وعدت القراء أن أعرفهم بالكاتب الصيني المبدع الذي يسمي نفسه «لِن يوتانج»، وبكتابه «أهمية الحياة». وهو خير ما له فيما أعلم، وأشهر ما أخرج، فإن الطبعة التي أمامي هي الحادية عشرة، وقد ظهرت في يوليو في سنة ١٩٤١، والأرجح أن يكون قد أعيد طبعه بعد ذلك غير مرة.

وهو صيني صميم يصدق عليه ما قاله في وصف قومه من أن مزاجهم القومي قوامه أربع حبات من الواقعية وحبة مفردة من الأحلام، وثلاث حبات من الفكاهة ومثلها من الإحساس. ويستفاد من هذا التركيب أن حظ الصيني من الإحساس جزيل، وهذا في رأي يوتانج هو تعليل أن الصيني يحب الحياة حبًّا جمًّا، وأن نظرته الفلسفية إلى الحياة هي نظرة الشاعر، والفلسفة في الصين — على قوله — «زوجة الشعر» لا العلم كما هي في الغرب، ولكن حظ الصيني من «الواقعية» أجزل؛ ومن أجل هذا يتقبل الحياة كما هي، ويرى أن عصفورًا واحدًا في اليد خير من عصفورين أو أكثر على الشجرة، فإذا قال الخيالي إن الحياة حلم، قال له الصيني: «هذا صحيح، وعلينا إذن أن نحيا هذا الحلم على أجمل صورة ميسورة.» ولكنها واقعية الرجل الذي فتح عينيه واستيقظ، لا واقعية التاجر أو «رجل الأعمال». والصيني يحلم، ولكنه يعلم وهو يحلم أنه يحلم، ولا يخلط حلمه بالحقيقة، وإن كان يزيدها به جمالًا، ومن أجل هذا يحب السلم؛ لأنه ما من أحد يقاتل بعنف من أجل ما يعلم أنه ليس سوى حلم.

وخير ما تثمره هذه الواقعية أنها تنقِّي فلسفة الحياة وتصفِّيها، وتخليها من التوافه والحواشي وما ليس له قيمة جوهرية، وتجعل الغاية من الحياة أن تحيا.

والصيني يحيا حياة أقرب إلى الطبيعة وإلى الطفولة، وهي حياة يقول يوتانج إنها تكسب الغرائز والعواطف حرية لا تباح لها في الغرب؛ لأن الصيني يسيء الظن بالمنطق والعقل نفسه، ولا يحب أن يكد خاطره بلا موجب، ومن المأثور عن كنفشيوس أن رجلًا قال له إنه يفكر ثلاث مرات قبل أن يعمل، فقال الحكيم الصيني: «التفكير مرتين كافٍ جدًّا.» والحياة الصينية مزيج عجيب من الجسد والروح ومن عمق الحكمة وخفة المرح، ومن السفسطة وبراءة الطفولة وغرارتها. ويمكن أن يقال إن فلسفة الصين تتميز بالقدرة على النظرة إلى الحياة جملة في الفن، وبالعود إلى البساطة في الفلسفة وبحكمة العيش، ومن ثمار ذلك إكبار الشاعر والزارع والمتشرد.

ويقول لِن يوتانج إنه لا عميق ولا واسع الاطلاع، وإنه لم يقرأ كتب لوك، وهيوم، وبيركلي، ولم يدرس الفلسفة في جامعة، وإنه لا يقرأ الفلسفة، وإنما يقرأ الحياة، وإن المصادر التي استقى منها ما في كتابه هي: السيدة هوانج، وهي المرأة في بيته لا ينقصها من الآراء ما يجعل تربية المرأة في الصين صالحة، وسائق سيارة في شوارع شانجهاي، وشبل أسد في حديقة الحيوان، وعصفور في حديقة بنيويورك، وكل كاتب لم يخنق إحساس القراء بالحياة … إلخ

وأحسب أن هذا القدر كاف للتعريف بلِن يوتانج.

ومن أمتع فصول الكتاب وأكشفها عن أسلوب يوتانج، فصل له عن «المعدة» يذهب فيه إلى أن الأذن والعين والأنف واللسان واليدين والرجلين … إلخ — كل هذا له عمله ووظيفته، ولكن الفم والمعدة لم يكن لهما داعٍ، وهما علة ما عاناه — ويعانيه — البشر من المتاعب؛ لأنهما استدعيا السعي وراء الرزق فعقَّدا الحياة، وأوجدا المكر السيئ، والكذب، وقلة الذمة؛ فاحتاج الأمر إلى القوانين للردع والزجر.

وقد اختصر كنفشيوس شهوات الإنسان، فحصرها في اثنتين؛ الطعام والنسل، ويقول الكاتب إن كثيرين وسعهم أن يستغنوا عن المرأة، ولكنه ما من أحد — ولو كان نبيًّا — وسعه أن يستغني عن الطعام والشراب، والسؤال الأبدي الذي لا ينفك يدور في نفوسنا كل بضع ساعات هو «متى آكل؟ أو ماذا آكل؟» وأعظم المؤتمرات الدولية تضطر إلى رفع جلساتها ليتسنَّى لأعضائها أن يغدوا، والبرلمانات تنظم جلساتها وفق مطالب المعدة، ولو طالت حفلة تتويج أكثر من خمس ساعات أو ست، وحالت دون تناول الجمهور غداءه لعدت إساءة عامة، وخير ما يكرم به بعضنا بعضًا أن يقيم مأدبة، والذين يجتمعون حول مائدة يجتمعون في سلام ووئام، ولو التقى صديقان حميمان على جوع، ولم يطفئا ما يلتهب في جوفهما لانتهى بهما الأمر إلى الشجار، ومن الصعب أن تحمل على كتاب يطعمك صاحبه مرتين أو ثلاثًا في الشهر. ولهذا يفض الصينيون ما بينهم من نزاع حول موائد الطعام لا في المحاكم. والمآدب أهدى سبيل إلى النجاح في السياسة. وقد خدمت «المكرونة» إيطاليا كما لم يستطع موسوليني أن يخدمها، بل إن الخير الذي أسدته المكرونة إلى إيطاليا، قد أفسد وضيعة موسوليني.

ويمزح الكاتب فيقول إن السبب في أن علم الحيوان لم يتقدم في الصين هو أن الطالب الصيني لا يستطيع أن يرى سمكة من غير أن يتصور طعمها على لسانه، وأن يشتهي أن يأكلها. ويزعم الكاتب أنه يسيء الظن بالجراحين الصينيين؛ لأنه يخشى إذا شق أحدهم كليته عن «حصوة» أن ينسى الحصوة، وينزع الكلية فيضعها في المقلاة!

ويحمد الكاتب ربه؛ لأن جوع المعدة لا يحاط بما يحاط به «الجوع الجنسي» من التستر والكتمان! فلا حياء ولا خجل، ومن أجل ذلك كانت الجرائم الاجتماعية التي ترجع إلى الطعام أندر من الجرائم التي ترجع في مرد أمرها إلى الشعور الجنسي، وليس في قوانين العقوبات أحكام خاصة بالأكل غير المشروع أو غير الأدبي، أو الذي ينطوي على خيانة أو غيرها مما يجري مجراها، ولكنه ما من قانون عقوبات يخلو من فصل طويل أو فصول في الزنى والطلاق، والأعمال الفاضحة … إلخ.

والجهل بمسائل الطعام نادر، وفي حكم المعدوم، ولكنه بمسائل الجنس، شائع، وموضوع الطعام يستمتع بشمس المعرفة، أما موضوع الجنس فمحوط بالخرافات والأساطير.

ويذهب الكاتب إلى أنه لو كان الإنسان نباتيًّا لكان السلام في العالم أبقى وأدوم؛ فإن من المشاهد أن الحيوان النباتي مسالم، أما الذي يأكل اللحم كالذئب والأسد والنمر والفهد فمحارب. وقد أُثِرَ عن بعض الشعوب القديمة أنها كانت من أكلة اللحوم البشرية، ولا يزال بعضنا يأكل لحم بعض — فرديًّا واجتماعيًّا ودوليًّا — والفرق بيننا وبين المتوحشين من أجدادنا أننا نقتل أعداءنا ثم ندفنهم ونصلي على أرواحهم، أما أجدادنا فكانوا يأكلون ما يقتلون، وهذا معقول، وإلا فيم كان القتل؟

ولا استقرار للسلام على الأرض ما بقي الإنسان يأكل اللحم، فالتطور السديد الذي يفضي إلى السلام في العالم هو الذي يجعل النباتيين كثرة، وفصيلة أكلة اللحوم قلة. أما في زماننا هذا فإن الدنيا تحكمها هذه الفصيلة ولا حيلة في هذا في رأي الكاتب ما دامت لنا هذه المعدة، وما دمنا نؤمن بالعضلات القوية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.