بعد أن قرَّرَ مجلس شورى النواب أن يكون وضع الميزانية وتقريرها من حقوقه، وبعد أن اجتمع مجلس النظار دون حضور المراقبَيْن الفرنساوي والإنكليزي، وبعد أن أصدرت فرنسا وإنكلترا أمرهما إلى قنصلَيْهما بألَّا يتورطَا في سياسة الضغط على الحكومة المصرية؛ ظهر النزع في حياة الرقابة، وبعد هذا كله ارفضَّ مجلس شورى النواب حتى لا يتعرَّض لدرس مشروع وضعته فرنسا وإنكلترا لتعديل المادة الواردة في القانون الأساسي عن تقرير الميزانية. وكانت تلك الدولتان قد استشارتَا الدول الأخرى الكبيرة في ذلك، فوافقت على التعديل وأقرَّتْه، ولكن هذا التعديل وصل بعد ارفضاض المجلس في ٢٧ مارس، وكان من رأي القناصل والمراقبين أن هذا التعديل الذي أقرَّتْه الدول لا يُقبَل إلا إذا أيَّدته القوة المسلحة. ولما اعترض رئيس الوزارة الفرنساوية على هذا القول وأبدى خوفه من التحرُّش بمصر، كتب المسيو دي بلنيير المراقب الفرنساوي — الذي كان عضوًا في وزارة نوبار التي أسقطها الضباط على عهد إسماعيل — أن الجيش المصري لا يستطيع الثبات لحظةٍ أمام أية قوة فرنساوية أو إنكليزية، ولكن وزارتَيْ فرنسا وإنكلترا لم تكونَا تصدِّقان بأن الفوضى ستتحكم في البلاد؛ لأن الشعب في جانب الوطنيين، ولأنه يعتمد عليهم لإنقاذه من المرابين. وقد قلنا في كلمة سابقة إن أحد المحققين الإنكليز قدَّر يومئذٍ ما يأخذه المرابون من الأهالي بنحو ٥ ملايين جنيه في السنة؛ أيْ نحو مجموع ميزانية الحكومة أو أقل قليلًا.

وإذا كان الثوار لم يهتموا بثورة السودان التي كانت تتفاقم، ولا باعتداء الأحباش على الأملاك المصرية، ولا بمد إيطاليا يدها إلى مينا عصب ومنطقتها؛ لأنهم كانوا يقولون إن كل همنا محصور في مصر ومصر تكفي، فإن شبحًا واحدًا كان يخيفهم، وهو شبح إسماعيل القوي الحازم؛ فأقل حركة أو أقل كلمة من جانب الخديوي إسماعيل كانت تقضُّ لها مضاجعهم ومضاجع سواهم، ولم ينسوا أن إسماعيل هو الذي حصد شوكتهم عندما تألَّفت وزارة نوبار، وفيها ريفرس ويلسون الإنكليزي ودي بلنير الفرنساوي (١٤ أكتوبر ١٨٧٨)، فسرحت القسم الأكبر من الجيش طلبًا للاقتصاد، وأحالت إلى الاستيداع ٢٥٠٠ ضابط بنصف راتب، فغضب الوطنيون للأمرين معًا: للجيش ولتسليم الوزارة لأجنبيين؛ فهجموا في ٢٨ فبراير ١٨٧٩ على هذين الوزيرين الأجنبيين اللذين اضطرَّا إلى الاختباء في وزارة المالية. فلما بلغ الخبر الخديوي إسماعيل، ركب موكبه وقصد دار المالية وفرَّق المتظاهرين بكل قوة وعنف وأنقذ الوزيرين، فظنَّ الأوروبيون بل قال مؤرِّخوهم إنه كان على اتفاق مع الضباط فيما عملوا ليتخلَّص من الوزيرين الأجنبيين، وقال نوبار باشا رئيس الوزارة إنه هو الهدف لا الوزيران الأجنبيان، واستعفى نوبار فعيَّن إسماعيل ابنه وولي عهده توفيقًا رئيسًا للوزارة، وأرسلت فرنسا وإنكلترا تشترِطَا أن عليه أن يحضر مجلس الوزراء تفاديًا عن نفوذه، وأن يعترف لريفرس ويلسون ودي بلنير بحق الرأي القطعي وبأن يستشيرهما في اختيار الوزراء.

فكان رده على ذلك في ٧ أبريل بأنه عيَّن شريف باشا رئيسًا للوزارة، ثم أبلغ القناصل أنه يحكم بعد الآن بواسطة وزرائه الوطنيين الذين يكونون مسئولين أمام مجلس شورى النوَّاب إلى قوله: «وما دمتُ مصريًّا وخديويًّا لمصر، أرى من واجبي المقدَّس أن أجاري الرأي العام في بلادي، وأن أحقِّقَ أمانيها المشروعة.»

هذه القوة، بل ذياك الحزم الذي عرفه الوطنيون بإسماعيل، كان يُدخِل الهلع على قلوبهم مخافةَ أن يعود إلى الأريكة.

وقد كان غامبتا رئيس الوزارة الفرنساوية يقول: «لو لم يُرِد إسماعيل النزولَ عن الأريكة، لَمَا استطعنا حمله على تركها.»

ولما كان الوطنيون على هذه الحالة النفسية من جهة إسماعيل، وردَّ عليهم في أوائل شهر أبريل (١٨٨٢) أن إحدى نسائه عزمت على المجيء إلى مصر ومعها ٢٧ شخصًا من حاشية إسماعيل، فلم يبقَ في خدمته سوى ٨ أشخاص، وكان الخديوي إسماعيل قد أرسل بذلك تلغرافًا إلى الخديوي توفيق؛ لأن الأميرة القادمة مريضة.

هذا التلغراف أطار صوابهم، فلما وصلت الباخرة الطليانية أرابيا إلى ميناء الإسكندرية في ٥ أبريل، أحاطت بها الزوارق المسلَّحة ومنعتها من الاتصال بالبر، وصعد إلى ظهرها محافظ الإسكندرية ومعه ثلاثة أطباء، فأَبَتِ الأميرةُ مقابلتَهم أنفةً واشمئزازًا، وأرسل عرابي إلى قلم المطبوعات بلاغًا في ٦ أبريل يقول فيه إن الجيش والشعب يعارضان في دخول أي شخص مصر باسم الخديوي السابق.

وفي ٩ أبريل عادت الباخرة بركَّابها، ولم يكتفوا بذلك، بل أخرجوا من مصر مدير أملاك الخديوي إسماعيل الكونت ماكس لافيزون الروسي.

وبعد ذلك بيومين — أي في ١١ أبريل — أشاعوا في طول البلاد وعرضها أن عرابي ورفاقه نجَوْا بأعجوبة من خناجر القَتَلَة.

وقالوا إن هؤلاء القَتَلَة هم الضباط الجركس الذين كمنوا لأبطال الوطنية ليفتكوا بهم، ولكن واحدًا منهم وخزه ضميره فأبلغ أمر المكيدة لعرابي الذي لجأ إلى ثكنة عابدين تحت حماية الجنود. وقالت جريدة المحروسة في ١٥ أبريل إن الدوريات العسكرية التي خرجت للبحث عن المؤتمرين، وجدتهم كامنين في الأماكن التي أرشد إليها الرجل الذي فشا السر، وإلى هذه الرواية مال المستر بلنت عند ذكره للحادث.

وذهب بعض القناصل إلى عرابي يهنِّئونه، وتلقَّى التهاني من كل جهة، ولكن قنصل فرنسا وقنصل إنكلترا لم يصدِّقَا الرواية، فكتب كلُّ واحد منهما إلى حكومته يصف المؤامرة بأنها المؤامرة الوهمية المزعومة؛ لِما بين الضباط الوطنيين والضباط الجركس من العداء والنفور، ومنشأ هذا العداء قديم؛ وذلك أن جيش إبراهيم كان يقوده هؤلاء الضباط الجركس — أي التُّرك والكرد والأرناؤوط — فلما تولَّى سعيد باشا (١٨٥٤–١٨٦٣) لحظ أن هؤلاء باتوا يحتكرون مناصب الدولة وميزانيتها ووقفها، فأمر أن تكون لغة الحكومة العربية لا التركية، وأن يُولَّى الوطنيون الوظائف الإدارية العالية، وأن يُعيَّن منهم الضباط لقيادة الجيش. وأخذ الوطنيون منذ ذاك الحين يحلون محل الجركس إلى أن كانت مظاهرة الضباط الوطنيين في ١١ فبراير ١٨٨١، وإرسالهم وفدًا إلى رياض باشا يشكو من عزل الميرالاي عبد الغفار قومندان السواري، وإحلال ضابط جركسي محله، ويطلبون عزل ناظر الجهادية.

ولما رُقي العدد الكبير من الضباط الوطنيين في ١٥ مارس ولم يُرقَّ أحد من الضباط الجركس، زاد تذمُّر هؤلاء، وضاعَفَ في تذمُّرهم إرسالُ الفريق الأكبر منهم إلى السودان الثائر.

ولما حلَّ شهر مايو صدر الأمر بإرسال فريق من الضباط الجركس إلى النيل الأبيض، فاجتمعوا ليكتبوا عريضة يطلبون فيها تغيير مكان نقلهم، وبينما هم يتباحثون بنص تلك العريضة، وضع واحد منهم يده على قبضة مسدسه وقال: «بهذا وحده يجب أن نكلِّم عرابي.» فنقل الضابط الذي انعقد الاجتماع في داره هذا الحديث إلى عرابي، وفي نفسه ونفس رفاقه ما فيها، فأخذوا يقبضون على الضباط الجركس بلا عدٍّ ولا حساب، وألَّفوا مجلسًا عسكريًّا لمحاكمتهم، وكان من أعضاء هذا المجلس عبد العال وعلي فهمي وطلبة وعلي الروبي، وهم في مقدمة الذين أراد المؤتمرون بهم شرًّا.

وكانت التهمة أن المتهمين كانوا يدبِّرون قتلَ عرابي وبعض رفاقه أعضاء هذا المجلس العسكري المؤلَّف لمحاكمتهم، ومثل هذه التهمة لا تقضي برد القضاة، ولكنهم لم يردوا أنفسهم وجعلوا المحاكمة سريةً، ولكن عرابي كان يحضر الجلسات.

وفي ١٨ أبريل — كما جاء في الأهرام يومئذٍ — كان موعد المحاكمة، فأخذ بعضهم الاعتراف، وأخذ البوليس بالقبض على آخَرين، فقبض على عثمان باشا رفقي الذي كان ناظر الجهادية يوم قدَّمَ رياضُ باشا عرابي ورفيقَيْه للمحاكمة بقصر النيل، وسجنوه مع آخَرين من كبار الضباط، وتهمة هؤلاء أنهم كانوا يتآمرون لإعادة إسماعيل باشا، وأن المحرِّض على ذلك السردار راتب باشا الذي ظلَّ في خدمة إسماعيل، وصرف بعض الوقت في مصر ثم عاد إلى نابل مقر سيده.

عُذِّب المسجونون في سجونهم، فحملَتِ الجرائدُ الأوروبية حملةً شديدة على الحكومة والضباط، فأنذرت غازته المحاكم ثم أُقفلت بعد الإنذار، وأنذرت جريدة الفار دالسكندري … إلخ إلخ.

وحاولت تركيا التدخُّل، فأرسل الباب العالي إلى الخديوي تلغرافًا بأن يعجِّل بمحاكمة الضباط المتَّهَمين؛ لأن عثمان رفقي حائز رتبته من السلطان.

في ٣٠ أبريل أصدر المجلس العسكري حكمه، وأصدر قلم المطبوعات في اليوم التالي البلاغ الآتي بعنوان «الحكم الصادر على الضباط الجركس المشتركين بالمؤامرة ضد سعادتلو عرابي باشا»: أربعون ضابطًا منهم عثمان رفقي حُكِم عليهم بالتجريد من الرتب العسكرية، وبالإبعاد المؤبد إلى أطراف السودان.

«وبالعقاب ذاته غيابيًّا على السردار راتب باشا، وعلى اثنين من المصريين الملكيين، وإحالة خمسة ملكيين إلى المجالس الأهلية.

الالتماس من سمو الخديوي وحكومته درس مسألة معاش الخديوي السابق إسماعيل، باعتباره المحرِّض على المؤامرة.»

ولما أُعلِن ذلك الحكم أظهر الأوروبيون اشمئزازًا أو استنكارًا شديدين، حتى اضطر مصطفى فهمي ناظر الخارجية أن يُسرِع لمقابلة قنصلَيْ فرنسا وإنكلترا، وأن يعتذر عن خطأ بليغ قبل مصادقة الخديوي على الحكم، وقال إن النص الذي أذاعه قلم المطبوعات كان خطأ؛ لأن النص الأصلي لا يذكر أن المؤامرة كانت موجَّهة ضد عرابي باشا، ولا يشير من قريب أو بعيد إلى إلغاء معاش الخديوي إسماعيل.

ولكن القناصل الذين سمعوا الاعتذار كانوا يعرفون الحقيقة، وهي أن الذي كتب القرار هو علي الروبي، وأن في القرار فوق ما ورد من قلم المطبوعات صدور الأمر إلى حكمدار القاهرة بأن يضع تحت المراقبة أكثر من ٣٠٠ ضابط جركسي مشبوه كما أرسلوا إلى حكوماتهم.

ولما استشار توفيق باشا قنصلَيْ فرنسا وإنكلترا فيما يفعل بهذا الحكم في ٢ مايو، اختلفَا في المشورة؛ فقنصل إنكلترا أشار بإلغاء الحكم لأن المحاكمة كانت سريةً، ولأنه لم يحضر أحدٌ للدفاع. أما الفرنساوي، فأشار باستعمال العفو بعد استبعاد الأسباب السياسية. أما القناصل الآخَرون، فإنهم اعتذروا عن إبداء الرأي؛ لأنهم لم يتلقَّوا التعليمات من دولهم. ولاعتقاد الخديوي ببراءة المحكوم عليهم، بات بين ضميره لا يساعده على إبقاء الحكم، وبين ضعفه لا يساعده على مجابهة الثوار ومخالفتهم.

وفي ٥ مايو أبلغ الخديوي رئيسَ النظار تلغرافًا من الباب العالي، وفيه يأمر بتحويل القضية إلى الآستانة؛ لأن من المتهمين ضابطًا برتبة فريق حُكِم عليه خلافًا لحقوق الباب العالي، فردَّ توفيق باشا على هذا التلغراف بأنه سيعرض المسألة على الباب العالي بعد مراجعة أوراقها؛ فأغضب هذا التلغراف من توفيق باشا إلى الباب العالي الوزراءَ بحجة أنه يُدخِل تركيا في مسائل مصر.

وبعد أن تشاوَرَ النظار في الأمر، عاد محمود سامي وعرابي إلى الخديوي، وطلبَا منه أن يستبدل حكم الإبعاد بحكم الشطب من عِداد الجيش، وبعد ذلك ورد تلغراف آخَر من الباب العالي يطلب فيه إرسال الأوراق إليه، فجمع الخديوي القناصلَ جميعًا واستشارهم، فلم يُشِر قناصل ألمانيا وإيطاليا والنمسا وروسيا بشيء، وأشار قنصل إنكلترا بالعفو العام، وقنصل فرنسا بإبعاد المحكوم عليهم من الجيش إبعادًا بسيطًا، وهذا ما فعله الخديوي، ولكن ذلك أيضًا أغضَبَ الوزارةَ؛ لأن الخديوي عمل بآراء الأجانب، وإنْ كان هذا الرأي كرأي الوزارة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.