قرأت في إحدى الصحف بمناسبة عيد الحب (الفالنتين) أن إحدى عضوات البرلمان المصري تطالب بإصدار قانون لاعتبار عيد الحب إجازة رسمية، وأن يلتزم الزوج بالبقاء في منزله ملازمًا زوجته في هذه المناسبة السعيدة. وربما يكون الخبر المنشور صحيحًا، وربما لا يكون كذلك، والموضوع على أية حال يثير قضية هامة، وهي دور القانون في الضبط الاجتماعي في علاقته بقواعد السلوك الأخرى.

معروف أن الجماعة — أية جماعة — تحتاج في عيشها إلى أن تخضع لقواعد قانونية لتنظم العلاقات الاجتماعية فيها، وبما يؤدي إلى احترام حقوق الأفراد وحرياتهم وتحقيق السلم الاجتماعي والتقدم الاقتصادي؛ فالمجتمع دون قانون هو غابة يفترس فيها القويُّ الضعيفَ، وتُنتهَك فيها الحقوق والحريات، ولا يأمن أحد على نفسه أو ماله، فالقانون هو أساس وجود المجتمعات، وهو ضمان الحريات وأساس العدل.

ولكن القانون وحده ليس الضابط الوحيد لسلوك الأفراد والجماعات، فهناك العديد من قواعد السلوك التي تفرضها الأخلاق والعقائد الدينية، فضلًا عن القواعد غير المكتوبة للضمير الفردي والجماعي، وقواعد الذوق العام، بل والعديد من القواعد المهنية التي تضبط سلوك أصحاب المهنة.

ولكلٍّ من هذه القواعد مجال ودور لا يمكن التغاضي عنه أو تجاوزه. فالقانون ليس بديلًا عن الأخلاق، كما أن الأخلاق وحدها غير كافية، فللقانون دور ومجال، وكذا الحال بالنسبة للأديان وقواعد الأخلاق وغيرها من قواعد السلوك، وتتكامل هذه القواعد الاجتماعية كلٌّ في إطاره، وليس من المصلحة أن يطغى القانون بأن يصبح — وحده — مناط السلوك الاجتماعي.

ويتميز القانون بأن الدولة — كسلطة سياسية — تفرض أحكامه على المواطنين، وتتولى بسلطاتها التنفيذية والقضائية العمل على احترامه وتوقيع الجزاء على مَن يخالف أحكامه. ومن هنا تظهر قوة القانون، ومن هنا أيضًا تتضح حدوده؛ فالقانون يتلاقى مع أحكام الأديان ومبادئ الأخلاق في تحريمه للقتل أو السرقة أو الاعتداء على ملكية الآخرين مثلًا، ولكن القانون لا يتدخل عند كل مخالفة أخلاقية، فالقانون لا يعاقب على الكذب اليسير إذا لم يأخذ مظهر تزوير أو ما شابه ذلك، كما أن القانون لا يتعرض لمظاهر النفاق أو الانتهازية أو الإخلال بالوفاء أو غير ذلك من الأعمال المنافية للأخلاق والأديان. وليس في تجاهل القانون لهذه القضايا الأخلاقية أو حتى الدينية سلبٌ لدوره، وإنما على العكس يجيء ذلك تأكيدًا لتكامل دور القانون مع قواعد السلوك الأخرى، واعترافًا بأن القيم الدينية والأخلاقية أكثر فاعلية وكفاءة حين يتعلق الأمر بالسلوك الشخصي والنوايا الداخلية، فالقانون لا يتدخل إلا حيث تبرز جسامة الفعل، وحيث لا يترتب على ذلك المساس بحرية الأفراد وحرمة حياتهم الخاصة، فالقانون لا يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، ويقصر تدخُّله عندما يؤدي سلوك الأفراد إلى الإخلال بالسلم الاجتماعي، أو عند الاعتداء على الحقوق والحريات الأساسية. ومن هنا تظهر أهمية مبادئ الأخلاق والعقائد الدينية التي تراعي سلامة النوايا، وحسن المقاصد، وأهمية عمل الخير بوجه عام، وضرورة تجنب أعمال الشر. وإذا لم يكن لمخالفة هذه العقائد الدينية أو المبادئ الأخلاقية من جزاء مادي مباشر، فإن ما تضعه الأديان من عقاب إلهي في الآخرة، أو ما توفره الأخلاق من سكونٍ للنفس وسعادةٍ داخلية، أو على العكس ما يترتب عليها من ازدراء المجتمع أو فقدان السمعة أو الشعور بالعار — ما يمكن أن يكون أكثر فاعلية وتأثيرًا.

وإذا كان القانون لا يتعرض مباشرةً لكل ما يخالف العقائد الدينية أو المبادئ الأخلاقية، تاركًا الكثير منها للاعتبارات الدينية والأخلاقية، فإن القانون يتدخل — على العكس — في الكثير من الأمور التنظيمية والحياتية لترتيب أمور الناس، كتنظيم المرور، أو فرض الضرائب، أو تنظيم قواعد الشهر العقاري وتأسيس الشركات، أو تنظيم ممارسة المهن، أو غير ذلك مما لا تتعرض له القواعد الدينية أو الأخلاقية؛ فمجال القانون في جانب منه أضيق من مجالات الأخلاق والأديان، ولكنه في جوانب أخرى أوسع مجالًا. والمعيار الأساسي لنجاح القانون هو الفاعلية، وتحقيق النتائج المطلوبة اجتماعيًّا دون إرهاقٍ مبالغ فيه للمواطنين، أو تقييد غير مبرَّر لحرياتهم الشخصية، فالقانون لا يعمل في فراغ، وإنما يتكامل مع مبادئ الأخلاق والقيم الدينية، وكلها ضوابط ضرورية لحماية المجتمع وتقدمه. وهكذا فالمجتمعات الحرة لا تستطيع أن تستغني عن القانون، كما لا تستطيع أن تزدهر في غيبة القيم الدينية والمبادئ الأخلاقية، وغيرها من قواعد السلوك الاجتماعي واللازمة لضبط المجتمعات.

ومن هنا، فإنه ليس من المفيد الإسراف في إصدار القوانين عند كل مناسبة، فهذا من شأنه أن يؤدي — عادة — إلى عكس المقصود، بل وقد يصبح سببًا في الفساد أكثر منه طريقًا للإصلاح. القانون أمر هام، ولا شك، ولذلك لا ينبغي تعريضه لكل نزوة أو رغبة عابرة، فالقانون هو أعلى مظاهر تدخل الدولة في حياة الأفراد، وينبغي أن يتوافر له من التوقير والقدسية ما يضمن احترامه، وذلك بتكلفة معقولة ومناسبة؛ فكثرة القوانين مدعاة لتدهور قيمتها وقدسيتها، فكما تفقد النقود قيمتها مع كثرة إصدار النقود، فإن القوانين تفقد هيبتها وقدسيتها مع الإسراف في الإصدار التشريعي. ولعل أحد أسباب تراجع «دولة القانون» عندنا هو الإسهال التشريعي بإصدار آلاف القوانين التي لا يعرف الكثيرون عنها شيئًا، حتى إن القضاء أصبح يجد صعوبة في متابعة القوانين المتعددة والمتناقضة أحيانًا، مما سهَّل تجاهل القانون وعدم الاكتراث به.

ولا ننسَ أن إصدار قانون جديد لا يعني مجرد الموافقة على بنود تشريعية جديدة، وإنما ينطوي على تكلفة مالية ونفسية من زيادة في الأجهزة الأمنية، والسلطات التنفيذية اللازمة لمراقبة تنفيذ القانون واحترامه، فضلًا عما يترتب عليه من تقييد للحريات. كذلك ليس من المستبعد أن تؤدي المبالغة في إصدار القوانين إلى كثرة المنازعات القضائية، وربما تعطيل مصالح الناس الحقيقية في المحاكم؛ نتيجة ازدحامها بالمشاكل التافهة والأقل أهمية. وأخيرًا، وهو الأكثر خطورة، فإن الإسراف في إصدار القوانين يؤدي إلى التدخل المتزايد في حياة الأفراد الشخصية واقتحام حرمة حياتهم الخاصة.

وَلْننظر إلى الاقتراح المثار بإصدار قانون بإلزام الزوج بالبقاء في منزل الزوجية يوم عيد الحب، وما يمكن أن يترتب عليه من نتائج. فهل يمكن أن يؤدي مثل هذا القانون إلى غير الفضائح العائلية، ونشر غسيلها أمام العامة، دون كسب في مزيد من الحب الأُسَري أو غيره؟ افترضْ أن عائلة سعيدة لم يلتزم فيها الزوج — لأي سبب — بالبقاء بالمنزل في هذا اليوم الموعود، فهل من المتصور أن تتقدم زوجة عاقلة تحترم زوجها وعائلتها إلى الشرطة والقضاء لمساءلة زوجها على مخالفة القانون؟ وإذا فعلت ذلك، فهل سيؤدي ذلك إلى انتعاش الحب من جديد في عش الزوجية؟ أم أن هذا سبب كافٍ لتدمير العلاقات العائلية وإفسادها؟ ومَن يلجأ إذن إلى الشكوى؟ ربما لن يلجأ لمثل هذا الأسلوب إلا العائلات التي تعاني بالفعل من تفسُّخ وخلافات مستمرة، وإذا كان الخلاف عميقًا فمن غير المستبعد أن تستخدم الزوجة مثل هذه الوسيلة كيدًا، وليس تذمرًا من غياب الزوج في عيد الحب، وبذا يصبح القانون وسيلة لتأجيج الخصومات العائلية وليس ترميمها.

القانون أمر جلل ويستحق أن يُعامَل بأكبر قدر من الحرص، وليس لمثل هذه الأمور العابرة ظهرت فكرة القانون. القانون هو أداة الحكم الأساسية في المجتمعات الحرة، وينبغي أن يكون تدخُّله في حياة الأفراد بقدرٍ وبلا إسراف أو مبالغة، وإذا كان من المقبول تدخُّل القانون لحماية الحقوق والحريات أو لضمان السلم الاجتماعي، فلا يصح أن يتدخل القانون بخفة في الحياة الخاصة للأفراد، فحرمة الحياة الخاصة للأفراد والعائلات أكثر قدسية من مثل هذه الدعاوى. القانون يزدهر وتزداد قيمته كلما زادت مساحة الحرية والمسئولية الفردية، وبحيث لا يتدخل القانون إلا فيما يسمن من جوع. ودولة القانون لا تتحقق بكثرة القوانين، وإنما بفاعليتها واحترامها، أما عيد الحب وعلاقة الزوج بأسرته فهو أحد خصوصيات العائلة التي تحميها الأخلاق والتقاليد والذوق السليم، ولسنا في حاجة إلى سيف القانون وأقسام البوليس وساحات القضاء للاحتفاء به. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.