كثيرًا ما يكون المرء — حتى مَنْ كانت عنده شجاعة خلقية كبيرة — أداة يحرِّكها غيره أو قربانًا وضحية على مذبح الخداع، كما يحدث في عالم السياسة أو في الحياة اليومية المعتادة. وينبغي للمرء أن يَمضِيَ في عمله وفكره لا يبغي تمجيدًا ولا حُسن ذِكْرَى، غير آبهٍ لمدح الناس أو ذَمِّهم؛ فإن طاعة الناس ابتغاءَ مدحهم قد تكون هزيمةً لشجاعته الخلقية.

إن الرجل العمليَّ على كثرة مدحه في هذا العصر الحديث كثيرًا ما يتقدَّم بفكرة واحدة غالبة عليه ليهدم مبدأً عظيمًا، فيكون مثله مثلَ من يقطع بغيظ وجرأة رباط عقد غير كريم، فينقطع العقد وتنتثر حباته، وقد تضيع بعض أحجارها الغالية الثمينة.

إن الأسباب التي يتقدَّم بها إليك إنسان لتفسير سلوكه كثيرًا ما تُغشي رأيه المستتر فيك، فإنه يتقدَّم بالأسباب التي يظن أنها توافق أخلاقك وتُرضيك.

مما يزيد في تواضعنا تتبعنا سلسلة الحوادث الماضية في حياتنا حتى نصل إلى السبب الأول، فنجد سببَ سعادتنا أو تعاستنا سوء تفاهم تافه، أو تأخر طرفة صغيرة، أو أشباه ذلك من الحوادث التي تدلُّ على سخر الحياة؛ إذ إن السعادة أو التعاسة ليست مؤسَّسَة دائمًا على أسباب هامة كبيرة.

يشعر الناسُ بنوع من الغرور والإعجاب بالنفس يدعوهم إلى الغرور بشراستهم والإعجاب بقلة أدبهم؛ إذ يَحسَبُون ذلك فضيلةً فيهم تجعل الناس تهابهم، فيُمعِنون في الشراسة وقلة الأدب ويعتبرونهما ميزةً لهم وحقًّا.

إن القرد يحاكي لمهارته في المحاكاة، والأغنام تحاكي لأنها ليس عندها عزيمة وعقل. الإنسان هو المخلوق الذي قد يحاكي الأمر الذي يكرهه وما يعرف أنه خطأ خشية لوم الناس.

مما يدل على جلال الصدق وضرورته أن الإنسان إذا كَذَبَ مرة تحايل بالكذب مرة أخرى؛ كي يُثبِت أنه كان صادقًا في المرة الأولى، فيمعن في الباطل؛ كي يخفي كذبَه ويكون كالحيوان الذي يحفر جُحرًا عميقًا كي يختفيَ فيه عن الناس. وعمل الإنسان هذا قد يكون سببه الرغبة في الظهور بالكمال، أو قد يكون مؤسسًا على اعتباره أن الكذب مكروه متساوٍ في شناعته، فإذا كَذَبَ كذبة صغيرة شفعها بأخرى كي يخفيها. والعاقل من يعرف أن كلَّ إنسان به شيء من الباطل، فلا يجد داعيًا لأن يتورَّط في الباطل، فيكون شبيهًا بمن يريق الحبر على ثيابه كي يخفي بقعة منه عليها.

إنك إذا أكرمت إنسانًا وكان إكرامك إياه يجلب لك منفعة ومسرة، فإنك لا تستطيع أن تنال دائمًا اعترافَه بجميل ما صنعت؛ لأنه قد يحمله على محمل إرادتك المنفعة والمسرة لك، لا نفعه وإكرامه بالجميل الذي صنعت معه.

إن الناس كثيرًا ما ينفرون ممن لا يخطئ أبدًا، ويسيئون به الظن، كما ينفر الناس ممن عنده ذلاقة يستطيع أن يثبت بها أنه دائمًا على حق.

إذا خدعك من حولك كثيرًا، فاعلم أنك خليق بأن تخدع؛ إما لضعفك وتصديقك كل ما يقال لك، وإما لطغيانك وعدم السماح لهم أن يسمعوك ما تكره سماعه.

إن من الضعف أن تخفي عمن تستشيره فيه خشية أن تطلعه على أسرارك التي تودُّ أن تبقى خافية، وأضعف من ذلك أن تأخذ برأيه ونصيحته عند ذلك؛ لأن رأيه يكون مؤسَّسًا على ما أبديتَ له دون ما أخفيتَ عنه.

لا تطلع أحدًا على سرٍّ قد يضره كتمانه إذا عُرف أنه كان يعرفه، فإن الحذر كثيرًا ما يدعو إلى إفشائه تجنبًا للضرر. ولا تحسبْ أن طلب العطف والمعاونة يسوغ إطلاعك إياه عليه، ولا تُطلع أحدًا على سِرٍّ يزداد عظمة وربحًا بإفشائه، فإن حبَّ العظمة أو الربح كثيرًا ما يغلبان الأمانة.

كثيرًا ما يأخذ المرء بالفكرة الشائعة من غير تمحيص أو بحث، ثم يجادِل ويدافع عنها بكِبْرٍ وازدراء كأنه أفنى عمره في تمحيصِها وبحثِها.

قد يُصِرُّ الرجلُ بعد غضبه على صدق كلمات قالها في حالة فورة غضبه، ولم يكن يريد الأخذ بها لولا ذلك الغضب، فيكون مثله مثلَ من انتقل من حالة هذيان مؤقت إلى حالة جنون دائم.

من الغريب أن الناسَ لا يتقاتلون ولا يتعادلون كما يفعلون ذلك في الأمور العويصة الغامضة التي لا تدركها عقولهم، مثل أمور ما وراء الطبيعة، مع أن عدم فهمهم إياها كان ينبغي أن يعلِّمهم التسامح.

ليس في الناس مخدوع مثل من يَخدَعُ نفسَه بمعرفة نصفِ خِداع المخادع وهو يظنُّ أنه يعرف كلَّ نواياه ومقاصده.

إن كلمة «الناس» كثيرًا ما يقصرها المرء على طائفة قليلة حوله، أو على إنسان أكثر منه دراية ومنطقًا. وهذا ما يصنعه إذا فعل شيئًا أو قال قولًا يريد تأييده، فيقول: إن الناس يريدون ذلك أو يفعلونه، وهذا مثل كلمة «الشعب» التي كان المتطرفون في عهد الثورة الفرنسية الأولى يطلقونها على حثالة الرعاع من الباريسيين.

إن عبد العادة القديمة قد يسخر من عبد الأمور المستطرَفة الحديثة السارية، وكلا الأمرين رِقٌّ ما دام عقل المرء مغلولًا بما يتبع.

كثيرًا ما يَمْقُتُ الناس من يدَّعي الفضل، ويخافون ممن يحاول الظهورَ به، ويَحسبون أن ذلك إساءة إليهم وتحقير لهم، مع أنه قد يحاول بما يظهر به التقرُّب إليهم وإيناسهم، وطلب العطف، ونيل الرضا. وقد ننسى أن كثيرًا من الناس مختلفون عنا، فليس عندنا وسيلة للحكم عليهم.

لكي يمنع الإنسان كبحَ نفسه عن الرذائل من أن يبعث فيه الغرور وما يجره الغرور من الآثام، ينبغي أن يتأمَّل الهاوية التي كان على وشك أن يقع فيها لو أنه لم يَكبَحْ نفسه عن الرذائل بدل الشعور بالكبر والغرور واضطهاد الناس.

الصدق هو أعمُّ مظهرٍ من مظاهر إنكار الذات وأكثرها تنوعًا؛ لأنه كثيرًا ما يتعرَّض بين المرء وبين ما يحب، ولو أن المرء كثيرًا ما يخفي بعضَ الحق، حتى ولو كان صريحًا ببعضه؛ إذ يرى أن إخفاء القليل الذي يعده تافهًا قد يؤدِّي إلى كسب محقَّق، أو يتفادى بإخفائه خسارةً يَرَى أنها محقَّقَة فيُخفيه استهانةً بتفاهته، حتى ولو أدَّى ذلك إلى سوء فهم للأمور. وقول الحقِّ لا يكون إلا بعقل متَّزِن؛ لأن التضليل قد يكون سببه المبالغة التي تكون طبعًا في النفس. أما الاندفاع في القول فهو تضليل غيرُ مقصود، ولكن ذلك لا ينقص من ضرره. وقول الحقِّ ينبغي أن يؤدِّيَ إلى أن يزداد المرء معرفةً بنفسه كما ينبغي أن يؤدِّي إلى قدره غيرَه قدرًا صحيحًا. ولو عرف الناس نفوسهم لتسامح بعضهم مع بعض، وبطل الاضطهاد.

إن الطبع الذي يجمع بين الصراحة في القول والحذر والاحتياط من أن يفهم السامع أكثرَ مما يعني بقوله؛ لا يتهيأ إلا لمن كان سليمَ المقاصد والأعمال، وكان يقدر قدرًا لطيفًا دقيقًا إحساساتِ غيره. وهذه صفات تدله على ما يجوز أن يَحْكِي عن أمور نفسه، وما يجوز أن يتحدَّث به عن أمور غيره بصراحة مقرونة إلى الحذر والاحتياط.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.