من أنباء «القوقاز» أن الجليد تساقط على إقليم «بنزا» بلون الورد، وعللت شركة الأنباء التي نقلت الخبر تلك الظاهرة الطبيعية فقالت: إنها حدثت على أثر «عاصفة رملية من الصحاري الأفريقية هبَّت في الحادي والعشرين من هذا الشهر؛ فاختلط لون الجليد بألوان الرمال الصحراوية.»

هذه ظاهرة طبيعية لو حدثت قبل ألف سنة لفهم الناس، أو حاول الكهان أن يفهموهم، أن غضب اللَّه يمطرهم من فوقهم دمًا؛ ليُنذرهم بالحرب والبلاء، ويتوعدهم بالجزاء الذي يلتقي فيه غضب الأرض بغضب السماء.

وتصحيح أوهام الجهلاء حسنة من حسنات العلم في هذا الزمن، ولكن الأحسن منه هو تصحيح أوهام العلماء «الفطاحل»، ممن تعودوا في الأزمنة الحديثة أن ينكروا كل حادثة يرويها التاريخ في سياق الحديث عن خوارق العادات؛ فإن التاريخ القديم حافل بمئات من الحوادث جَهِل الناس يومئذ ظواهرها الطبيعية، فسلكوها في عداد الخوارق والأعاجيب، ثم جاء علماء العصر الحديث فكانوا أعرق في جهلهم من أولئك الجهلاء الغافلين، وأنكروا الحوادث كلها كأنها غير قابلة للحدوث على وجه من الوجوه، بل أنكروا أن يكون لها أثر في حركات التاريخ وأطوار الأمم، وهي أبلغ أثرًا من أكبر الحوادث المقررة في أوانها؛ لأن العبرة بما اعتقده الناس من أسبابها، وربما رتبوه من أعمالهم لاجتناب تلك الأسباب، واتقاء غضب اللَّه واكتساب رضاه.

وقد روي عن بعض الفلاسفة الإسلاميين — كذبًا على ما نظن — أنه شك في وجود قوم «عاد»، وفي الريح الصرصر العاتية التي هبت على ديارهم فأهلكتهم وتركتهم عبرة لمن بعدهم، ثم جاءت الكشوف الحديثة فأثبتت أن بعض المدن التي تناولتها أخبار «عاد» قد هدمتها الزلازل والأعاصير ثلاث مرات، وقام بعضها على أنقاض بعض في حقبة بعد حقبة من تاريخها الطويل، فهي في عالم الوقائع تاريخ أصدق من مذاهب الفلسفة التي دان بها علماؤها المتشككون، واعتقاد الناس في أسبابها التاريخية حقيقةٌ أثبَتُ من حقائق العلم ونظرياته التي طال فيها الخلاف، وقد يطول بعد اليوم سنوات وسنوات؛ لأن هذا الاعتقاد قد ترتبت عليه عِبَر التاريخ الواقع في ضمائر الناس، وهو العامل الأكبر في توجيه العقول إلى التفكير كما فكَّرت، والعمل كما عملت، ولم تزل نتائجه تتسلسل في أفكارنا وأعمالنا إلى هذه الأيام.

إذا صحح العلم أوهام الجهلاء، فالمطلوب قبل ذلك من السادة العلماء أن يصححوا أوهامهم وهم يحاولون أن يفهموا التاريخ، كأنهم قد صححوا ظواهره الطبيعية لأهله، وقد كان أهله «طبيعيين» في شعورهم وعملهم، بل كانوا أصح منهم في الانقياد.

رابعة العدوية

يقول السيد «سعد صادق محمد» من جماعة أنصار السنة المحمدية ردًّا على ما جاء في اليوميات عن السيدة رابعة العدوية:

قلتم: إنه لا يحق لأنصار السنة أن ينكروا على عابد أو عابدة زيادة الصلاة على الصلوات الخمس …

وردُّنا على هذا أننا لم نعترض على رابعة لأنها كانت تقوم الليل بعد أداء الصلوات المكتوبة، كما كان يفعل الرسول ﷺ؛ بل اعترضنا على أنها كانت تصلي ألف ركعة في الليلة دون أن تعطي جسدها حقه، كما يقول الرسول في الحديث: «إن لجسدك عليك حقًّا …»

وقلتم: إنه لا حرج على مسلم متدين أن يطيع اللَّه حبًّا لطاعته، ولا ينتظر الثواب ثمنًا لطاعته.

وردُّنا على ذلك أن القرآن الكريم يقول لنا في سورة آل عمران: ()، ويقول مثل ذلك في كثير من الآيات … إلخ إلخ.

ونحن نجتزئ بهذه الأسطر من خطاب السيد السني لأنها تدل على باقيه.

ولا نحتاج — ولا يحتاج غيرنا — إلى عِلمٍ كثير بالسنة المحمدية لنعلم أن هذه السنة السمحة تأبى على المسلم أن يتعجل إلى اتهام الناس أخذًا بالظن والإشاعة، وأن يحرم على صاحب الدين أن يطيع اللَّه حبًّا للَّه، لا طمعًا في الأجر وخوفًا من العقاب.

ولقد كان في وسع السيد السني أن يسأل نفسه قبل أن يتعجل باتهام السيدة رابعة وإدانتها: هل يصح عقلًا قول الرواة الذين زعموا أنها كانت تصلي في الليلة الواحدة ألف ركعة؟

إن الركعة إذا استغرقت دقيقة واحدة وجب أن تقضي «رابعة» في صلاتها سبع عشرة ساعة على الأقل، غير فترات الراحة والانتقال بين الركعات.

فإذا فرضنا أنها فعلت ذلك بضع ليال متواليات، فلا بد أنها قد أحست بعد ذلك بالإعياء؛ فعرفت لبدنها حقه، ولم تتابع الصلاة ألف ركعة كل ليلة على هذا المنوال مدى الحياة.

فإذا قدَّرنا أنها لم تُمسِك عن موالاة الصلاة، فليس بالمعقول أن تتأتى لها القدرة على احتمال هذه المشقة طول حياتها بغير معونة من اللَّه؛ كرامة لها، وتقبُّلًا منه لعبادتها.

فهل في وسع السيد السني أن يفترض هذا الفرض، ثم يعترض على عمل لا سبيل إليه بغير معونة من اللَّه، وكرامة من كراماته — جل وعلا — للأولياء؟

لقد كان على السيد السني أن يراجع نفسه قبل أن يتعجل باتهام إنسان ما قد ثبت أنه على حال من ثلاث حالات لا معدى عنها: فإما أنه لم يرهق نفسه بالصلاة ألف ركعة كل ليلة؛ لأن الشك في الخبر هو المعقول.

وإما أنه أرهق نفسه ثم عرف لبدنه حقه؛ فأمسك عن هذه المشقة.

وإما أنه قد أُعين عليها بكرامة من كرامات اللَّه لعباده الصالحين.

فأي حالة من هذه الحالات يجوز للسيد السني أن يعترض عليها؟

وإذا سمح السيد السني لنفسه بالتعجل إلى أمثال هذا الاعتراض؛ فالأمر الذي تأباه عليه سنة النبي وسنة العقل الذي أمرنا القرآن الكريم بالاحتكام إليه، أن يجعل طاعة اللَّه حبًّا للَّه عيبًا يؤاخذ عليه أحد من عباد اللَّه.

فالمحب لرضوان اللَّه لا ينكر الثواب والعقاب في الدنيا ولا في الآخرة، ونحن في كل مكان نرى سنن الثواب والعقاب، ولكننا لا نعيب الإنسان الذي يقول: إنه يجتنب السرقة لأنه يعافها، لا لأنه يخاف السجن، وأنه يبذل المال صدقة وإحسانًا؛ لأنه يستريح إلى العطف على المسكين، ولا ينتظر الربح والفائدة على رأس ماله.

فكيف نعيب من يحب اللَّه أكثر من حب المواطن الصالح للقانون؟ أو من يقول: إنه يعظم اللَّه لعظمته، وينتهي عن عصيانه ترفعًا بأخلاقه ومروءته عن تلك المعاصي، لا لأن اللَّه يستحق التعظيم بثمن، وأن المعاصي لا تعاف ولا تجتنب ما لم يكن عليها عقاب؟

إن صلاح النفوس درجات — يا أخانا السني الغيور على السنة — وأرفع من درجة الصالح الذي يطلب الثمن لصلاحه، ويحذر الشر خوفًا من عقابه، أولئك الصالحون الذين استقامت ضمائرهم على حب الصلاح؛ لأنه جميل حسن، وعلى كراهة الشر؛ لأنه قبيح مرذول.

وكلمة في أذنك، بيني وبينك، يا سيد يا سني يا غيور على السنة:

سُنَّة «محمد»، صلوات اللَّه عليه، سُنَّة يُسر وسماحة وعفو ومعافاة، وليست سُنة عُسر وعَنت واستعلاء على الناس بالإدانة والاتهام لكلمة تُقال أو إشاعة تُذاع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.