نحن في عصر تلخَّصت فيه نتائج الماضي، وتهيَّأت عنده مقدمات المستقبل، نحن في عصر تجمعت فيه جهود ستة آلاف سنة، وتلاطمت في جوِّه انفعالات المراتب وأطماع الأمم، عصران اثنان لهما بعصرنا شبه وهما: عصر انهيار الدولة الرومانية في مطلع القرون الوسطى، وعصر النهضة والتجدُّد في ختام هاتيك القرون.

على أنهما صورتان مُصغَّرتان للمأساة الخطيرة الممثلة على مسرح هذه الأيام، والتي لم تكن الحرب الكبرى إلا فصلًا من فصولها المشتبكة.

اليوم نرى النفس العامة كنفوس الأفراد، قلقة مضطربة لا تستقر ولا تتجلد، بل تشرح أوجاعها، وتضخم عللها فتصرخ تارة وتتهدَّد أخرى طالبة الشفاء والتآسي، اليوم يخرج بنو الإنسان على قرارات الأحقاب مُمزِّقين ما رثَّ من النُّظُم، سابكين نُظُمًا أخرى في قوالب عصرية، مُوجدِين نُظُمًا جديدة تتفق مع الحاجات والمطالب، وفي وسط هذا الاصطخاب، وذاك التنازع، وذياك التمزق حيث يختلط العز بالهوان والإخلاص بالتبجح — نتبين حركتين صالحتين، حرَّف المغالون منهما أيضًا المعنى والمرمى، ولكنهما في حدودهما الطبيعية نبيلتان، مشروعتان، جوهريتان؛ لأن إحداهما قوام العائلة، والأخرى قوام العمران.

وبلادنا التي تلقَّت من الألوهية كلمة الحب الأولى فبزغ الوحي فيها شمسًا توزعت أشعتها على العالم، بلادنا التي حفظ أبناؤها من أثر ذلك الوحي بداهة تدرك كل مظهر وتكتنه كل معنى، أقول بافتخار إني رأيت هاتين الحركتين في بلادنا في أحوال شتى خلال هذا الصيف، ولكنني ما رأيتهما أتمَّ وأوضح منهما اليوم في بيروت قريحة سوريا الجوَّادة وهمتها النهَّاضة، الجامعة بين قوة الأمواج الملاينة وقوة الجبل المنيعة.

أما إحدى الحركتين فهي تحرير المرأة الذي هو قوام النهضة العائلية، تعلمون — أيها السادة والسيدات — أن من مسراتنا الكبرى الحصول على موافقة أمثالنا والفوز باستحسانهم ورضاهم، على أننا نخجل كثيرًا عندما نسمع منهم كلمات الثناء والإطراء، ولكن احكموا عليَّ بما شئتم، فذلك لا يثنيني عن المصارحة بأني في هذه الجلسة قد انعتقت من قيود الشخصية الفردية، فكبرت ونموت وتضاعفت متعددة متكاثرة حتى صرت النوع النسائي كله في أمس الشرق ويومه، عندئذٍ لم أعد أرى الفرد الواحد في الخطيب منكم والشاعر، ولم يعد الكلام موجهًا إلى شخص معين، بل خُيِّل إليَّ أن حجاب الدهور قد أُزيح عن رجال الشرق في الماضي والحاضر، وتصورتهم يتوحدون والمتكلم، مستغفرين عما جَنَوا ضد المرأة وضد نفوسهم وضد الوطن سهوًا وجهلًا، والرجل الذي عهدناه سيدًا ظالمًا جائرًا مستهترًا — كما يقول الوشاة — انقلب ذلك الصديقَ الجادَّ المثقف، ويده التي اعتادت إشارة الضغط والسحق والاستخفاف — كما يقول الوشاة — انقلبت فجأةً يدًا كريمة ترسم تلك الإشارة الأنيقة العطوفة المثيرة الحماسة، إشارة ضفر إكليل العز لرأس الفتاة الشرقية، ولئن رأيت في تلك الإشارة تكفيرًا عن الماضي فقد رأيت فيها كذلك وعدًا بمتابعة تعضيد المرأة في سبل النور والعرفان.

بدت تلك الصورة وتلك الإشارة فارتعشت نفسي وتسامى معنى تأثُّري وتحوَّل الخجل عندي كرامة وقبولًا، فرفعت عيني أُحدِّق في الخطيب والشاعر، وكأن المرأة المظلومة منذ ابتداء الدهور كانت تقول له بسكوتي: «أيها الرجل، لقد أحسنت! أحسنت لأنك كَفَّرْتَ، أحسنت لأنك أنصفت!»

أيها السادة الرجال، لقد سمعتم هنا أخواتي الأديبات السوريات فعلمتم أن بيانهن العذب وعواطفهن الرقيقة، وأفكارهن النيِّرة تحفظ مكانتها قرب بيانكم الألمعي الجارف وأفكاركم القديرة المستأثرة، ألا فليكن لكم من رُقيِّهن ميثاق وقدوة جميلة! اذكروا هذا عندما تعودون إلى منازلكم وانظروا إلى المرأة العائشة في محيطكم وتحت نفوذكم، انظروا إلى الأم، إلى الزوجة، إلى الأخت، إلى الابنة نظرة جديدة، نظرةَ مَن انتبه لواجب طالما أهمله، ولا تقصروا التشجيع عليَّ أنا ابنتكم المارة بينكم مرورًا سريعًا، بل ظلوا عاملين على تحرير المرأة التحرير المنشود حتى تسمعوا من نفوسكم تلك الشهادة البديعة: «أيها الرجل لقد أحسنت! أحسنت لأنك كَفَّرْتَ، أحسنت لأنك أنصفت!»

إذا كانت الحركة الأولى هي تحرير المرأة فالحركة الأخرى هي تحرير الوطنية.

الوطنية! يا للكلمة الساحرة المنبهة كل فكر، الملهبة كل قلب، الشاحذة كل عزيمة! لقد كانت دوامًا عظيمة حتى في معناها الضيق يوم كانت تحسب البلاد كل العالم، وأهل البلاد الشعب المصطفى الأوحد، ولقد كانت في معناها الواسع عاطفة رحيبة امتازت بها النفوس الحرة في كل زمان ومكان، غير أنها شاعت وصارت لكل أمة ناهضة منذ قرن بعد أن هدم بنو الفرنسيس جدران البستيل ناشرين على حدود الوطنيات أعلام الثورة الفكرية، وجاعلين الأقطار تتجاوب أصداؤها بتلك الآيات الثلاث المعلنة حقوق الإنسان، وهي — من ذا لا يعرفها؟ — حرية، مساواة، إخاء.

ونحن الجيل الجديد في الشرق، المدرك علاقة الشعوب بالشعوب واشتباك المنافع بالمنافع، نحن الجيل الجديد المستنير، المتلظي، المغتبط بالعيشة في العصر المتفرد بصعابه وممكناته، نحن اتسعت مِنَّا الوطنية وتكيفت، فإذا بها مع ذلك الحب العنيد القديم قد فتحت صدرها لتشع الأنوار الجديدة.

وطنيتنا الحديثة طبيعية، لأن الروح إذا هي تاقت إلى ملأ أعلى لا يحدُّهُ زمان أو مكان فالجسد يحب الحدود، ويشوق إلى الجدران ويتعلق بالأمكنة والأزمنة بتذكاراته وجهوده وأحزانه، وطنيتنا الحديثة عائلية لأنها تريد أن تمكن المرأة من إنماء مداركها وتأدية وظيفتها ليس بمقاتلة الرجل ومكافحته بل بتعضيده ومساعدته، وطنيتنا الحديثة عملية نشيطة تنكر التواكل والاستسلام مقدرة الاتكال على النفس وإتقان العمل كائنًا ما كان.

وطنيتنا الحديثة عصرية لأنها تساير حركة التقدم في العالم، ومع محافظتها على المحامد العظامية تحتضن كل جديد مفيد منعشةً عندها المسابقة والابتكار، وطنيتنا الحديثة أخوية ودودة لأن مساوئ التحزُّب والانقسام نخرت عظامنا ففهمنا أخيرًا أن عبادة الفرد لباريه لا تحول دون التفاهم مع جاره، وطنيتنا الحديثة رصينة مقتصدة لا تطلب من أبنائها التضحية على غير هدى، بل تريد التوفيق ما أمكن بين مصالح الأفراد ومصالح الجمهور، لأن البلاد لا تكون سعيدة بشقاء أبنائها، وطنيتنا الحديثة مقدسة لأنها إرث الجدود والموتى، حارَّة لأنها عجنت بدماء الشهداء واختمرت بأنفاسهم الأخيرة، متينة لأنها تماسكت أجزاؤها بآلام الأحياء ونبضات قلوبهم، وطنيتنا الحديثة روحانية لأنها شرقية تعلم أن الفرد الواحد يلمس الإنسانية من جميع أطرافها، وأن من خاطب قومه بذلك الإخلاص المنبثق من أغوار روحه فقد خاطب سكان البسيطة بأسرها، إلا أنها تعلم كذلك أن من نصب نفسه لخدمة الناس جميعًا أوشك أن لا يخدم أحدًا؛ لذلك نحن نعزز القومية التي تجعل المرء قوة فاعلة في جانب من الجوانب، نعزز القومية عالمين أن من أدَّى واجبه في محيطه كان مؤديًا ما عليه نحو الإنسانية من واجب عام.

فإن أنا شكرت لعصبة الأدب غيرتها على الأدب واحتفاءها بي، فإني أشكر كذلك جميع الذين ساعدوها على جعل هذا الاجتماع مظهرًا فخمًا من مظاهر الرقي الفكري والقومي في بيروت، إني سعيدة بأن أرى في هذا النادي إخواني وأخواتي من مختلف المذاهب والطوائف، سعيدة باستماع هذه الخطب الجميلة والقصائد العصماء من ذوي الفضل العميم على الأدب العربي والنهضة الحديثة، سعيدة بأن أكون الليلة موضوع عطفكم العذب المنوع الذي يكاد لسِعَته يتعداني شاملًا أهل الفكر والأدب من اللبنانيين والسوريين الغائبين.

إن عطفكم هذا يحيط بي مؤثرًا كالطرب مشوقًا كالأمل، مؤاسيًا كالذكرى، قويًّا كالشباب، ولكنه أيضًا آمر كالواجب، صارمٌ كالمسئولية.

سأعود إلى موطني المصري العزيز وهذه الساعة حيَّة فيَّ، حتى إذا اهتاجني اسم لبنان فذكرت جمال السحب فيه عند الغروب، وجلال الجبال في زرقة الشفق، وروعة البحر تحت الظلام، حتى إذا اهتاجني ذلك الحنين الوجيع إليه رأيتني بينكم مرة أخرى وأمامي السبيل التي عليَّ أن أسلكها، إذن سأهتف بما يهتف به كل واحد منا ساعة اليقظة والتحمس للعمل قائلة: «وطني يحتاج إليَّ احتياجه إلى كل فرد من أبنائه وبناته، وطني يحتاج إليَّ وعيون إخواني ترعاني، أريد أن أبعث حبي لأبناء وطني لهيبًا، أريد أن أسكب نفسي في نفوس أبناء وطني كوثرًا، أريد أن أنسى صغائر الحياة وظلم الحياة وقيود الحياة لأرتفع فوق ذاتي فأضاهي أبناء وطني رفعةً وجمالًا، أريد أن أتعب فأتقن عملي وأسير وأبناء وطني في سبيل التقدم خطوة، أريد أن أحيا، أريد أن أحيا رغم الجراح والآلام لأكون في حياة وطني الناهض حياة.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.