في العالم اليوم شعور بقلق نفساني مصدره الحاجة إلى الاطمئنان لصلة ما بين الإنسان والوجود يستريح إليها ويؤمن بها، وأوضح مظاهر هذا الشعور بالقلق ما نراه من اتجاه طائفة من مفكري الغرب وعلمائه إلى الشرق وعقائده وفلسفته، يأملون أن يجدوا فيها ما يكشف عن هذه الصلة، ويبسطها بعد ما زادتها حضارة الغرب المادية دقة وتعقيدًا. فهل ترى يهتدي أولئك الباحثون في تاريخ الشرق إلى عقيدة بسيطة يستريح إليها العالم في طوره الحاضر، ويجد فيها ملجأه المعنوي يتصل من خلاله بكل ما في الوجود خلال الزمان والمكان؟

على أن هذا المظهر للشعور بالقلق ليس هو أعمق مظاهره، وإن يكن أوضحها. فموجة الإلحاد التي انتشرت في العالم منذ القرن الثامن عشر، فاطمأن العالم زمنًا إليها، قد وصلت إلى الحد الذي سوَّغ الشك في الإلحاد مثل ما سوَّغ الإلحاد الشك في الإيمان أول قيام مونتني، وفولتير، وغيرهما، يهدمون صروح الإيمان القديم لما عشش فيها من الأوهام والأباطيل، ولقد اطمأن أناس إلى النفي والإلحاد زمنًا؛ لا على أنه حالة نفسية يعيش العالم بها، بل لأنهم رأوا العلم يخطو خطوات واسعة، ويكشف من نظم الحياة وقوانين الوجود كل يوم عن جديد، فعلقوا عليه أملهم، راجين أن يكشف لهم عن معنى الحياة وسر الوجود على صورة يطمئن إليها العقل، ويرضاها المنطق الإنساني أكثر من الصورة القديمة، ولقد كان من حقهم أن يعلقوا على العلم هذا الأمل، وأن يرتجوا منه ما رجاه رينان في كتابه (مستقبل العلم) من حل لغز الوجود. كان ذلك من حقهم بعد ما رأوا كثيرًا مما كان الناس يؤمنون به في الماضي على أنه حقائق ثابتة، وقد كشف العلم عن باطله، وبعد ما رأوا المدنية المادية التي أقامها العلم، وقد أتت من الثمرات ما أتاح للإنسانية من أسباب النعمة في الحياة، ومن وسائل الاتصال بالكون مما لم يكن يحلم الناس به من قبل، ثم بعد ما رأوا العلم يكاد يحل مشكلة الحياة نفسها، ويأتي من المعجزات بما كان موضع إيمان العصور القديمة على أنه من أمر القوة الخالقة المدبرة للكون، فلينتظر من شاء هذا الإيمان الجديد الذي يعمل العلم لتحقيقه، ثم لتكن بعد ذلك ديانة الإنسانية كما صورها أوجست كونت، أو جمال الكمال كما ارتضاه شلر، أو أية صورة تقرها النفس الإنسانية المهذبة نتيجة ما أبدع العلم الحديث كصلة بين الإنسان والوجود يستريح إليها ويؤمن بها، فلينتظر من شاء هذا الإيمان الذي حان حينه، وليخالف من شاء رأي ابن المقفع الذي أبى أن يبيت على غير دين.

على أن الإنسانية طال بها الانتظار كما صادفتها هزة عنيفة أنفدت صبرها، تلك الهزة النفسانية هي الحرب الكبرى. فكثيرون من أولئك العلماء الذين كانوا ينقبون بصبر وجلد يريدون حل لغز الوجود حلًّا علميًّا رأوا الأرض تميد بهم، ورأوا من حولهم أعز ما في حياتهم يتساقط. رأوا أبناءهم وأصدقاءهم وزملاءهم يبتلعهم الفناء، ورأوا أنفسهم في خريف الحياة تجردوا من كل أوراق الربيع؛ لذلك التفتوا إلى ناحية الفناء الذي كانوا يرونه بالأمس بعض صور تطور الحياة في تخطيها ما نسميه نحن لجج الزمن، ورأوا فيه كل ذكرياتهم وكل آمالهم وكل حياتهم. أحق أن هذا الفناء عدم، وأن الزمن لا وجود له، وأن ليس شيء اسمه الماضي، ولا الحاضر، ولا المستقبل؟ ألا رجاء لنا في بعث تجتمع فيه بهؤلاء الأعزة الذين كانوا أمل الحياة وطمأنينتها إلى الموت؟ كلا! ولو صح هذا لكان قاسيًا أبلغ القسوة، ولكان الوجود الإنساني ضربًا من العبث، وحاشا أن يكون الإنسان، وهو تاج الوجود، ضربًا من العبث.

وعامل ثالث أثار الشك في الإلحاد، وأنفد صبر المنتظرين. ذلك بعث الشرق بعد الحرب، أليس في الشرق قام موسى وعيسى ومحمد؟ ألم يكن بوذا وبرهمة وكنفشيوس رسلًا في الشرق؟ فهذا الشرق البعيث سيبعث معه عصر الإيمان، وسواء أكان ما يبعثه من ذلك بعض ما آمن به في الماضي، أم كان إيمانًا جديدًا، لكن النفس الشرقية التي عرفت في الماضي أن تكون مرآة ما في العالم من نور وعرفان، وأن تجمع هذا النور كله في كلمة كما يجتمع الأبيض من ألوان قوس قزح السبعة، فهذا الشرق الذي انبعث يستوعب ما جاءت به الحضارة الغربية، ويلتهمه التهامًا سيخرج للناس من هذه الحضارة وعلمها إيمانًا جديدًا. فلنجاهد نحن أهل الغرب علَّنا نعثر في الشرق على هذا الإيمان؛ فتطمئن إليه نفوسنا مخافة أن يظل الشرق زمنًا قبل أن يقول كلمته كلمة النور والهدى.

وفي العالم غير ما تقدم من مظاهر الشعور بالقلق النفساني شيء كثير، غير أن ما تقدم يتناول من يتناول من العلماء والمفكرين، ومن ذوي الرأي والمستنيرين دون غيرهم، على حين قد نفذ الشعور بالقلق إلى السواد نفاذه إلى هذه الطوائف والطبقات، وهو قد نفذ إلى السواد على إحدى صورتين: فمن الناس من رأوا في العلم محطم قيود ثقال أرهقتهم بما شدا العلم به من أغاني الحرية، فاندفعوا يلتمسون في الحرية سعادة كانوا محرومين منها، وذهبوا في المتاع بالحرية إلى أبعد الحدود، هؤلاء وجدوا في أول الأمر في حريتهم متاعًا صحيحًا، ثم ما لبثوا أن انتهوا إلى حال من اليأس من أن تنيلهم الحرية والسعادة حتى لقد أحس بعضهم بأن قيود الحرية لا تقل ثقلًا عن قيود الطقوس الأولى، والآخرون ظلوا مرتبطين بقيود الماضي لريبتهم أكبر الريبة في أن تنيلهم الحرية الجديدة سعادة يحلمون بها، ولكنهم برغم بقائهم في دائرة الموروث من عاداتهم ضعف إيمانهم بما يحقق هذا الموروث من نعيم. هؤلاء وأولئك من السواد ومن العامة أنفسهم يشعرون بقلق نفساني يظهر عند الأولين بمظهر الأسف على ضياع الخرافات المحسنة التي كانت تهوِّن عليهم هموم الحياة من غير أن تعيضهم الحرية عنها شيئًا، وعند الآخرين بالأسف على الحرمان من حرية يتمتع بها الأولون مع ضعف في الإيمان بسعادة الدارين.

هذا القلق الذي يساور الإنسانية جميعًا، والذي يتغلب عليه كل فريق بما اعتاد أن يغالب به هموم نفسه قد زاده وقوَّاه عاملان يظهران متناقضين: أما أحدهما فالهوة العقلية، والنفسية السحيقة التي تفصل ما بين العلماء والمفكرين من ناحية، والسواد وعامة الشعب من ناحية أخرى. ففي طبائع الجماعات أن يتولى ذو الرأي والفكر قيادة السواد، وتؤْمن الجماعات بهم على أنهم أولياء الحقيقة والعارفون بها. فإذا نقض العلماء الحقيقة التي يؤمن السواد بها، ثم لم يؤمن هذا السواد بالحقيقة التي يدعو العلماء إليها كانت القطيعة بينهما، وكان اضطراب النظام اضطرابًا لا تمسكه إلا القوة المادية، وأما العامل الآخر فما نشأ عن هذه القطيعة من تزعزع في عقائد السواد بكثير من الأساطير التي كانت آية إيمانه من قبل، ومن أخذ هذا السؤاد بكثير مما جاء العلماء به ومما رأى فيه مخفف ويلات الحياة وهمومها. فهذه القوانين الاجتماعية الجديدة التي خففت من حدة القوانين القديمة بعد أن لم تعد ملائمة لحياة العصر، وهذه المكتشفات والمخترعات الحديثة التي يسرت للإنسان في الحياة ما لم يكن يتيسر له، وهذا الظاهر من الإخلاص الذي يبدو على العلماء في بحثهم عن الحقيقة وفي سعيهم لإسعاد الإنسانية، هذا كله جعل السواد يشعرون بظلم من يتهمون العلماء إطلاقًا بأنهم أهل شر وفسوق، وكذلك كانت القطيعة والتقرب عاملَين متناقضَين، ولكنهما أثر محتوم للحياة الجديدة، وأثر كان من شأنه أن زاد القلق النفساني في العالم إذكاء وقوة.

وهذا القلق المنبعث عن حاجة الإنسان إلى الاطمئنان لصلة بينه وبين الوجود يستريح إليها ويؤمن بها طبيعي، ولا سبيل إلى زواله إلا إذا سدت هذه الحاجة. فمنذ القدم جهد الإنسان يبحث عن صلته بالوجود وأثره فيه وتأثره به، وكانت صلته أول الأمر صلة خوف ورهبة؛ إذ لم يك له على الوجود ولا على شيء مما فيه سلطان. ثم تطورت هذه الفكرة الأولى بحدوث صلات جديدة بين الإنسان والوجود ظلت تتطور هي الأخرى بتطور ما يكشف الإنسان عنه من خفيات الوجود، وما يقف عليه من أسراره وقوانينه، ومنذ بدأ العلم في القرون الأخيرة يكشف عن غوامض من الأسرار كان الإنسان يحسب آثارها في الماضي معجزات لا تقع تحت سنة من السنن ظنَّ الناس أنهم واصلون في زمن إلى أعمق سر الكون، بل إلى لغز الوجود، وماهية الحياة، وقد كشف العلم عن كثير كان يبرر هذا الطمع في أكثر من ظرف من الظروف، لكنه ما يزال إلى اليوم برغم اتساع ميدانه إلى أضعاف ما كان في الماضي، ولما يصل إلى هذا السر ولما يكشف من مستور الغيب عما جهد الإنسان في البحث عنه منذ أول وجوده؛ لذلك اتجهت طائفة من مفكري الغرب وعلمائه إلى الشرق وعقائده وفلسفته، يأملون أن يجدوا فيها مادة الإيمان بالغيب من طريق هدي الإلهام والغريزة.

ومن الرجم بالغيب أن نفترض نتيجة جهدهم هذا، أَفَتَرَاهُم يخرجون بصورة جديدة للإيمان تهتدي بها أفئدة البشر، أم أنهم يعودون من مباحثهم ومن استيحائهم الماضي، ولم يتقدموا قيد شعرة عما خلف الماضي في أمر الغيب المستور عن حكم العقل؟ لكن الذي نستطيع أن نفترضه، بل الذي نستطيع أن نعتقده، فذلك أن الإيمان الذي يتوقون إليه قد يتفق وقد لا يتفق وإيمان الماضي في أمر واجب الوجود، لكنه يختلف اختلافًا جوهريًّا عن إيمان الماضي فيما بين الإنسان والوجود من صلة، وهذا الذي نعتقده بديهي لا يحتاج في نظرنا إلى عمقٍ في التفكير، أو بحث في المادة وما وراءها. فالعلم كما قدمنا قد كشف للإنسان من أمر الوجود عن كثير لم يكن يعرفه، ومكَّن له من التحكم في كثير من قوى الطبيعة التي كانت من قبل فوق حكمه، وطبيعي أن صلتنا بما نعرف ليست صلتنا بما لا نعرف، كما أن صلتنا بما نخضع له من القوى غير صلتنا بما نتحكم فيه منها، وقد كان ما لا نعرف من أسرار الطبيعة، وما نخضع له من قواها بعض آي إيمان الماضي، وبعض ما تكيفت به نفوسنا، وفاق هذا الذي كنا ندركه إدراكًا مبهمًا من المحيطات بنا، وإذن فسيكون لنا من تقدير صلاتنا بالوجود مبادئ وتقاليد غير ما كان لنا من قبل سوى ما يكون من أمر الإيمان بواجب الوجود ومن صفاته.

على أنَّا نرتاب في نجاح جهود علماء الغرب ومفكريه لاستلهام الشرق سندًا معنويًّا جديدًا يسد من النفس الفراغ الذي عجزت الحضارة المادية عن سده. ذلك بأن الإيمان لا يمكن أن يكون نتيجة بحثٍ علمي الشك أساسه، وقد تغلبت الروح العلمية على الغرب حتى صار عسيرًا إن لم يكن مستحيلًا أن يعرف نور الإلهام طريقه إلى نفس غربية، وما دام الشرق يتلقى اليوم آثار الحضارة الغربية ويلتهمها التهامًا، فأكبر الظن أن تورى شرارة الإلهام من نفس شرقية اجتمعت فيها آثار حضارة الغرب جميعًا، كما تجتمع الألوان السبعة في نقطة واحدة فينبعث منها نور الهدى، وينطق صاحبها بالحقيقة الإنسانية المقدسة في هذه العصور، عصور العلم والبحث.

فإذا صح حدسنا فقد يطمع الشرق في انبعاث هذه الرسالة القدسية الكبرى من خلاله قبل عشرات السنين، وقبل أن يجتمع له علم الغرب وحضارته، والبلد الشرقي الذي يسبق غيره في هذا سيكون له فخر هداية الإنسانية إلى سبيل السعادة إلى أجيال بل إلى قرون.

ولن يكون ذلك عجبًا وقد كان الشرق مهد الوحي ومنبت الهدى. ففي مصر نزلت الديانات الأولى منذ العصور الميثولوجية، ثم انتقلت منها إلى فينقيا، وإلى الإغريق وروما وإلى آشور وأواسط آسيا، ومن مصر خرج الكليم موسى داعيًا إلى الله وهداه، وفي بيت المقدس قام عيسى برسالته، وفي مكة هبط الوحي على محمد، وهذه الأراضي المقدسة أراضي مصر وما حول مصر، كانت منذ أول عهد الإنسانية بالوجود منبت الحق الإنساني الأقدس، وكان هذا الحق ينبعث منها كي يستضيء العالم كلما تشعب أهل العلم شيعًا في تصور الحق، واليوم وقد ذهب الناس فرقًا فيما يتصورونه، وجعل أهل كل فرقة لعبادتهم طقوسًا مما يزعمون، فلعل الساعة التي يجتمع الناس على حقيقة تنجيهم من قلقهم النفساني آتية، ولعل مطلع نور هذه الساعة يكون من مصر صاحبة مدنية العالم الأولى، ويومئذ يفرح المؤمنون بما أفاد العالم في هذه القرون الماضية من علم، وبما عاد العالم إليه بعد علمه من إيمان بالحق يهديه سبيل السعادة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.