كتاب ممتع كل الإمتاع، هذا الذي تفضل بإهدائه إلي الأستاذ الدكتور أحمد الحوفي أستاذ الأدب العربي بدار العلوم.

فيه دراسة متقنة كل الإتقان، عميقة كل العمق، لكاتب من أعلام الكتاب في القرن الرابع للهجرة قلَّت العناية به أثناء حياته، وكثر الكلام عنه بعد وفاته. ولكن الذين كتبوا عنه في العصور الماضية لم يعنوا به حق العناية، وإنما ألموا به إلمامًا، منهم من يثني عليه لغزارة علمه وبراعة أدبه، ومنهم من يتهمه بالزندقة ظالمًا له في أكبر الظن. وإنما اشتدت به العناية في هذا العصر الحديث … فكتب عنه كثير من الباحثين، ولم يوفِّه أحد حقه من التعمق وحسن الاستقصاء كما فعل الدكتور أحمد الحوفي، فهو قد بذل أقصى ما يستطيع من الجهد، واحتمل أشد وأقسى ما يمكن أن يحتملَ باحث في بحثه حتى وفَّاه حقه، وبلغ في درسه غاية ما يستطيع الباحث أن يبلغ من الإتقان والاستقصاء. لم يدع كتابًا من كتبه التي وصلت إلينا إلا وقف عنده فأطال الوقوف وحلله فأحسن التحليل؛ فكان كتابه مثالًا لدقة البحث وحسن التحقيق.

وأخص ما يمتاز به هذا الكاتب أنه كان يائسًا في حياته، ضيقًا بالناس أشد الضيق، يكبر نفسه أعظم الإكبار، ولا يجد من معاصريه معنيًّا به أو ملتفتًا إليه، وكان ضيق الحال أقرب إلى البؤس والشقاء منه إلى السعادة والرخاء.

وكان ذلك يحزنه كل الحزن، ويوئسه من الناس والزمان أشد اليأس. ومع ذلك قد شارك مشاركة حسنة في كل ألوان المعرفة التي أُلِّفت في زمانه، فكان أديبًا متفلسفًا مشاركًا في فروع الفلسفة على اختلافها، وكان بارعًا في الكتابة مجودًا لها مفتنًّا فيها ما استطاع إلى الافتنان فيها سبيلًا. وقد حاول أن يجمع بين مذهب الذين عاصروه من الكتَّاب ومذهب القدماء من المترسلين، فاصطنع السجع كما اصطنعه معاصروه، وترسل كما كان الجاحظ يترسل؛ فكان يوشك أن ينفرد بهذا الجمع بين مذهب المعاصرين ومذهب القدماء المترسلين.

ولعله أسرف في الأمرين معًا حتى انتهى إلى ما يشبه الإملال في كتابته؛ لإسرافه في الجمع بين هذين المذهبين. وكان إلى ذلك راضيًا عن نفسه كل الرضا، ساخطًا على عصره كل السخط، يرى غيره من الكتاب والشعراء يعيش عيشة اليسر والرخاء، يتصلون بالوزراء والأمراء وأصحاب الثراء، فيظفرون منهم بالجوائز وألوان العطاء، وكان يحاول أن يصنع صنيعهم، فلا يكاد يبلغ شيئًا مما كان يريد.

وكان يعيش من صناعة لم يلبث أن ضاق بها أشد الضيق؛ وهي نسخ الكتب، وكانت صناعته هذه تتيح له حياة ضيقة قاسية، فحاول أن يتصل بالوزراء والسادة، فلم يظفر عند أكثرهم بشيء، وربما لقي منهم أشد الإعراض عنه والازدراء له. وقد حاول أن يجد الحظوة عند الصاحب ابن عباد، فلم يجد منه إلا الضيق به والإعراض عنه والازدراء له. وحاول ذلك عند أبي الفتح بن العميد فلم يصل عنده إلى شيء، واضطر آخر الأمر إلى أن يهجو هذين الوزيرين في كتاب أفرده لمثالبهما، وقد استيأس آخر الأمر من الناس، ولكنه لم يستطع أن يقنع بحياته الضيقة فاشتد سخطه، وانتهى إلى شيء من التشاؤم، ولعل هذا كله هو الذي دفعه إلى شيء من التصوف. طلب اليسر فلم يستطعه، فحاول أن يرتفع على اليسر والعسر معًا، وأن يأخذ نفسه بالزهد، وأن يفرغ لمحاولة الاتصال بالله. ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يصل إلى التصوف بمعناه الدقيق، وإنما كان متكلفًا في تصوفه لا تستطيع نفسه أن تزهد في سعة الرزق وطيبات الحياة، ولا يستطيع أن يبلغ من سعة الرزق وطيبات الحياة بعض ما كان يطمح إليه؛ فكان مضطربًا أشد الاضطراب، يتقلب بين القناعة التي لا تطمئن إليها نفسه، وبين الطمع الذي لا يُبَلِّغه أملًا ولا يحقق له رجاءً.

كان في أثناء ذلك يكتب الكتب ويذيعها ما وجد إلى إذاعتها سبيلًا، ولكن هذه الكتب على كثرتها لم تبلغه شيئًا مما كان يتمنى، فلما تقدمت به السن واستيأس من كل شيء ومن كل إنسان، انتهى إلى اليأس من كتبه أيضًا فحرقها؛ لأنها لم تجدِ عليه نفعًا، ولم تحقق له مأربًا، ولم ترغب فيه أحدًا من أصحاب الجاه والثراء، ولم ترشحه لجائزة ولم تيسر له سعة ذات اليد.

كره الناس فأبى أن يترك لهم كتبه لينتفعوا بقراءتها؛ لأنه هو لم ينتفع بكتابتها. والغريب أنه لم يكتف بكره الذين عاصروه، وإنما أضاف إلى الضيق بمعاصريه ضيقًا بالناس جميعًا على اختلاف أجيالهم وعصورهم. على أن سوء حظه لم يبلغه من تحريق كتبه ما كان يريد، فهو قد حرق ما كان عنده من هذه الكتب، ولم يخطر له أنه كان قد أذاع هذه الكتب، وأن بعض ما أذيع منها قد بقي حتى وصل إلينا، فنحن نقرؤه ونتقن دراسته كما فعل الأستاذ الدكتور الحوفي على كره أبي حيان؛ لأنه لم يستطع أن يجمع ما كان في أيدي الناس من كتبه، فحرق الأصول، وبقي ما بقي من النسخ التي تداولتها الأجيال إلى الآن، وستتداولها إلى آخر الدهر.

ولست أدري كيف أشكر للدكتور الحوفي جهده الخصب، فقد استمتعت بقراءة كتابه استمتاعًا لا حد له، أردت أن أقرأ منه شيئًا فإذا أنا أدفع إلى قراءته إلى آخر كلمة منه، ثم أعود إليه فأقرأ للمرة الثانية فصولًا منه؛ وذلك لأنه تعمق درس هذا الكاتب تعمقًا قل أن نرى مثله في هذه الأيام التي لا يعرف الناس فيها أناة في البحث ولا استقصاء للدرس، وإنما يلمون بالموضوعات التي يكتبون فيها إلمامًا، ويخطفون العلم والمعرفة خطفًا، ويرضون عن أعمالهم مع ذلك، ويضيقون بناقديها أشد الضيق، ولا كذلك الدكتور الحوفي الذي بدأ يدرس أبي حيان في كتاب نشره، ثم أراد أن يعيد طبعه، فأعاد النظر فيه قبل ذلك، وأحس حاجة كتابه إلى الإكمال والتجديد وحسن الإتقان؛ فحذف منه وأضاف إليه وجدد بعض فصوله، وغير في ترتيب هذه الفصول شيئًا، فخرج الكتاب في طبعته الثانية بالغًا أحسن ما كان يرجى له من حسن البحث وكمال الإتقان.

والدكتور الحوفي كغيره من الذين كتبوا عن أبي حيان معجب به أشد الإعجاب، ويوشك أن يفضله على الجاحظ كما فعل الأستاذ أحمد أمين رحمه الله، ولكنه آثر الاعتدال، فوازن بينه وبين الجاحظ وأحسن الموازنة. ولعلِّي لا أوافقه ولا أوافق المعجبين بأبي حيان؛ لأني أجد في قراءة كتبه شيئًا من الملل، ذلك لأنه حاول أن يترسل كما ترسل الجاحظ فأسرف على نفسه وعلى قرائه في الترسل، وبلغ الإطناب الذي يضيق به القارئ أحيانًا.

ذلك إلى حرصٍ على السجع في كثير من المواضع، بحيث يبلغ الملل من قارئه، ومن الحق أنه لا يسرف في الاستطراد كما كان الجاحظ يفعل، ولكن استطراد الجاحظ كان يضيف إلى فائدة كتبه فوائد أخرى كثيرة.

والجاحظ بريء من إطناب أبي حيان، وهو بريء كذلك من إيثار السجع والغلو فيه كما يفعل أبو حيان. وإذا كان أبو حيان قد عاش في عصر بلغت فيه العلوم عند العرب أقصى ما كان يمكن أن ينتظر لها، على حين عاش الجاحظ في عصر كان يمتاز بالترجمة أكثر مما يمتاز بالابتكار كما يقول الأستاذ الحوفي، وكما قال من قبله الأستاذ أحمد أمين رحمه الله، فإن أبا حيان لم ينتفع بغزارة العلم والمعرفة في عصره من حيث الأسلوب، وإنما أراد أن يكتب كما كان القدماء يكتبون، فلم يبلغ من ذلك ما أراد.

وقد كان الجاحظ في كتبه أشد عناية بالأدب الخالص من أبي حيان، فأنت لا تجد في كتب أبي حيان مثل ما تجد عند الجاحظ من العناية بالأدب القديم والجمع بينه وبين الثقافة الأجنبية التي أخذ في ترجمتها في ذلك الوقت.

واقرأ كتاب «الحيوان» وكتاب «البيان والتبيين» وغيرهما من كتب الجاحظ ورسائله، فستجد فيها مزاجًا رائعًا حقًّا من الأدب العربي والثقافة المستحدثة. ولا سبيل للملل على نفسك حين تقرأ كتب الجاحظ، على حين يسرع إليك الملل حين تقرأ كتب أبي حيان؛ لإسرافه في الإطناب والجمع بينه وبين السجع في كثير من الأحيان. واقرأ إن شئت هذا النص من كتاب أبي حيان المعروف ﺑ «الإشارات الإلهية»:

يا هذا! الغريب من غربت الشمس جماله، واغترب عن حبيبه وعزاله، وأغرب في أقواله وأفعاله، وغرَّب في إدباره وإقباله، واستغرب في طمره وسرباله. يا هذا! الغريب من نطق وصفه بالمحنة بعد المحنة، ودل عنوانه على الفتنة عقيب الفتنة، وبانت حقيقته فيه في الفينة حد الفينة. الغريب من إن حضر كان غائبًا، وإن غاب كان حاضرًا. الغريب من إن رأيته لم تعرفه وإن لم تره لم تستعرفه.

أما سمعت القائل حين قال:

بم التعلل؟ لا أهل، ولا وطن

ولا نديم، ولا كأس ولا سكن؟

ولولا أن أغرقك في سأم لا تجد منه مخلصًا، لرويت لك إلى هذا النص نصوصًا أشد من هذا غلوًّا في الإطناب وإغراقًا في السجع، ولكنك تستطيع إن شئت أن تقرأ في أي كتاب من كتب أبي حيان التي بين أيدي الناس، فستجد نفس هذا الأسلوب فيها شائعًا مضطردًا.

وأين هذا من أسلوب الجاحظ وغيره من الذين عاصروه؟!

وأنا أحمد للدكتور الحوفي اعتداله في التقدير وإنصافه في الموازنة، وأحب أن أهنئه أصدق التهنئة بهذا الكتاب الرائع، راجيًا أن يهدي إلينا أمثاله بين حين وحين إن شاء الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.