نشأ راسين في كفالة «بور رويال» وبقي بعد ذلك شاعرًا مسرحيًّا عظيمًا، ونشأ في الأدب على قواعد «بوالو» وبقي بعد ذلك شاعرًا مسرحيًّا عظيمًا. وفي هذا وذاك دلالة على مبلغ ما عنده من مَلَكة مطبوعة على ذلك الفن من الشعر وذلك الضرب من الرواية.

أما «بور رويال» فكانت معهدًا لأتباع «جانسن»، وهم طائفة مسيحية من أكرم الطوائف خلقًا وأطيبهم سيرة، ولكنهم كانوا يستنكرون المسرح ويحسبون كُتَّابه وشعراءه من «المسممين العموميين» — كما قال «نيقول» أستاذ راسين في صباه.

وكان راسين وأسرته جميعًا معروفين بالتقوى والتدين وإكبار رجال الدين، حتى خطر له حينًا أن يلبس مسوح الرهبانية وحتى لبس هذه المسوحَ مُعْظَمُ بناته، فإذا استطاع أن يخرج من هذه النشأة «شاعرًا مسرحيًّا» بل شاعرًا مسرحيًّا عظيمًا، ففي ذلك ما ليس يخفى من الدلالة على غزارة طبعه وأصالة هذه السليقة فيه.

وأما «بوالو» فهو الناقد الذي فَرَض على كُتَّاب المسرح أن يلتزموا في رواياتهم وحدةَ الزمن، ووحدة المكان، ووحدة الوقعة. وهي شروط زعموا أنهم قبسوها من كتب أرسطو، وليس في كتب أرسطو من تلك الشروط إلا أثر ضئيل، فاستطاع راسين أن يلتزم تلك القيود ويلتزم غيرها واستطاع مع ذلك أن يُجِيد ويوفي على الغاية من الإجادة في كثير من الروايات وكثير من الأدوار، ولا سيما أدوار النساء.

قال بعضُ النُّقاد: إذا كان في العبقرية ذكورة وأنوثة، فعبقرية كورنيل ذَكَر وعبقرية راسين أنثى.

أو كما قال شاعرنا العربي:

شيطانُه أنثى وشيطاني ذكر!

وفي هذا التقسيم تقريب إلى فهم طبيعة الشاعر لا يعدو الحقيقة على الإجمال، فلعلَّه غلب القيود والموانع بوداعة الطبيعة الأنثوية التي قد تنال باللين ما يناله الأشِدَّاء بالسطوة وقوة الشكيمة. ولا جدال في أن «راسين» كان يُحْسِن تصويرَ النساء أكثر من إحسانه تصوير الرجال، وكلما كانت المرأة مرأةً في عواطفها وأقوالها حقًّا وصدقًا كان راسين في تصويرها أبرع وأقدر، وإنما تكون المرأة مرأةً في الصميم حين تحب وحين تغار؛ ولهذا يجيد راسين حين يخلق أدوار النساء المحبات الغيورات.

في هذه الرواية — رواية أندرومارك — أي تصوير للطبيعة الأنثوية أصدق وأجمل من صورة هرميون وهي تعلن حبها أو تخفيه؟! وهي تغري بالانتقام أو تندم عليه؟! وهي تتحدث إلى الرجل أو تتحدث إلى المرأة؟! فقد كملت هذه الصورة كمال الطبيعة فما تصلح لزيادة ولا نقصان.

انظر إليها وهي تزعم بغض الرجل الذي هجرها وتحاول أن تخدع صديقتها وتخدع نفسها في آنٍ … تقول لها صديقتها وهي تُزيِّن لها الفرار مع عاشق آخر «ماذا تنتظرين؟! أن يلقاك بإهانة أخرى؟! إنه ليحب أسيرة بمرآي منك، وكل هذا لا يكفي ليُبغضه إليك، ماذا يستطيع أن يعمل بعد ما عمل؟! لقد ساءك لو كان يستطيع إلى ذلك سبيلًا!»

فتقول: «لِمَ تُريدين أيتها القاسية أن تهيجي أشجاني؟! إني لأخشى أن أعرف نفسي كما هي. جدي في ألا تُصَدِّقي شيئًا من كل ما ترين، اعتقدي أني لم أعد أحب وأثني لي على انتصاري، اعتقدي أن قلبي قد بلغ منه الغيظ حتى جمد. واحسرتاه! وإن استطعت فدعيني أؤمن بذلك، أتريدين أن أفر منه؟! ليكن ذاك، فلن يعوقني شيء، لا تحسد بعد غنيمته الدنيئة، لتبسط أسيرته سلطانها عليه، لنفرَّ … ولكن إذا عاد الخائن فأذعن للواجب، إذا استرد الحب بعض المكان في قلبه، إذا ركب على قدمي يستميحني العفو، إذا استطعت أيها الحب أن تلزمه طاعتي، إذا أراد … ولكن الخائن لا يريد إلا أن يهينني … لنبقَ مع ذلك، لننغص عيشهما، لنلتمس بعض اللذة في أن نثقل عليهما، أو لنُكرهه على أن يفصم هذه العروة الوثقى، لنجعله مجرمًا أمام اليونان جميعًا …»

فهذه امرأة يُزيِّن لها ألمُ الغيرة أن تفر إلى حيث تبعد عن حبيبها وعن ضرتها في حبه، ثم تزعم أنها تفر لأنها تكره، ثم يبدو لها أنها لا تكره وتريد مع ذلك أن تصدق الكذب وأن يحملها الناس على تصديقه، ثم تعدل عن الفرار وتنتحل سببًا للعدول أنها تريد التنعيض والتثقيل، وإنما تريد غير ذلك؛ تريد ما تتمناه وتتخيله واقعًا بين يديها من اعتذار وتذلل واستعطاف لن يكون. وإنها لتيأس ثم لا يحملها اليأس على الفرار؛ لأنها ترجو أن يتم لها بالإكراه من جانبها ما لم يتم بالطواعية من جانب الحبيب الهاجر … ولو تمثلت الطبيعة الأنثوية في هذا الموقف لما زادت على هذه الأسطر القلائل.

وانظر إليها وهي تغري عاشقها بقتل ذلك الحبيب الهاجر المُقْدِم على البناء بغيرها؛ تدعوه إلى قتل الرجل لأنها تبغضه، ثم تراه يتردد فتضرم في نفسه نار الغيرة بحديثها عن حبها القديم للرجل والتخويف من الإبقاء عليه وهي لا تأمن حينذاك أن تعود إلى حبه:

هرميون: أليس يكفيك أني قضيت عليه؟! أليس يكفيك أني قضيت عليه؟! أليس يكفيك أن مجدي — وقد أُهِين — يطلب ضحية تُقدَّم إليَّ وحدي، وأن هرميون هي الثمن لطاغية مظلوم، وإني أبغضه؟! ثم إني يا سيدي كنتُ أحبه، لستُ أخفي ذلك فقد عرف الجاحدُ كيف يعجبني. يعجبني سواء كان ذلك إذعانًا للحب أو لأمر أبي، ليس لذلك خطر، ولكن ثق بأنني أحببتُه. احذر يا سيدي أني — رغم حبي الخائب المستخذي ورغم أسخط العدل الذي تبعته جريمته في نفسي — مُعرَّضةٌ للعفو عنه إذا عاش، أشك ما دام حيًّا في غضب غير محقق، فإذا لم يمت اليوم فقد أحبه غدًا …

وانظر إليها وقد أطاعها العاشق وجاء ينبئها بقتله الحبيب الهاجر ويحسب أنه يتلقى منها الرضا والمكافأة؛ فإذا هي تصيح به وتنحي عليه:

اسكت أيها الخائن، ولا تتَّهِم بهذه الجريمة الدنيئة — جريمة القتل — إلا نفسك! هلُمَّ فاحمل اليونان على أن يُعجَبوا بغضبك، امضِ، إني لأنكر هذا الغضب، وإني لأمقتك أشد المقت أيها المتوحش. ماذا صنعتَ؟! وبأي جنون قطعتَ حياةً مَجِيدة كهذه؟! استطعتَ أيها القاسي أن تنحره اليوم دون أن يثور من أجله دمك كله، ولكن تكلم! من الذي حكمك فيه؟! لِمَ اغتلتَه؟! ماذا صنع؟! من ذا الذي أمرك بذلك؟!

فيقول العاشق: «يا للآلهة! ماذا؟! ألم تأمريني أنتِ هنا بموته منذ حين؟!»

هرميون: آه! أكان يجب أن تُصدِّق في ذلك عاشقةً فقد فقدت الرشد؟! ألم يكن حقًّا عليك أن تقرأ ما في قرارة نفسي؟! ألم تكن ترى أثناء ثورتي أن قلبي كان يُكذِّب فمي في كل لحظة؟! وهبني أردتُ قَتْلَه، أكان يجب أن تطيعني؟! ألم يكن حقًّا عليك أن تستعيد هذا الأمر مائة مرة، وأن تأتي فتستشيرني قبل الإقدام عليه، وأن تأتي مرة أخرى، بل أن تجتنبني؟! هلا تركت لي العناية بالانتقام لنفسي؟! مَنْ جاء بك في هذا المكان الذي يُكرَه فيه لقاؤك؟! هذه هي الثمرة البغيضة لحبك؛ لقد حملتَ إليَّ أيها القاسي ما يتبعك من الشقاء، إنما هي سفارتك المشئومة علينا قد حملته على أن يميل إلى منافستي، ولولاها لقد كان متردِّدًا بينها وبيني. لعله كان يحبني أو لعله كان يتكلف حبي! وداعًا، تستطيع أن تمضي، أما أنا فسأبقى في أبير. إني أرفض اليونان، وإسبرتا، وملكها، وأرفض أسرتي كلها، وحسبي أيها الخائن أنها أثمرت وحشًا مثلك!

وهكذا تشعر المرأة وتعمل وتقول في كل أمة وفي كل زمن، أَمَرَتْه فأطاع فعادت تسأله: من أمرك؟! وعادت تُلقي عليه الذنب وحده؛ لأنه لولاه لما أعرض عنها حبيبها إلى المرأة التي تنافسها! وإنها لترفض المجد والمُلْك لتبقى حيث تحزن على حب ضائع وحبيب قتيل.

وقد درس «راسين» شعراء اليونان واللاتين أكمل دراسة ولكنه لم ينسَ الطبيعة ولم ينسَ عصره ولم يُقصِّر في المحاكاة؛ فالرجل الفرنسي المسيحي في عصر لويس الرابع عشر ظاهر في أبطاله الكثيرين، والمرأة الفرنسية المسيحية في ذلك العصر ظاهرة في بطلاته الكثيرات، ولكن هؤلاء الأبطال والبطلات اليونان لا يستغربون أنفسهم لو شهدوا وجوههم وقلوبهم في روايات راسين؛ لأن الطبيعة الصادقة تجمع العصور والشعوب وإن اختلفت بعض الأزياء والأشكال.

ترجم روايةَ أندرومارك صديقُنا العالِم الأديب الدكتور طه حسين، وذلك مرادف لقولك: إن الترجمة من الدقة، والسلاسة، والصفاء بالمكان المعروف. وستُمثَّل هذه الرواية في موسم الفرقة الحكومية القادم، ويسعد برؤيتها الواقفون على طرف من أساطير اليونان الأقدمين، ولا نستبعد على الجمهور أن يَجِد في رؤيتها بعضَ المتعة إذا وجد بين يديه خلاصة لها وتعريفًا بأبطالها، أو قَدَّمت لها الفرقة بكلمة موجزة قبل رفع الستار، وكل أولئك سهل مقبول لتعويد النظارة هذه المتعة العالية وإمداد العربية بهذه الذخائر من آداب الغربيين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (2)

  • default avatar
    Hamza Skyman ·٢ يوليو ٢٠١٦، ٢٢:٣٢ م

    انها قصة رائعة ومن أجود ماقدم راسين وأبدع طه حسين في ترجمتها بأسلوب لا ينم إلا عن أبداع ورهافة في الإحساس فقد أضفى المترجم جمالية في الاسلوب والإحساس جزاه الله كل خير

  • default avatar
    Mohamed Zouaoui ·٦ أكتوبر ٢٠١٥، ١٦:٢٣ م

    هل توجد ترجمة كاملة لهذه الدراما الشعرية