ نفسها بأماني الاستقلال المحايد، فهي في طريق الدول المتحاربة، وهي حليفة لإحدى هذه الدول، ولا بدَّ من أنْ تمسَّها نار الحرب من بعيد أول الأمر ثم من قريب آخر الأمر، وهي مع ذلك قد خدعت نفسها بأوهام الحياد، وعللت نفسها بآمال السِّلْمِ، وانتظرت خائفة — أو كالخائفة — ما سيتكشَّف عنه الغد، وجعلت تنظر إلى الدول المحايدة تَسَاقَطُ دولةً بعد دولة كما تساقط الأوراق الجافة من أغصانها حين تعصف بها الريح. جعلت تنظر إلى هذه الدول، وترثي لها، وتعطف عليها، وتعلل نفسها مع ذلك بالسلم والأمن في ظل الحياد الذي لا يظل شيئًا، حتى جعلت أسأل نفسي: إلى أي حدٍّ يبلغ قصر النظر بالأمم والأفراد؟! وإلى أي حدٍّ يبلغ قصر النظر بالأمم والأفراد؟! وإلى أي حدٍّ تنتهي الأثرة بالأمم والأفراد أيضًا؟!

وأُعْلنت الحرب بين الإيطاليين والإنجليز، فظلت مصر ثابتة في موقفها ذلك الذي وقفته حين أُعْلِنت الحرب بين الألمان والإنجليز، واشتد الجو المعنوي في مصر ثقلًا، وأصبح التنفس فيه شيئًا لا يطاق، فجعل كلُّ واحد يسأل نفسه إذا خلا إليها: أين نحن؟ وإلى أين نريد أنْ نمضي؟ ثم أصبحت الحرب أمرًا واقعًا على الحدود المصرية، وتجاوز بعض شرها هذه الحدود، واصطلى بنارها بعض المصريين، فقتل من قتل، وجرح من جرح، وهاجر من هاجر، وعاد من الهجرة من عاد، ونحن متعلِّقون بأسباب الحياد، مطمئنون إلى أوهام السلم، حتى جاءت النُّذُر بأن حدودنا قد تُقْتَحم عنوة، وبأن أرضنا قد تطؤها أقدام الغير، وبأن مرافقنا العامة ومصالحنا الخاصة قد تتعرض للأخطار التي تتعرض لها المرافق والمصالح في البلاد التي يصيبها الغزو.

هنالك انتبهنا من تلك الغفلة التي كُنَّا نتعمَّدها، وأفقنا من ذلك النوم الذي كُنَّا نتكلَّف الإغراق فيه. وهنالك لم نسأل الحكومة عما تريد وعما لا تريد، ولم نحاول أنْ نتعرَّف من الدولة ما تأتي أو ما تدع، وإنما سألنا أنفسنا عما نريد وعما لا نريد، وحاولنا أنْ نعرف من أنفسنا ما تأتي وما تدع، وجعل بعضنا يتحدث عن ديمقراطية الإنجليز وعما بيننا وبينهم من الحلف، وعن دكتاتورية الإيطاليين وما يمكن أنْ نتعرض له من الشر إنْ أُتِيح لهم الفوز.

أما أنا فقد فكرت في هذا كله، ووازنت بين هذا كله، ولكني أعترف بأن هناك شيئًا آخر أراه أجدر بأن نفكر فيه ونقف عنده، أستغفر الله، بل أراه أجدر بأن نثور له؛ فقد مضى وقت التأمل والتفكير، وهو أنَّ أرض الوطن معرضة للغزو، ويجب ألا تُغْزى أو يجب ألَّا تُغْزى ونحن جامدون خامدون. وليس يعنيني أنْ يكون الغازي من أنصار الديمقراطية أو من خصومها، وإن كنت أنا من أشد الناس حبًّا للديمقراطية ونصرًا لها، وإنما يعنيني قبل كل شيء أنَّ أرض مصر لا ينبغي أنْ تطأها أقدام الغزاة ولأبنائها قلوب تخفق وعقول تفكر وفي عروق أبنائها دماء تجري.

قبل أنْ أفكر في انتصار الديمقراطية أو انهزامها، وقبل أنْ أفكر في الوفاء للحليفة أو الالتواء عنها، يجب أنْ أفكر ويجب أنْ يفكر المصريون في أنَّ لهم وطنًا قد خُلِقَ لهم، وقد خُلِقَ لهم وحدهم، قد ورثوه عن آبائهم، وأْتُمِنوا عليه ليورِّثوه لأبنائهم، ويجب أنْ يحتفظوا به كما ورثوه أو خيرًا مما ورثوه؛ لينقلوه إلى أبنائهم كاملًا موفورًا وكريمًا عزيزًا. ويجب ألَّا يدخروا في سبيل المحافظة على هذه الأمانة جهدًا ولا مالًا ولا نفسًا ولا دمًا، فإن لم يفعلوا فليسوا أهلًا للكرامة، وليسوا أهلًا للعزة، وليسوا أهلًا للاستقلال، وليسوا أهلًا لهذا الوطن الذي كلفوا القيام دونه والذود عنه.

الشيء الذي يجب أنْ نفكر فيه قبل كل شيء إذن هو وطننا، وحق هذا الوطن علينا، وحقنا على أنفسنا، وما يجب علينا لآبائنا وأبنائنا؛ فإذا فكرنا في هذا كله، وما ينبغي أنْ يحتاج هذا كله إلى تفكير، إذا شعرنا بهذا كله ونهضنا بحق هذا كله علينا، ووقفنا للدفاع عن مصر الخالدة، فقد يجوز لنا بعد ذلك أنْ نوازن بين الحرية في إنجلترا والاستعباد في إيطاليا، وبين الديمقراطية في إنجلترا والدكتاتورية في إيطاليا.

وإذا شعرنا بهذا كله ونهضنا بحقه علينا، ووقفنا للدفاع عن مصر الخالدة وحمايتها من غزو الغزاة وطغيان الطغاة، فقد يجوز لنا أنْ نفكر فيما بيننا وبين أصدقائنا الإنجليز من حلف، وفيما يفرض علينا هذا الحلف من وفاء.

من الخير الذي لا شك فيه أننا جعلنا نستقبل الأمور في صراحة وشجاعة ومضاء، وكان ينبغي أنْ نستقبلها كذلك منذ ظهرت نُذُرُ الحرب، ومن الخير أنْ نتحدث عن الديمقراطية، وحبنا لها وإيثارنا إياها واستعدادنا للدفاع عنها، ومن الخير أنْ نتحدَّث عن الحلف واستعدادنا للوفاء بما يفرضه علينا، فهذا الوفاء أصل من أصول الرجولة.

كل هذا خير، ولكن خيرًا منه — بل أهم منه وألزم لمصريتنا — أنْ نتحدث إلى الشعب بأن أرض الوطن معرضة للخطر، وبأن أرض الوطن هذه تتألف — كما يقول أبو العلاء — من رفات الآباء والأجداد، وبأن من الحق علينا أنْ نمشي رويدًا على هذه الأرض التي تتألف من رفات آبائنا وأجدادنا — كما يقول أبو العلاء — ومن الحق علينا ألَّا نسمح للأجنبي المغير بأن يمشي عليها مشيًا هينًا أو مشيًا عنيفًا. فإذا نبهنا الشعب إلى أنَّ أرض الوطن في خطر، وإلى أنه ملزم أنْ ينهض لحمايتها من هذا الخطر، فقد يصحُّ بعد ذلك، وقد يجب بعد ذلك، أنْ نذكر له نظام الحكم، وأنْ نذكر له منافعه الاقتصادية، وأنْ نوازن له بين حلفائه الإنجليز وأعدائه من الإيطاليين والألمانيين، ويخيل إليَّ بعد أنْ رقَّ النسيم وسهل التنفس في الجو المصري المعنوي أنَّ على قادة الرأي في مصر واجبين خطيرين كل الخطر؛ أحدهما أنْ يُشعروا الأجنبي بأن مصر لن تسمح بأن تكون مطمعًا للطامعين، ولن ترضى بأن تغزى وهي هامدة خامدة، ولن تقبل في ذلك حوارًا ولا جدالًا مهما يكن مصدره.

وسبيلهم إلى ذلك أنْ يعلنوه في صراحة لا تحتمل لبسًا ولا غموضًا، وأن يعلنوه جميعًا لا يتخلف منهم أحد عن إعلانه؛ حتى يَثِق الأجنبي بأنه إنْ أقدم على غزو مصر فلن يجد له فيها نصيرًا أو شيئًا يشبه النصير، والثاني أنْ يبينوا للشعب المصري الذي بعد عهده بالحرب وعلل بآمال السلم والأمن والحياد أنه معرض لخطر الحرب، وأنْ يبيِّنوا له أنَّ هناك تراثًا وطنيًّا يجب أنْ يحاط، ومُثُلًا عليا يجب أنْ تُحْفَظ، وقيمًا للحياة يجب أنْ يُدَافع عنها؛ لأن الحياة لا تصلح بدونها.

هناك الوطن المصري الخالد، وهناك المجد المصري القديم، وهناك أمل المصريين في أنْ يعيشوا أعزة أحرارًا، وفي أنْ يسلكوا إلى الرقي وإلى الحضارة الطريق التي يريدونها هم لا التي تراد لهم أو تُفْرَض عليهم. وهناك النظام الديمقراطي الذي اختاروه لأنفسهم، وبذلوا في سبيله ما بذلوا من الجهد، وقدموا في سبيله ما قدموا من التضحية. كل هذه مُثُلٌ عُلْيا قد اطمأن المصريون إليها، ورضوا بها، وخُيِّلَ إليهم أنهم آمنون عليها من كل عدوان، فيجب أنْ ينبَّهوا إلى أنها معرضة للخطر بل معرضة للضياع، ويجب أنْ ينبَّهوا إلى أنَّ سبيلهم إلى الاحتفاظ بها واستكمال ما لم يستكملوه منها سبيل واحدة لا ثانية لها، وهي أنْ يكونوا رجالًا حقًّا، وأنْ يدافعوا عن وطنهم وعن مُثُلِهِ العُلْيا إذا تعرضت للخطر، كما يدافع الرجال عن الوطن وعن المُثُلِ العليا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.