كان صاحب الفضيلة الشيخ إبراهيم حمروش بقيةً صالحةً من بقايا المدرسة الإمامية التي استفادت من قدوة أستاذها الشيخ محمد عبده في العناية بعلوم اللغة والأدب والحكمة إلى جانب العناية بعلوم الفقه والشريعة.

كان الأستاذ الإمام يُعنى بالأدب واللغة فيدرس «نهج البلاغة» و«مقامات البديع» ويُعنى بالفلسفة الإسلامية فيكتب «رسالة التوحيد» ويعلق على «العقائد العضدية» ويَهدي طلابه إلى أسرار حكمة الغزالي في مطولاته ومختصراته، ويُعنى بالفقه والشريعة فيلقي دروسه في تفسير القرآن الكريم ويكتب تقريراته الوافية في إصلاح المحاكم الشرعية.

وبهذه القدوة العالية كان تلاميذه الأوائل يقتدون ويهتدون، ومنهم فقيد اللغة والفقه الأستاذ حمروش شيخ الأزهر الأسبق وعضو مجمع اللغة العربية، الذي فقده العالم العربي والعالم الإسلامي منذ أيام.

كان عجبًا في سرعة الشاهد من الشعر والنثر على خاطره وعلى لسانه، وكان من شواهده في جلسة قريبة من جلسات لجنة الأصول بالمجمع أن بعض الزملاء تذاكروا شروط السن، فسمعنا الشيخ — كعادته — عند حضور الشاهد يهمس ببيت التميمي الذي يقول فيه:

وإن امرأ قد سار خمسين حجة

إلى منهل من ورده لقريب

وهو بيت يكثر فيه تبديل العدد على حسب المناسبة، فصاحب البيت يقول: «خمسين حجة» وبديع الزمان في مقامته الأهوازية يقول: «عشرين حجة»، والشيخ حمروش يرويها أولًا: «ستين حجة»، ثم يذكر أنه جاوزها فيصلح وزن الشطرة على الثمانين، ويعود قائلًا:

وإن امرأ يسعى ثمانين حجة

إلى منهل من ورده لقريب

وهكذا كنا نسمع منه الشواهد الحاضرة حين يستشهد بها في موضعها من الدلالة على الأحكام اللغوية، ثم يتصرف فيها — متبسطًا — على حسب الحالة الحاضرة كما كان يقول.

ولم يكن من المتشددين في استناده إلى أقوال الشعراء والرواة، فإنه كان على خلاف علماء اللغة الذين يقفون بالحجة عند أقوال المخضرمين؛ يتوسع فيستشهد أحيانًا بأقوال العباسيين من أمثال بشار وأبي نواس، بل يستشهد أحيانًا بأقوال المولدين المتأخرين إذا درجت في مدارج الاستعمال الشائع. ويظرف غاية الظَّرف حين تسمعه في وقاره وسمته يروي بيتًا لأبي نواس أو لبشار لا يتحرج فيه هذا ولا ذاك، ولا يبالي الشيخ لغوهما إذا كان فيه حجة «اللغويين» … وقد ينطقها أحيانًا بفتح اللام من «اللغو» لا من «اللغة» تفكهًا منه على حسب المقام.

وكثيرًا ما كان يعزز حجة «النحوي» بحجة الفقيه «المنطيق».

وكثيرًا ما كان يسأل عن مقابل الكلمة باللغات الأجنبية ليضعها في موضعها من المعنى والتركيب. ولا نذكر أنه حصر رأيه قط في أفق ضيق من التقليد أو التقييد، ولكنه كان مثلًا للعالم السلفي الذي يرعى حق القديم ولا ينسى في غيرته عليه حق الجديد.

ويتفق قبل يوم من وفاته أن يُنعى إلى المجمع عضو آخر من أقدم أعضائه، ومن أركانه القلائل في مسائل اللغات السامية ومواضع المقابلة بينها وبين اللغة العربية؛ وهو العالم المتمكن الحاخام «حاييم ناحوم» حبر الطائفة الإسرائيلية بوادي النيل، وقد كان معجمًا حيًّا لتلك اللغات، نسأله عن مقابل الكلمة العربية أو الإفرنجية منها فيجيب على الأثر كأنه ينظر في كتاب لا يحتاج عند مراجعته إلى تقليب في صفحات.

وربما كانت مراجع هذا العالِم في التاريخ الحديث عدلًا مساويًا لمراجعه في مسائل اللغة السامية؛ لأنه كان سفيرًا للسلطان عبد الحميد إلى الولايات المتحدة قبل عهد الدستور، ثم عضوًا لمجلس الأعيان بعد إعلان الدستور منذ نيِّف وخمسين سنة، فإذا نشرت مذكراته عن هذه الحقبة لم يكن لها نظير فيما نعهده من مراجعها المعروفة؛ لأنها تحوي من ذخائر السياسة ما ليس يعلمه مثله أحد من رجال الدول والأديان.

إن فقد هذين العضوين في يومين متواليين خسارة كبيرة على المجمع وعلى اللغة وعلى الثقافة في جملتها، وإنهما ليختلفان اختلافًا واسعًا في مجال خدمتها وتجديد علومها ودراساتها، ولكنهما يعززان معًا حجة القائلين بفضل الدراسة الدينية على الدراسة اللغوية من قديم الزمن، ولا يزال هذا الفضل مرجوَّ المدد والزيادة عندنا وعند غيرنا من أبناء الديانات الكتابية الثلاث، وكلها شرقية المراجع عند البحث عن الأصول.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.