حركة المستقبل

في التاريخ الإنساني كله لم تقم قط حركة عظيمة على الماضي العقيم، وإنما تقوم الحركات العظمى جميعًا على الرجاء في المستقبل، وعلى شيء يمكن أن يتحقق في الحياة، وشيء يبقى أبدًا موضع الرجاء البعيد.

وهكذا كان ظهور الإسلام على يد النبي محمد عليه السلام، كان انفصالًا من الماضي، وتصحيحًا لأخطائه، وتجديدًا للقديم البالي من تراثه. وكان تجديد القديم نفسه بمثابة الخلق الجديد؛ لأن ما أعاده الإسلام من الأديان السماوية السابقة إنما استجد في شعب غير شعوبها، وفي بيئة غير بيئاتها، وفي أحوال مستأنفة غير أحوالها التي نشأت فيها، فكانت صبغة الجديد فيه أظهر وأقوى من صبغة القديم.

لن تقوم حركة إنسانية قوية على رجعة … وإنما تستطيع الرجعة أن تعوق الحركات، ولكنها لا تستطيع أن تدفعها قدمًا ولا أن تزج بها إلى الأمام.

قال لي صاحبي وأنا أذكر له ما تقدم: ألعلك قد نسيت من كان مع محمد عليه السلام في هذا اليوم، يوم الهجرة من مكة إلى المدينة؟

قلت: من تعني؟

قال: أعني أبا بكر وعليًّا عليهما الرضوان، فما كان «علي» وحده نصير الهجرة في هذا اليوم، وإنما كان لها نصير آخر هو الشيخ أبو بكر أو الكهل أبو بكر، فكأنما كانت الهجرة للمحافظين كما كانت للشبان الناشئين.

قلت: بل أنت الذي نسيت … فهل لك أن تذكر ماذا فتح الإسلام لأبي بكر من عوالم الحياة؟ هل رجع إلى الماضي أو أقبل به على المستقبل؟ هل مشى به في حركة إلى الأمام أو قفل به في رجعة إلى الوراء؟

فالحق أن الإسلام كان يمثل المستقبل للشيخوخة كما كان يمثل المستقبل للشباب، كان ينفصل من حالة لا تبقى، ويتصل بحالة يرجى لها البقاء، كان يفتح أمام أبي بكر — لا أمام علي وحده — باب الحياة الصالحة في الدنيا وباب الحياة الخالدة في الآخرة، وكان ينعي لهما حياة الأصنام وحياة الرءوس التي لا تفهم من الرأي إلا ().

فليذكر هذا جميعه من يتحفزون للنهوض، ومن يبتغون الحركة، ويقودون الخطوات المقبلة في عجلة أو أناة: لن تتحرك أمة إلا إذا فتح أمامها باب المستقبل، ولن تلتفت إلى الماضي إلا إذا كان فيه التقاء بالمستقبل، ولن تعيره الحياة إلا وهو مبعوث من جديد في صورة الخلق الجديد، كما انبعثت الأديان السماوية الأولى بين العرب وهم غير أهلها الأولين، وهي غير عريقة فيهم، إنما هي إنشاء حركة إلى الأمام ولم تكن فيهم قط حركة إلى الوراء.

سنة روحية

وقال لي صاحبي: يا عجبًا! ألا تراها تمطر؟

قلت: وأي عجب في ذلك؟

قال: إنما تعودنا أو عهدنا المطر في أول السنة الميلادية؛ لأنها مقرونة في أذهاننا بالأجواء الأوروبية.

أما المطر في سنة البادية وسنة الشمس الصاحية، فهذا الذي لاح لي عجبًا لأول وهلة، وإن لم يكن فيه من عجب بعد الروية.

قلت: لقد شهدنا أول السنة الهجرية من سنين والدنيا لا تطاق من القيظ، والسماء ترمي بالشعاع ولا تبض بالماء. ولقد كان اختلاف المواعيد في مقدم السنة الهجرية على غير اختيار من أحد يريده أو يعنيه، ولكنه — وقد كان — خليق أن نبحث له عن مزية، وأن نرحب بما فيه من فضيلة، وحسبه فضلًا أنه قد جعل السنة الهجرية سنة روحية لا علاقة لها بمواسم الأرض ولا بأدوار الفصول، فليست هي من سنوات الفلك ولا من أشواط الدنيا التي تحدها هذه الأرض وهذا الفضاء، ولكنها من سنوات العقيدة والروح، وهكذا يجمل أن تكون الأعوام التي تؤرخ بها الأديان.

إحياء وإحياء

أين الضجة في أول يناير من الضجة في أول محرم؟ ألسنا في القاهرة المصرية؟ ألسنا في عاصمة أمة شرقية؟ فلماذا نحس «مقدم يناير» في كل مكان، ولا نحس لمقدم محرم أثرًا في غير المساجد أو ما شابه المساجد من دور العبادة ومجالس الاعتبار؟

سبب هذا متصل بما تقدم، سبب هذا متصل بالمواسم والفصول وأدوار الزراعة وأعياد الحقول.

سبب هذا أن احتفال الأوروبيين «بأول السنة» سابق لاحتفالهم بمولد السيد المسيح؛ لأنهم كانوا يحتفلون في هذا الموعد — أو حواليه — بانتقال الشمس وابتداء الخصب واليسار، فلما اتفق التاريخان جمعوا بين الاحتفالين، وخلطوا بين إحيائهم لأعياد الطبيعة وإحيائهم لأعياد الدين، وما كانوا في هذه الخصلة بالقدوة التي نقتدي بها نحن الشرقيين، في إحياء هجرة النبي وإقامة معالم الدين.

فلا السيد المسيح يرضى أن تكون الحفاوة بميلاده على ذلك النحو الذي نراه في الأندية والطرقات، ولا رأس السنة الهجرية بخاسر شيئًا من معناه إذا لم نشهد في طرقات العاصمة من يترنحون ويتصايحون ويتهالكون تمجيدًا لذكراه!

معناه العقيدة

إنما كان معنى هذا العيد أنه عيد العقيدة أو عيد الشدة والبأس في سبيل العقيدة.

وقد قلنا في سنة قبل هذه أن ابن الخطاب رضي الله عنه قد أُلهِم إلهام النبوغ يوم اختار مناسبة الهجرة النبوية لابتداء السنة الإسلامية، وفضَّل هذه المناسبة على أيام النصر وذكريات الفتوح؛ لأن مقياس العقائد هو ما تحتمله في سبيلها من الشدائد وما تكافح في مجالها من العقبات، وليس مقياسها النصر والفلاح، فكل الناس معتقدون مؤمنون حين يقترن الاعتقاد بنصر ويقترن الإيمان بفلاح، ومن كان معتقدًا مؤمنًا في إبان الشدة والبأس فهو ذاك الذي يعرف لب دينه وينفذ إلى حقيقة هداه.

وهكذا صح للتاريخ الإسلامي أن يكون تاريخ اعتقاد وعنوان ثبات واجتهاد؛ تعليمًا لمن يريد الصبر على الدعوة والهداية، ومن يقيس الإيمان بما تجشم فيه من شدة وما صادف فيه من محنة، ثم استحق بشدته ومحنته ما يرجوه من تأييد وفلاح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.